المغرب : احزاب المواكلة

محمد الاغظف بوية
2017 / 10 / 15

على بعد عدة أمتار من وسط خيمة كبيرة أقيمت لاستقبال عشرات المئات من مناضلي حزب الاستقلال الذين حضروا في إطار المؤتمر السابع عشر، لانتخاب أمين عام للحزب خلفا لحميد شباط، وقعت موقعة الأواني أي "الطباسيل" بالدارجة المغربية، والواقعة ليست بغزوة أو هجوم خارجي، وإنما إخوة حزب الاستقلال اختاروا لغة جديدة، ستنضاف إلى جديد اللغة السياسية الحزبية، والتي أصبحت موضة، أي دائما ننتظر مؤتمرا أو لقاءات حزبية وتجمعات خطابية، لنسمع جديد الساسة الحزبيين المغاربة .
في الأمس القريب، كانت الأحزاب تترك حيزا كبيرا للنقاشات التي تتحول إلى "لاكورا" عمومية يشارك فيها المناضل والمواطن على حد سواء. واليوم مع التغيّرات الكبرى التى مسّت المشهد السياسي. ومن أبرز التغيرات، سيطرة الرأسمال على الهيئات السامية للأحزاب، والتخلي عن مفهوم الحزب المناضل مقابل ظهور فئات تهرول نحو المكاسب الحزبية ولو على حساب المبادئ المسطرة في دستور الحزب، ناهيك عن تحول الأحزاب إلى مكاتب انتخابية، لا تتحرك إلا وفق المخطط الانتخابي، وتنهي عملها وأنشطتها مع نهاية يوم الاقتراع .
تنظم الأحزاب الوطنية وبدون استثناء مؤتمرات كبرى تبدأ برفع الشعارات وتنتهي بالأكل والشرب، ولربما اختارت بعض الأحزاب التنشيط الشعبي والفلكلوري. وفي خضم الصراع حول الكراسي والمناصب العليا يتنافس القادة الحزبيين للظفر بمقعد في المكتب السياسي أو الأمانة العامة أو الديوان واللجنة التنفيذية أو العليا وهو تنافس يغذيه الأكل والشرب والعطاء .
ولنتذكر جميعا أنّ عملية التجييش "النضالي" تتم وفق من يمنح أكثر، وبذلك تغيّرت السمة الأصلية للأحزاب، فلا يمكن أبدا سماع صوت انتقاد أو نقد بناء، بل تتحول قاعات الأكل إلى ما يشبه حلبة مصارعة لأن القادة يريدون التحكم وأخذ المواقع، أما النقاش وآلياته فقد استبدلت بالشعر والكلمات الممجدة للزعامات التي في غالبيتها تتوفر على رصيد مالي وعقاري لن يحلم به المناضل المحمول على الأكتاف.
في المؤتمرات الحزبية المنعقدة أخيرا لحزب الاستقلال، وقبل ذلك الاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي و"العدالة والتنمية" وحزب الأصالة والمعاصرة، كانت إيديولوجيا المواكلة حاضرة بشكل كبير، إذ يتم إحضار ما لذّ وطاب من أنواع المأكولات والأشربة، وفي قاعات مكيّفة يتم استدعاء المؤتمرين لاستكمال النقاش، وهو نقاش يتحول عادة إلى تزكية أطراف ضد أطراف، والغلبة دائما لمن يجيّش ويعطي ويقدم الكثير من طعام مع جودته .
وفي أثناء النقاش "الأكلي"، تفتح شهية المناضلين وتنتهي القصة بالعودة المحمودة. والخاسر الأكبر هو النسق والبنية الحزبية التي تحولت إلى سوق كبير، وتغيّرت ملامح النضال، ولم تعد الأحزاب تنتج الأفكار والمبادئ،.بل تصنع بطونا وجيوبا تتسابق من أجل من يدفع ويقدم أفضل طعام ومقام.