الضنك وكفاكم الله شر الضنك

فاروق عطية
2017 / 10 / 17

في هذه الأيام الغبرة المتميزة بالفاقة وزيادة البطالة وقلة الدخل والارتفاع الرهيب في الأسعار التي معها كادت أن تتلاشي الطبقة المتوسطة وقاربت علي الاحتكاك بطبقة معدومي الدخل، لو سألت مواطنا مصريا بسيطا عن أحواله الحياتية لرد عليك تلقائيا وبدون تفكير بأن الحالة ضنك. والضنك مفهومه عند العامة يعني قلة الحيلة والعجز عن الحصول علي متطلبات الحياة الضرورية. ولكنني في هذا المقال أتحدث عن نوع آخر من الضنك، ألا وهو مرض حمي الضنك الذي اجتاح مدن البحر الأحمر بعنف والخوف من امتداده إلي مدن الصعيد القريبة.
بدأت الأحداث المؤسفة من بدايات شهر سبتمبر الماضي 2017 بمدينة القصير "محافظة البحر الأحمر" بتفشي مرض خفي لا يعلم السكان عنه شيئا، احتل كل بيت من بيوت المديبة لدرجة وصول عدد المرضى فى الكثير من المنازل إلى 6 ، 7 حالات فى المنزل الواحد، والغريب والمريب أن الجهات الحكومية تجاهلت المرض وأصرت على عدم الاعتراف بوجوده. وأعراض المرض كما يصفها أحد أفراد المدينة كانت عبارة عن شعور الكثيرين بإرتفاع فى درجات الحرارة المصاحبة للقئ والأسهال ووصل للنزيف وخاصة عند كبار السن وأن مستشفى القصير تستقبل يوميا العشرات من الحالات المريضة وانتظار العشرات لدورهم بعيادات الأطباء بالمدينة.
ورغم ازدياد عدد المصابين بهذا المرض الغامض يوما بعد يوم، جوبه ذلك من المسؤولين خاصة مجلس المدينة والشئون الصحية والمحافظة بالتجاهل التام، وأن جميع المرضى الذين يصلون المستشفى يتم اعطاءهم مسكنات ويخروجونهم وان هناك حالات محتجزة. والمضحك رغم تراجيدية الأحداث، هو أعلان مجلس مدينة القصير فى بيان له ان ما أشيع بمدينة القصير من شائعات عن وجود فيروس أو ميكروب عارى من الصحة وأن أغلبها انفلونزا، وأضاف البيان أن الإدارة الصحية ومستشفى القصير المركزي والطب الوقائي قاموا بسحب عينات عشوائية من أكثر من 200 مواطن وكانت النتيجة سلبية ولا يوجد أي عدوى أو وباء وتم تشخيص جميع الحالات بعد الفحص الطبي والمعملي على أنها انفلونزا موسمية، وأن عقار التامى فلو هو العلاج الفعال ومتوفر بصورتيه الكبسولات والشراب ويصرف من المستشفى مجانا لمن تستدعى حالته ذلك. كما أعلن قيام قافلة طبية من الإدارة والمستشفى لفحص المواطنين بالمجان عن طريق العيادات المتنقلة منذ عشرة أيام، ولا توجد أي حلات اشتباه في درجات الحرارة محجوزة بالقسم الداخلي بالمستشفى وكل الحالات المترددة تكون بالعيادات الخارجية والطوارئ وتتلقى العلاج اللازم وتغادر المستشفى بدون حجز، وهذا ما نفاه أهالى المدينة.
ولا أدري إذا ما كانت هذه البيانات المتسرعة ناتجة عن جهل طبي أم عن مكابرة وتملص من المسؤولية، ولكن بعد أن تردد الكثير من المرضي علي أطباء في عيادلت خاصة وتم إجراء فحوصات دقيقة وتحاليل صادقة عليهم أُثبِت فيها أن حقيقة المرض هو حمي الضنك التي تسببها لدغات البعوض خاصة النوع المسمي بالزاعجة المصرية. بعدها تغيرت التصريحات واكدت مصادر بمديرية الشئون الصحية بالبحر الأحمر، إن نتائج التحاليل التي أجرتها وزارة الصحة، كشفت أن «المرض الغامض» الذي أصاب عددًا من أهالي مدينة القصير، هو «حمى الضنك»، التي تنتقل عبر نوع معين من البعوض، لكنها غير معدية، وأن ذلك البعوض ناتج عن البرك والمستنقعات وخاصة أن أغلب مناطق مدينة القصير ليس بها شبكة صرف صحى وأن الأهالى تقوم بعمل طرنشات صرف صحى، وسبحان مغير الأحوال ..!!
بعد الاعتراف بحقيقة المرض، بدأت محافظة البحر الأحمر متمثلة فى مديرية الشؤون الصحية بارسال قوافل طبيه من الطب الوقائى لعمل مسح شامل لاهالى المدينة، كما تقوم القوافل الطبية المتنقلة بمدينة القصير يوميا بتقديم الخدمات الصحية والتوعوية والكشف الطبي وصرف العلاج بالمجان، مع استمرار أعمال المكافحة والرش بالمدينة لمكافحة البعوض، كما دب النشاط في شركة مياه الشرب والصرف الصحى وقامت بتطهير وتعقيم خزانات المياه بجميع أرجاء المدينة مجانًا، خاصة بمنطقتي العوينة والجرف التان شهدتا أعلي حالات المرض. من جانبه أكد رئيس مدينة القصير، أن المرض في انحسار وأن الحالات المصابة تقل يومًا عن يوم، بدليل أنه مع بداية العام الدراسي الجديد، انتظم طلاب وطالبات المدينة بمدارسهم، على الرغم من إعلان مديرية التربية والتعليم بالبحر الأحمر عن إلغاء تسجيل الغياب للتلاميذ خلال الأسبوع الأول من العام الدراسي الجديد بالمدينة.
وكان لتأخر الاعتراف بالمرض والبدأ في مكافحته وقائيا، انتشاره السريع في مدن المحافظة الأخري كرأس غارب والغردقة ومرسي علم لنفس الأسباب، فقد شهدت مستشفىات حميات هذه المدن تواجد أعداد كبيرة من المصابين بمرض حمى الضنك والمحولين من المستشفيات الأخرى، بينهم أطفال من أعمار مختلفة. ويقوم فريق من الطب الوقائى ومكافحة العدوى بالانتشار فى أغلب مدن المحافظة، (القصير وسفاجا والغردقة ومرسى علم)، لتقديم الخدمات الصحية والكشف والعلاج المجانى للأهالى بالمنازل، ومتابعة حالاتهم بالاشتراك مع فريق مكافحة العدوى بوزارة الصحة .
وعلى صعيد محافظة قنا، فقد صرح مصدر طبى مسؤول بمديرية الصحة بالمحافظة، بأن مستشفى حميات قنا استقبل 7 أشخاص، بينهم 3 سيدات من مدن القصير والغردقة بمحافظة البحر الأحمر، مشتبه فى إصابتهم بمرض حمى الضنك، وأن تلك الحالات السبع، احتُجزت تحت الملاحظة لتقديم العلاج، وأُخذت منها عينات لإرسالها للمعامل للتأكد من إصابتها بمرض حمى الضنك من عدمه.
أما فى محافظة أسوان، قد استقبلت مستشفياتها 3 حالات اشتباه الإصابة بمرض حمى الضنك قادمة من البحر الأحمر، وتم حجزهم فى مستشفى حميات أسوان، كما يتم تنشيط الرصد لكل القادمين من البحر الأحمر، مع متابعة الحافلات الوافدة ومتابعة الحالة الصحية لكل القادمين. و يتم رش كل المواقف والسيارات القادمة من البحر الأحمر بمبيدات البعوض، وتنشيط فرق الترصد الحشرى بكل أنحاء المحافظة، وزيادة الرصد بكل المستشفيات.
وهنا أود أن اسقط حزمة من الضوء للتعريف بهذا المرض وطرق الوقاية والعلاج منه: حمى الضنك أو الدِّنْجِيّة أو أبو الرُّكَب أو الدنج أو الدنك بالإنجليزية: Dengue Fever)) أو حمى تكسير العظام بالإنجليزية breakbone fever أو حمى عدن بالإنجليزية Aden fever هو مرض مداري منقول بالبعوض يحدث بسبب فيروس الضنك.. من أعراضه ارتفاع درجة الحرارة (الحمي) وآلام العضلات والمفاصل وطفح جلدي متميز شبيه بطفح الحصبة. يتطور المرض في نسبة قليلة من الحالات إلي مرض الضنك النزفي المهددة للحياة، مما ينتج عنه نزف وقلة الصفيحات وفقدان بلازما الدم أومتلازمة صدمة الضنك، حيث يحدث انخفاض خطير في ضغط الدم. تنتقل حمى الضنك بواسطة عدد من أنواع البعوضيات من جنس الزاعجة(Aedes) وخصوصا الزاعجة المصرية ( (Aedes aegyptiهذا الفيروس يضم خمسة أنواع. الإصابة بعدوى أحد هذه الأنواع يعطي مناعة مدى الحياة لذلك النوع، لكنه يعطي مناعة قصيرة المدي لباقي الأنواع.
العدوى التالية بنوع مختلف يزيد من خطر المضاعفات، ولا يوجد لقاح متوفر تجاريا. وحيث أن الوقاية خير من العلاج، فالوقاية تكون بتقليل مواطن وأعداد البعوض، والوقاية الفردية تكون عن طريق تجنب التعرض المباشر للشمس خلال فترة الصيف والاحتياط من لدغات البعوض، مع استخدام دهانات واقية (طاردة للبعوض) أو دهن الجسم بالليمون أو زيت الكافور .علاج الضنك الحاد هو علاج داعم كمعالجة الجفاف عن طريق الفم أو الوريد في الحالات المعتدلة إلى المتوسطة، أو علاج بالسوائل الوريدية أو نقل الدم في الحالات الأشد حدة.
أقدم وصف لأعراض المرض يعود لعام 1779، لكن لم يتم اكتشاف أسبابه الفيروسية وانتقاله حتى أوائل القرن العشرين. وقد أصبح الضنك مشكلة عالمية منذ الحرب العالمية الثانية حيث إنه متوطن في أكثر من 110 بلدا. وإزدادت حالات الإصابة بحمى الضنك منذ عقد ستينات القرن العشرين بشكل مثير، حيث يصاب من بين 500 و528 مليون شخص سنويا. إضافة لوسائل الوقاية كالتخلص من البعوض فهناك جهود حسيسة ومستمرة للحصول علي لقاح يقي من الإصابة والعمل علي استنباط أدوية موجهة للفيروس.