الصراع الأمريكي - الروسي على -داعش- في منطقتنا

كاظم الموسوي
2017 / 10 / 18

لم يخف الصراع الأمريكي - الروسي على "داعش"، منذ بداياته، وامتداده في منطقتنا العربية، خصوصا في سورية والعراق. يظهر هذا الصراع إلى السطح ويغيب حسب تموجات العلاقات بينهما، ويصطدم في كل مرة بما لهما من مشاريع وأهداف وتحديات ومصالح استراتيجية. والصراع على الأرض العربية يتمظهر باشكال عديدة ومنها التنظيم نفسه، والتحديات والامتدادات المعروفة. ولعل ما حصل على الأرض يكشف أشكالا من هذا الصراع التنافسي الستراتيجي بين القوتين النوويتين الأكبر في العالم اليوم.
منذ توسع احتلال "داعش" في الأراضي السورية والعراقية وإعلانه دولة الخلافة أواخر عام 2014 أعلن على إثره تشكيل تحالف دولي (ايلول/ سبتمبر 2014) تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ودول عربية تُعرف بصلاتها المباشرة بالتنظيم ودعمه بالمال والرجال وباعتراف مبطن منها ومن قيادات رسمية في الدولة القائدة للتحالف ضد الارهاب، اسما معلنا يتضمن قواعد وعمليات وأعمال لا تتفق مع إعلانه واسمه. كما أن هذا التحالف الدولي الذي قيل عن ضمه لاكثر من ستين دولة، يزعم محاربته الارهاب ولكن وقائع الحال تقول إن كل ما قام به خلال هذه الفترة كشف الكثير من التناقضات، بل أشار إلى تفاهمات واتصالات وتخادم مشترك بين هذا التحالف والتنظيم الإرهابي.
من جهتها أعلنت الإدارة الروسية نزولها الى الميدان السوري تحت الهدف نفسه، محاربة الارهاب، وتفعيل اتفاقيات ثنائية بين موسكو ودمشق، عسكرية وامنية، وتجديد مواقعها العسكرية على الأراضي السورية وتطويرها وتزويدها بما يمكن من معدات وأسلحة جديدة. وتم ذلك بموافقة الحكومة السورية ودعما لها.
في الوقائع دخلت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الروسي بثقلهما في الشأن العراقي والسوري، وقامت أسلحتهما الجوية والمخابراتية في تنفيذ عمليات عسكرية مباشرة، عبر تنسيق بينهما في الفضاء واختلاف واضح في الأهداف والتنفيذ. ففي الوقت الذي تعلن فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها قصف مواقع داعش في المدن السورية والعراقية، يتم معها قصف البنى التحتية الأساسية كالمصانع والمؤسسات النفطية والمستشفيات وحتى الكنوز الحضارية والتراث الإنساني. بينما تقوم القوات الروسية في تدمير مقرات معروفة تابعة للتنظيم الإرهابي ودعم القوات السورية في حربها على الارهاب وتطهير أرضها من وجوده وتخريبه. وهنا بداية الصراع والاختلاف والتناقض بين استخدام الارض في سوريا والعراق وطرق المحاربة للإرهاب والتفرج على دعمه وتسمينه وتوفير كل الخدمات اللوجستية له، بما فيها ارسال قوات خاصة وأجهزة استخبارية داخل الأراضي العربية دون موافقة رسمية أو تنسيق ضروري تقتضيه تضاريس الحرب والسياسة وما يتبعهما.
من البداية دخلت الولايات المتحدة وحلفاؤها ما سمته الحرب على الارهاب بتنسيق مع دول عديدة الا الدولة الرئيسية التي تجري على ارضها تلك الحرب، سورية، على خلاف تعاملها مع العراق، وكذلك فتحت الأجواء لحلفائها ايضا، وادعى بعضهم بقيامه بعمليات متعددة بالطريقة ذاتها. وهذا العمل افقد ما سمي بالحرب على الارهاب شرعيتهاالقانونية والدولية، فلا قرار من الأمم المتحدة حوله ولا توافق دولي او إقليمي او مباشر مع الأطراف المبتلية بما حصل على أراضيها. وتلك الأعمال تؤشر إلى استفراد عدواني صارخ وتوجه إمبريالي للهيمنة والاستحواذ على المنطقة وثرواتها بطرق استعمارية. وسبق هذه الإعلانات الحربية، تشكيل غرف استخبارية متقدمة على الحدود السورية والعراقية من الجانب التركي شمالا وفي الأردن وجنوب العراق جنوبا. ضمت ممثلي أجهزة مخابرات كل الدول المتحالفة مع البنتاغون والكيان الإسرائيلي وبالشكل الذي عرى حقيقة العدوان والإرهاب من تلك الدول وليس كما يعلن او يكتب في البيانات الإعلامية. حيث كانت مراكز لفتح أبواب الجحيم في المنطقة العربية، من تسهيل الخدمات إلى تزويد الساحات بالعُدد والأعداد من الاسلحة والمسلحين الإرهابيين.
مؤخرا تصاعدت الصراعات وبدأت الفضائح تعلن رسميا، فقد اتهمت وزارة الدفاع الروسية القوات الأمريكية بأدلة مصورة لمرور مسلحين من جانب قاعدة أمريكية في التنف السورية، قدروا 600 مسلح خرجوا على متن سيارات رباعية الدفع أمام أعين العسكريين الامريكيين من التنف باتجاه غرب سوريا. وطالبت موسكو واشنطن بتقديم تفسير هذه الحادثة، كما حذرت أمريكا من نسف العملية السلمية في سورية وشككت في الأنشطة الأمريكية هناك، وفي النوايا الأمريكية بشكل عام.. وسبق لها أن اتهمت ايضا بنقل قيادات من التنظيم بطائرات أمريكية من الجنوب الى الشمال في سوريا وكذلك في مدن عراقية حسب ظروف الحرب ومحاصرة التنظيم.
في محيط مدينتي الميادين ودير الزور. السوريتين، اعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها الجوية تساند الجيش في معاركه لطرد تنظيم «داعش» من أحد أهم معاقله في الميادين. بينما اتهم المتحدث باسمها، إيغور كوناشينكوف، قوات "التحالف الدولي" بتخفيض غاراتها ضد "داعش" منذ بدء عمليات تحرير دير الزور، مؤكداً أن هناك محاولات لدفع مسلحي التنظيم من العراق نحو الأراضي السورية، ما يسبب "تعقيداً" في تحرك الجيش السوري وحلفائه. وطالبت وزارة الدفاع الروسية، يوم 11 أكتوبر/تشرين الأول، أمريكا بتقديم إيضاحات لما وصفته "العمى الانتقائي" حيال المسلحين الناشطين أمامها في سورية. وأكد الناطق باسم الدفاع، أن الوزارة تمتلك صوراً تؤكد تمركز تعزيزات عسكرية للمسلحين قرب قاعدة التنف الأمريكية في سورية.
ردا على هذه المعلومات، وكالعادة المعهودة، صرح الضابط الأمريكي رانكين-غالوي أن "الهدف الوحيد للتحالف هو دحر "داعش" من الناحية العسكرية، وأي تصريحات منافية لذلك لا أساس لها". وأضاف أن الولايات المتحدة شنت عشرات الضربات ضد إرهابيي "داعش"، كما أنها ساعدت القوات العراقية في معارك تحرير مدينة الحويجة، أحد آخر معاقل التنظيم في العراق، إضافة إلى دخولها المرحلة الختامية لمعركة تحرير مدينة الرقة، "عاصمة داعش" في سورية. وبحسب الضابط، وهذه الادعاءات الرسمية، فإن العسكريين الأمريكيين وشركاءهم "يقومون بتصفية مسلحي داعش أينما تواجدوا"، في الوقت الذي توجه فيه القوات الروسية، وفقا له، ضرباتها ضد مجموعات لا علاقة لها بالتنظيم(!).
من جهتهما، اعلن الجيش العراقي والحشد الشعبي مرارا ان طيران التحالف الاميركي قصف اكثر من مرة قوات الجيش والحشد الشعبي زاعما انه عن طريق الخطأ، وتوجد افلام موثقة تؤكد ان طيران التحالف القى اسلحة وموادا غذائية لمسلحي "داعش" في العراق.
هذه التصريحات المتناقضة تكشف في وقائعها حقيقة الصراعات بين الطرفين الدوليين حول "داعش" في منطقتنا، والصور والأدلة والاثباتات تفضح حقيقة من يكافح الارهاب ومن يستغله ويستثمر فيه، وتبين أن من أسهم في صناعته لا يمكنه التخلي عنه، سريعا ودون حصاد وفير. وان من يسعى فعلا إلى التخلص منه يحتاج إلى جهود اكثر وقدرات اوسع والى حلول ستراتيجية وقواعد عمل منتظمة وملزمة التنفيذ.