أوراق من مسيرة حياة - يوم لا أنساه ؟

مريم نجمه
2017 / 10 / 17

وفاة جدتي ؟ يوم لا أنساه .. صفحات من الطفولة !
الموت أمر طبيعي في الحياة رغم وقعه المؤلم والأحزان الذي يسببها.
الوفاة الثانية التي وقعت في طفولتي بعد وفاة أخي الصغير( منير) الذي لا أتذكره سوى لحظات في السرير , هي وفاة جدتي .
...
كان ضُحى ذاك اليوم من أيام الربيع .. يومٌ أسودٌ كالح وصباحٌ مشؤوم رغم شمسه وصخب الحركة والعمل في البيت والخارج..
عندما كانت جدتي سعده تَعبُرالطريق إلى الجانب الآخر من أمام منزلنا الكائن وسط الشارع الرئيسي للقرية , وإذ بإحدى السيارات المارة تصدمها من الخلف على ظهرها ناحية خاصرتها فتقع أرضاً ويُغمى عليها - طبعاً سائق الشاحنة لم ينتبه للحادث توقف بعد صياح المارة والناس المتواجدون هناك وآثار الخوف بدت على وجهه , لم نكن بوعي حينها لنعلم بعدها إلى أين مضى السائق .. لأن الضربة كانت من الخلف ناحية الصندوق .. ؟
المهم , بدأ الصياح وتوقفت السيارة ونقل الناس المتواجدون بالقرب من الحادث , خاصة حفيدتها وأقرباءنا خزنة نجمه إبنة عمي شحاذة وعائلة عمي جريس المقيمون بجوارنا وأصحاب المحلات المجاورة نقلوا جدتي لبيت أهلي لأنها كانت تقيم معنا , وضعوها على السرير في غرفة الصالون التحتاني المطل على الطريق العام , فبدأ وجهها يميل للإصفرار وتكلمتْ بعض الكلمات وكلفوني بكأس من عصير الليمون الحامض فحضّرته بسرعة وأتيت به وأنا واجمة خائفة أصلي لها بالشفاء لا أدري ماذا أعمل وقد رشفتْ رشفتين منه ... بسرعة استدعوا طبيب القرية الدكتور فؤاد الخوري جارنا المقيم في مركز الجمعية الخيرية وسط البلدة , لكنها كانت قد فارقت الحياة بعد ساعة أوساعتين على مرور الحادث المؤسف وقد أكد الحكيم الوفاة بعد أن فحصها جيداً وإعطاء ما يلزم من إسعافات في هكذا وضع ..!
ازدحام الناس أخذ يزداد أكثر فأكثر بعد الخبرالمفجع والبكاء والصراخ , والحزن قد خيّم على والديّ والمتواجدين من الأقارب والأهل والجيران ..!
:

كنت حينها في عمر الثماني سنوات تقريباً , وجدتي حوالي الستين عاماً أو أكثر , ما تزال في كامل قوتها وهمّتها .. هي صديقتي ورفيقتي الكبرى الجدّة الحنون الطيبة والحضن الدافئ اليدين الكريمة , المساعدة , المعلمة الناصحة , قاموس الحكايات والقصص المختمرة معرفة وتجارباً وعلوماً شعبية غزيرة حديثها أمثال وحِكَم بسبب اتصالها بتجار القرية وبياعيها والقرى المجاورة لصيدنايا حيث كانت تديروتشرف بشخصيتها القوية " الخان , اللوكاندة " وفسحة القبو الكائن تحت دارنا , وزوجة فلاح صيدناوي عريق نشيطة الجسم والعقل فارعة القامة عيناها عسليتان واسعتان وجميلتان حنطية اللون مع بعض الشامات في الوجه .

... تنادت الأقارب والجيران واجتمع المحبون وأهل البلدة في اليوم الثاني للدفن .. وحضر عمي كامل نجمه إبنها المقيم في دمشق وزوجة عمي وطفة سرحان لحضور الجنازة .
دعى والدي يومها للمشاركة في الجنازة وتشييع الجدة , راهبات الدير , وبنات الميتم التابع لدير السيدة ..للمرافقة والترانيم الخاصة بالمناسبة حاملات الأكاليل الورود واليافطات الخاصة بهن , الجمعيات الخيرية الأرثوذوكسية والكاثوليكية , الكهنة , وشيخ البلدة .. مشوا في مشهد مهيب حزين ملأ الشارع لمسافت طويلة ,, وقد " مسكت القرية خاطر والدي " الذي تحبه وتحترمه فأهل البلدة كلها ساروا وراء النعش بمهابة واحترام ترافقهم الترانيم الحزينة كيف لا وجدتي المسالمة التي لا تعرف الشر ولا الخصام والكره لأحد , خدومة نشيطة محبة للأقارب وصديقة للجيران ...
الجميع ترحّم عليها ذلك اليوم الذي لا أنساه في حياتي لأنه جرى أمامي وبسرعة البرق فقدتُ إنسانة غالية على قلبي رحل من أسرة أهلي كبيرة العائلة وذكرياتها التي لا تنسى !
وُزِّع الطعام عن روحها - ( مجدّرة بالزيت مع الخبز التنوري وأطعمة أخرى )- من قبل النسوة المقربين من العائلة في اليوم الثاني و الثالث لوفاتها على الفقراء والعمال المتواجدين والأقارب والجيران والمارة وغيرهم ,, مع زيارة للقبر كما تقتضي العادات والتقاليد الصيدناوية آنذاك .
رحم الله جدتي سعده شاهين .

... بعد انتهاء مراسم الدفن ومضى أسبوعين على الوفاة أجتمع أعمامي وشباب العائلة في بيت أهلي ليتحادثوا حول مصير السائق أوإقامة دعوى ضده أو أخذ ديّة منه كما بدأ الناس المقربين يتواسطوا مع أبي لأجل ذلك ..
فأهل السائق ( جريس نقولا معمر ) جاءوا وقدموا المال الذي يريدون وقدموا السائق وقالوا لهم إعملوا وافعلوا ما تشاؤا وترغبوا هذا ولدنا أمامكم -
بعض أعمامي والأقارب وافقوا على أخذ الديّة وتوقيف السائق , لكن والدي الياس عساف نجمه وقف بحزم أمام الجميع وقال لهم :
" نحن والسائق أولاد مصلحة ومهنة واحدة " نعرف أنفسنا , لا نريد أن نؤذي صوصاً أو قطة أو نملة , فكيف إنساناً ؟
قضيتنا ومُصابنا نعتبره قضاءً وقدراً الله يرحمها , لا نريد أن نأخذ أي دِرهم منكم ولا حتى توقيف السائق ولو ساعة واحدة / الله يسامحه ونحن مسامحينه / خاصة أن السائق لنا صداقة مع والده نقولا معمر , وخاله موسى مرشه نجمه ( أبو خليل ) صديقنا , والسائق ليس له أي هدف أو قصد في أذيّتها أو قتلها /!!
فوقف جميع الحاضرين في بيت أهلي حينها , وقبّلوه وثمّنوا موقفه وأثنوا على هذا الموقف الشهم الإنساني المتسامح من والدي / بارك الله فيكم وفي أخلاقكم يا أبو شحاده / ... وانتهى الموضوع بسلام و على سلام تصافحوا ...

......

هذا هو شعبنا الطيب الذي لا يعرف الحقد ولا يعرف الثأر والعشائرية أو الطائفية لا يعرف العصبيات التي كانت في طريق الزوال .. بل تربطه علاقات الودّ والتسامح والمحبة كأنهم عائلة واحدة لا يفرقهم شئ مهما كبر أو صغر .
حتى أهل الفاعل لا يتهرّبوا من الإعتراف بالحق , كانوا يقرّوا بالحقيقة بجرأة وتواضع يعترفوا بالخطيئة أمام الأهل من قبل الجاني أو المخطئ , وهذا مهم جداً في العلاقات الإجتماعية الصحيحة فلا أهل الجاني أنكروا أو تهربوا بل اعترفوا بخطيئته أمام أهل الفقيدة أن الفعل حدث دون إرادته و دون قصد وغاية .. ولا أهل الفقيد غضبوا أو عاندوا وخاصموا وذهبوا للمحاكم !

أجل ,
كانت أخلاق وعلاقات البشر في بلدنا في منتهى الرقي والإنسانية... رحم الله تلك الأيام والصداقات الأخوية الطيبة قبل أن يلوثها طاعون العصر الخبيث...
مريم نجمه