قصة : هجرة - عائد من الفردوس -

فضيلة معيرش
2017 / 10 / 18

تفانتْ في هدر أوجاعه بلامبالاتها ، كانت على يقين أنّه سيسلك مسالك الخضوع و الولاء عاجلا أم آجلا ، ما كان يصدقُ حدسه وهو يشارف على نهايةِ العقدِ الثاني أنّها ستعيره القبولَ و الموافقةَ ، وتفضله عن بقية شباب الحي .
ما أغدق عليها من ملابس فاخرة من محل والده كفيل بإرضاءِ غرورها وغرور والدتها . باتَ ليلته وقد بشرته بأنّه سيحلقُ معها بين الأزرقين كطائر للحرية ِ ، يرفلُ بجناحينِ نورانيين ِ، صرخَ حينها في وجه أصدقائه المقربين
مزهوا: متعةُ الارتباط بمهاجرة لا تعلوها متعة . لم تكنْ أجمل من زميلته راضية التي تقاسمتْ معه عناء نقل المحاضراتِ وتزويده بها ، قالَ لها ذات مواساة ، وهو يشفقُ لانتظارها ورفضها للخطاب ...: إن خاب مسعاي مع
المهاجرة سعاد لن أجدَ أفضل منكِ ، كمن قصَ أغصان شجرته الوارفة المثمرة بحقلهِ وراح َيعاتب الربيع و المطر على أنّها لم تعطي الغلةَ كبقية الأشجارِ في أوانها. غدتْ أوجاع ع الوهاب تمتد بتعاقبِ السنين ، إنجابها
لبنتين توأم وطفل منفرد لم يغير من طباعها ، مثل الذّين يتقاسمون بهجةَ المحبة مع أطفالهم ، تفانى في رعايتهم بينما سعاد تفانتْ في رعايتها لنفسها أكثر . رغم محاولاته مِلأ فراغ وعاء فكرها وقلبها بالحنان والتراجع على
ما هي عليه إلا أنّ وعاء بياض لهوها فاضتْ كفة ميزانه . تراوغُ شفتيه المكتنزتين بالصبر و الضجر ابتسامة طالما جاهد في إخفائها وهو يحكي لامّه أثناء عطلته المقتضبة لديار الوطنِ .عقبتْ أمّه دون النظر في وجه خزنه وهي
ترسلُ نظرة شفقة لأطفاله وهم بين يديه :لا تجعل شهامتك تضمحلُ من أجلها يا ولدي ، لها عالمها ولك عالمك ، كلّ المساحيقِ تذوبُ تباعا بمرور الوقت ِ..
تنهدَ بحشرجة عميقة وقال : قولي لهم دينهم ولنا ديننا ، وهي تشبهت بهم . ذات صباح وهو يتأملُ وثائق الهجرة التي اكتملت كادت ْ أن تزغرد كلّ جوانحه ، قررَ أن لا يترك المتاعب التي سببتها له طيلة عشر سنوات تتراكم ، وقد
تناءت المسافة بينهما أكثر مما يجب ، احتسى صمته ، وهي توصد الباب منتصف اللّيل لتلتحق برفاقها في إحدى البارات المحاذية ، قبضت يدّه على وجع تذمره و ذكريات كان قد هجرها طوعا ، شفتيه تتمتمان : لو رضيت بقربك
راضية لارتضاني وطني كيفما كنت ، في صباح اليوم الموالي كانت ابتسامته تعانقُ صفاء سماء العودة ، وقد تشابكت أمانيه بأماني أطفالهِ ، وبقتْ سعاد تقتفي نواياه الطيبة وتضع تاج لهوها على مملكةِ المتعة ِ
القاصة الجزائرية : فضيلة معيرش