عزت القمحاوي: الايك في المباهج والاحزان جماليات الجسد، جماليات المكان

شكيب كاظم
2017 / 10 / 15

اذا كان من حق الفرنسيين ان يفخروا بتوصلات ابنهم الفيلسوف كاستون باشلار التي ادرجها في كتابه الرصين والعميق والممتع (جماليات المكان) فان من حق المصريين والعرب ان يفرحوا بتوصلات عزت القمحاوي التي دلقها في كتابه (الايك: في المباهج والاحزان) الصادر عن سلسلة كتاب الهلال، العدد 619 – تموز 2002، واذا كان كاستون باشلار في تناوله لجماليات المكان، قد وقف عند تاثيراتها على عمليات الكتابة والابداع، فأن عزت القمحاوي الكاتب المصري الذي اصدر رواية واحدة عنوانها (مدينة اللذة) ومجموعة قصصية واحدة هي الاخرى اسماها (مواقيت البهجة) قد درس جماليات الجسد، الانثوي خاصة واقفا عند اصداء هذا الجسد في النتاج المعرفي والابداعي، القديم منه والجديد فهو يتناول هذه الاصداء كما هي لدى الاغريق، او ملحمة كلكامش العراقية القديمة، او لدى الف ليلة وليلة وكاتبها المجهول او كتابها المجهولين، واصلا الى المحدثين والمعاصرين مثل: رواية (عرس بغل) للطاهر وطار، او (الجميلات النائمات) لكاواباتا، ورواية (العطر) لباتريك زوسكنيد، و(افروديت) لايزابيل الليندي، و(رائحة البرتقال) لمحمود الورداني و(البحث عن الزمن المفقود) لمارسيل بروست و(مدام بوفاري) لفلوبير وغيرها.
واذا كانت هناك كتب قد اوقفها مؤلفوها على الجسد الانثوي تحديدا في تراثنا مثل (الروض العاطر في نزهة الخاطر) للعارف ابي عبد الله محمد بن النفزاوي، حققه العراقي جمال جمعة، ونشره رياض الريس عام 1990، او كتاب (طبائع النساء) للفقيه احمد بن محمد بن عبد ربه الاندلسي (246- 338 هـ) و(تحفة العروس ونزهة النفوس) لابي عبد الله محمد بن احمد بن محمد التجاني المتوفى سنة 710 هـ وكتاب (اخبار النساء) لشمس الدين، ابن قيم الجوزية (691- 751 هـ) وحتى رجوع الشيخ الى صباه، فان الكاتب المصري عزت القمحاوي الذي اتعرف على كتاباته اول مرة، قد قسم فصول كتابه الممتع هذا لا على اعضاء الجسد، كما تناولها التجاني في تحفه العروس حيث جعل فصولا بعينها للشعر والجبهة والجبين والحواجب والعيون والانوف والخصور والارداف والسوق والاقدام، والنحور والصدور و..و.. فضلا عن السمرة والبياض والسواد. بل تناول المحسوس من خلال اعضاء الجسد.
عزت القمحاوي في كتابه الجميل هذا (الايك في المباهج والاحزان) تناول المحسوسات لم يتناول العضو الجسدي ملموسا بل احساسات العضو الجسدي، وما يتركه من اثار على الرائي والسامع فدرس وقع الاصابع، وان قليلا من النساء لديهن الجرأة على الحديث، عن امكان التيمم في غياب الماء، ولهذا تعيش الاصابع مهضومة الحق فلا نعرف ابدا حجم اسهامها او طبيعة عملها داخل تعقيدات اية علاقة. تنظر ص25.
كما وقف عند رائحة المعرفة التي جعلت سجاح التغلبية تذوب وجدا ازاء رائحة البخور وانواع الطيب الذي امر مسيلمة الكذاب بالاستكثار فيه يوم اجتمعا في خيمته للتداول، اذ دغدغ احساسيها ووفز الباه لديها فجعلها العطر والطيب تخرج من خيمته مسكرة ثملة به معلنة انها وجدته على حق فاتبعته!! تنظر ص44- 45.
وكذلك تناول اصوات الرغبة واعوالها، فلطالما اسكر الصوت اذان مستمعيه ومستمعاته الامر الي دفع الحكام في العهود الماضية الى منع رفع الاذان على ذي الصوت الجميل، لما قد يؤدي الى استثارة النساء!!
الناقد فاضل ثامر اذ يدرس (المقهى في الرواية العربية رمزا ومؤسسة وبنية مولدة، نجيب محفوظ ومقهى قشتمر) في كتابه النقدي المعرفي الموسوم بـ(المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي) الصادر عن دار المدى عام 2004، يذكر في معرض دراسته لظاهرة المقهى في الادب الروائي العربي لقد (تحول المقهى الى مأوى، ولكنه من نوع خاص يختلف عن مأوى الانسان الاليف بيته، بيت الطفولة الاليفة، يتحدث غاستون باشلار في كتابه (جماليات المكان) عن الفهم الظاهراتي للبيت مشيرا الى ان الظاهراتي ينصرف عادة الى البحث عن البؤرة الجوهرية والمؤكدة والمباشرة لما يوفره هذا النوع او ذاك من هناءة. ان اول مهمة للظاهراتي في كل بيت ان يجد القوقعة الاصلية ويخيل لي ان مقهى قشتمر قد حلت محل البيت بالنسبة لمعظم شخصيات الرواية، ص181.
فان الروائي والكاتب المصري عزت القمحاوي بعد ان درس إحساسات العضو الجسدي للكائن البشري من خلال الاصابع ووقعها والرائحة والعطر الساحر فضلا على ترانيم الاصوات وسحرها الاخاذ، آثر القمحاوي ان يدرس جماليات المكان المرتبط باحساسات الجسد واقفا عند بستان الذكرى، وصخب نجية في جوف الليل، غنجا او تمنعا، وحده الشيخ حسنين الضرير، اصاب كبد الحقيقة، بعد ان قاربها الصحاب المستانسين بذلك الصراخ القادم من دار عبد الفتاح، اذ قال : من سَرَّه ان ينظر الى امرأة من اهل الجنة فلينظر الى نجية (....) باذني اراهن انها مثلهن ترتد عذراء كل مرة...ص 78
عزت القمحاوي في كتابه الجميل والممتع والمؤنس هذا، يحدثنا عن بنيان الالفة رائيا ان الكتابة الغربية التي احتفت بالحواس تبدو بلا نوع فان الكتابة العربية التي تناولت هذا النوع من جماليات المكان احتفت بشكل واسع بالتجنيس واحالته الى النوع الانثوي واذا كان الخوارزمي قد قال لا خير في صوت يخرج من بين لحية وشارب في نزوع واضح الى اعلاء شأن الصوت الانثوي المُطْرِب، فان الشيخ محيي الدين بن عربي ينسب له القول: المكان الذي لا يؤنث (او :يونس) لا يعول عليه، لابل انه في كتابه (الفتوحات المكية) يؤنث- في احدى شطحاته، والمتصوفة معروفون بشطحاتهم التي ادت في بعض الاحيان الى مغادرة الرأس موضعه من الجسد!! يؤنث الكعبة!!.
قبل ان يذهب الناس الى القوقعة، بعد ان ازداد التوجس من الاخر، منذ عقود قريبة كانت المنازل ذوات الحدائق، ذوات اسوار واطئة، فتضفي على المكان جمالا وسعة، حتى لكأن مساحة الدار الانيق وحديقته تضاف الى فضاء الرصيف والشارع، لكن مع ازدياد التوجس، وحلول الريبة محل الثقة والانفتاح على الناس، ازداد سمك الجدران، وازداد علو الاسيجة لتشكل قطيعة بين الناس والسابلة، وبين ساكني تلك البيوت، هذا الامر الذي تناوله عزت القمحاوي، اذ يتحدث جماليا عن بنيان الالفة، هو ما سبق ان تناوله نجيب محفوظ في عمله الروائي الجميل قشتمر، الذي قدم للقارئ حيوات شخوص روايته التي تقع في مئة وسبع واربعين صفحة، مكثفة في هذه الصفحات، واذا كان لبغداد محلتها العباسية، في كرادة مريم، التي انجبت الناقد الشاعر فوزي كريم والمفكر هادي العلوي وشقيقه الكاتب حسن العلوي فان للقاهرة عباسيتها كذلك الذي يصفها نجيب محفوظ حيث (بيعت جملة من سرايات العباسية الشرقية المطلة على الشارع العمومي وشرع في اقامة عمائر شاهقة في مكانها، واخذ يتمايل في الافق منظر حي جديد مكتظ بالسكان والدكاكين، ويطوي في نموه المتصاعد الحي القديم بسراياته المعدودة وبيوته الصغيرة الانيقة وسكانه المعدودين، الذين تربط بينهم روابط الاسرة الكبيرة الواحدة (....) العباسية القديمة هل بقي منها اثر؟ اين الحقول والحدائق؟ اين البيوت ذوات الحدائق الخلفية؟ هل نرى اليوم الا غابات من الاسمنت المسلح ومظاهرات من المركبات المجنونة؟ ص81، ص146.
ولعل من امتع فصول الكتاب، الفصل الموسوم بـ(مطارح الغرام) ولم ينقل لنا عزت القمحاوي ما جاء في كتب التراث العربي، الروض العاطر، او تحفة العروس، او نزهة الالباب بشان حميمية اماكن العشق والغرام، بل يذهب بعيدا الى العهد القديم لينقل للقارئ نصيحة نُعْمى لكنتها الارملة راعوت لاصطياد بوغر، لقد ارسلتها الى مكان قدلا يخطر على بال ليكون مطرح غرام ووصال، ارسلتها الى بيدر الشعير ناصحة اياها (ها هو يذري الشعير الليلة فاغتسلي وتدهني والبسي ثيابك وانزلي الى البيدر، ولكن لا تعرفي عند الرجل حتى يفرغ من الاكل والشرب، ومتى اضطجع فاعلمي المكان الذي يضطجع فيه وادخلي واكشفي ناحية رجليه واضطجعي وهو يخبرك بما تعملين- والقارئ اللبيب يفهم ما الذي يكنى به بالرِجْل!!.
كتاب ممتع ومؤنس، وضعته دار الهلال المصرية مشكورة بين ايادي القراء في دنيا العرب، والذي تعرفنا من خلاله اول مرة على منجز جميل من منجزات القاص والروائي والكاتب المصري عزت القمحاوي، الذي تنقل بنا وبجوارحنا حيث شاء من الهوى!!.