رواية صوتية تكشف تراسلاً مرآويا الروائي اليمني علي المقري في (اليهودي الحالي)

مقداد مسعود
2017 / 10 / 15

رواية صوتية تكشف تراسلاً مرآويا الروائي اليمني علي المقري في ،،اليهودي الحالي
مقداد مسعود
بتوقيت الربيع العربي المصادر أمبرياليا، نفضت الرواية العربية يدها من الراهن ، واتخذت جهويتين جديدتين
*استدعاء الماضي وتدويره بنسخة روائية
*محاورة الآخر المحذوف إجتماعيا وروائيا : روايات أشتغلت على الشخصية اليهودية ..وأخرى على البشرة السوداء وهناك من توقف عن الأكراد أو تناول الأرمن ..ترى قراءتي أن في الجهتين محاولة جادة لكسر النسق المؤتلف سرديا، لكن أعظم ما أخشاه هو تنميط هذا الكسر النسقي، فمن خلال عملية مسح عام سريع قمت ُ بها شخصيا أنقلبت الجهتان الجديدتان في الرواية العربية ، موضة تجارية برعاية دور النشر كافة
(*)
لوحة غلاف الرواية تعلن الراهن المعيش من خلال زي الرجل حامل الحقيبة،بينما السطر الأول في الرواية يعلن (ودخلت سنة أربع وخمسين وألف في ما يؤرخ به المسلمون للزمن / 7) حاشية أسفل الصفحة تثبّت التقويم الميلادي 1644. لوحة الغلاف إعلان تجاري ضوئي غايته أستقطاب القارىء لشراء نسخة من الرواية . في قفا الكتاب يستوقفني سطرٌ للناقدة اللبنانية الأستاذة يمنى العيد (عنوان لافت لرواية تستوقفنا حكايتها ) ماتقوله الناقدة ينفع تجاريا، لا نقديا وكذلك الحال مع المسطور من قبل الناقد جابر عصفور(عالجت موضوع الأنا – الآخر على نحو بالغ الجسارة المضمونية والتشويق التقني )..ليغفر لي الأستاذ الناقد الأستاذ جابر عصفور : الجسارة تكون بالتفرد أما موضوعة الآخر اليهودي أو الأسود والكردي والأرمني فقد غدت ظاهرة في الرواية العربية المعاصرة .. ومن غلاف الكتاب أقتطف السطر التالي (رواية حب قوية تنتقل القارىء إلى أجواء الصراع الذي عاشته اليمن في القرن السابع عشر بين المسلمين واليهود) !! الإعلان عن روزنامة الصراع ينقض لوحة الغلاف التي تعلن عن الراهن وليس التاريخ ؟! وفي القول التالي: ماركة تجارية حصريا للمراهقات والمراهقين (رواية حب قوية ) !!
(*)
ثمة مشترك إتصالي بين روايتيّ (طعم أسود ..رائحة سوداء) و(اليهودي الحالي) وهو كالتالي
*اليمن
*قسوة الفقيه
*الفرار من المكان
*الموت بالقوة
*إقامة الحد على جماله / في (طعم أسود ...) --------- في اليهودي الحالي) : إنتحار قاسم ابن الحاج صالح المؤذن ونشوة ابنة اسعد /61
(*)
تتمفصل الرواية كالتالي
* كل الأيام فاطمة / 7- 109
* ملحق بكتاب مذهب فاطمة / 111- ويحتوي مقدمة يليه ذلك
* حوّليات اليهود اليمانية / 117-131
*ملحق خاص بكتاب الحوليات /133- 138
*أنا حفيدي اليهودي الحالي.. حفيد فاطمة
(*)
وأنا أصغي لمحاورات فاطمة المعرفية مع سالم، شممت ُ رائحة زكية تتأرج من مولاي محي الدين بن عربي ، فأعتبرتها التجسيد الأنثوي لأطروحاته الكبرى في التعايش السلمي بين الديانات، وحتى لايكون ذلك تهمة فأن المؤلف علي المقري قبل نهاية المفصل الخاص بسيرة فاطمة سيجعل فاطمة تبدي إفتتانها بمنطق ابن عربي في هذا السياق102
(*)
بين المعايشة والتدوين : فاصلة زمنية (قررت ُ أن أدوّن هذه الأخبار عن أيام فاطمة، وزمنها، حتى هذه السنة التي تزوّجت فيها حُلما ، لننجب توأمين : أملا ً وفيجعة /7)..(بدأ ذلك قبل سبع سنوات )..
(*)
فعل القراءة هو الذي أنجز تجسيرا بين الشخصين . فعل القراءة هو الذي أراد أن يردم الهوة بين سعاة البريد الألهي في الديانات السماوية وبشهادة فاطمة وهي تخاطب والد سالم : (توجد كتب كثيرة في رفوف بيتنا، لو قرأها المسلمون سيحّبون اليهود، ولو قرأها اليهود سيحّبون المسلمين / 16) وسيكون رد الفعل الأول هو ضرورة تثبيت ميزان معرفي في تلقي سالم للثقافة الإسلامية، وبشهادة سالم (طلب إليّ أيضا في اليوم نفسه أن أذهب إلى بيت الحاخام لأتلقى دروسه هو الآخر / 17) ثم ستطلب منه فاطمة أن يعلمها .. وحين تتقن العبرية ستطلب منه أن يعلمها تعاليم الشريعة الموسوية / 22 وستنتقل المعرفة من موضوعية الإطلاع إلى ذاتية التجسير العاطفي المتجسد في كتاب إبن حزم (طوق الحمامة )، ونكاية بالأحتراب والأصطراع بين اليهود والمسلمين كان تبادل الكتب بين فاطمة وسالم لايتوقف / 73 والأجمل هو تلك الرسالة بخط فاطمة في (ديوان الصبابة ) فهي بعد الديباج المنمقة ، تخاطبه مستقوية بالفقه المرن والذي يجسده أبو حنيفة النعمان ( /74)
وهناك من يستعمل المعرفيات للمناظرات المتقاطعة جهويا : 48- 49- 50-51
(*)
هي من الروايات الصوتية ، لا أعني بذلك، ضمن مايعنيه باختين ، بل مؤثرية الصوت البشري وظله الأخضر في الآخر ..
*(جاءت بكتاب خُط ّبحبر ملوّن، وطلبت منّي أن أقرأ، رأيت ُ كلماته مزخرفة، في حروف متشابكة ومنقطّة، بشكل لايساعدني على قراءتها. لكنني ما إن سمعتها بصوت فاطمة حتى حفظتها. في الحقيقة حفظت ُ صوتها،وليس تلك الكلمات التي لم أستطع، أبدا، مطابقتها به .أداؤها لها، بصوت منغّم، جذبني وأدهشني 12) وسيكون للصوت مؤثرية سالبة حين يطلقه سالم اليهودي في بيت عائلته ..(حين انتبه أبي، في البيت، إلى صوتي، وأنا أتلو به هذه الكلمات كاد يجن ّ..) وسيكون وقع الصوت موجب بالنسبة للأم . والسبب أن الأم تذوقت حلاوة الإيقاع في شحنة الصوت دون معرفتها بهوية الكلام المنطوق..(حاولت أمّي تهدئته، وهي تسأله عن سبب صراخه :(ماذا جرى؟ هو يردد أشعار عربيّة، فيها كلام حالي عن الشمس والقمر ورزق الله لليتيم) . وسيكشف الأب الهوية ويتوجسها صارخا بزوجته ( ماتقولين ياقحبة، هذا قرآن..دين الإسلام هذا..سيفسدون الابن.. سيفسدون ابن اليهودي..سيفسدون ابن اليهودي..) لكن حين تزور فاطمة عائلة سالم في بيتهم ينكسرنسق راسخ كالتابو ،لدى أم سالم (معقول؟ امرأة مسلمة في بيت يهودي / 14) وبعد محاورة قصيرة بين فاطمة ووالد سالم سيخبرنا سالم (بدا، بعد تلك الكلمات، التي سمعها لأوّل مرّة من بنت مسلمة، بل من إنسان مسلم، حسب قوله، أنه لا يمانع، حتى لو أصبحت ُ مسلماً 17) ترى قراءتي ان سالماً ذهب بعيدا في تفاؤله الساذج في هذا الصدد . بصوتها المشحون بالهديل والمحفوف بالشجر (بكلماتها، ظلت تشفي جراح الآلام التي كنت أتلقاها وكبرتُ معها 22) ..وحين سيغني لها ، أثناء هروبهما مع الغبش الباكر، سيراها وهي يغني لها الأغاريد الصوتية التي تجمع في ألحانها بين أغاريد العصافير الشجية والصوت الإنساني في نداءاته وتأوهاته ، فتكون مؤثرية صوته فيها..(تمشي كأنّها ترقص، تهيّأ لي، أحيانا، أنها تحاول الطيران، بدت فاطمة نغمة في أغنيتي / 85)..الصوت وحده هو الدليل المساعد في محنته بعد موت فاطمة (نبرات الصوت المتناغمة مع حركة ملامح الوجه تكفي لتذكّرني به، وإن كنت لم أسمع صوته من قبل، ولم أره إلاّ عابراً إنه علي ابن صالح المؤذن 103) صوت فاطمة مخزون ومتدفق في ذاكرة سالم (لم أكن أعتبر نفسي يهوديا، لكننّي لم أتخلّ عن صوتها فيّ، وهي تنادي : اليهودي الحالي 112)
(*)
إذا كانت (طعم أسود...رائحة سوداء) مسردة روائية بالهواء الطلق ، رغم مافي الهواء من تلوث / لوثة . تلوث طبيعي مصدره فساد الحكومة، ولوثة متأتية من حجر الفقيه فأن الروائي علي المقري سيركز مشغله على حجر الفقيه ، في (اليهودي الحالي) ، مما يجعل الرواية مركوزة بشحنة آيدلوجية من ألفها إلى الياء ..ومؤثرية هذه الشحنة المؤدلجة : تطويقها للفني في فتنة السرد وجعل نسبة الفني مغمورة تحت طبقات الأدلجة السردية للرواية . فاطمة كانت تجسيد فكرة للتعايش السلمي بين الأديان وهذا التجسيد سلبها روائيا الأبعاد الطبيعية للشخصية الروائية ، كل تعاملها بالمقروء الذي سكنت بين صفحاته، حين فقد سالم كلبه، واسته فاطمة ثقافيا وبشهادته (بإعطائي كتاباً، قالت إن اسمه ،، فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب ،، ألفه المرزباني20).. ، حتى قررها العاطفي بحثت له عن دعامة فقهية لدى (أبو حنيفة النعمان/ 74 ) .. قراءتي الثانية للرواية أكتشفت تراسلاً مرآويا بين منطق فاطمة والجارية تودد : المرأة ذات الثقافة الموسوعية ، في ألف ليلة وليلة . وأكتشافي هذا ربما سببه إدماني على قراءة ألف ليلة وليلة أعني بذلك ان المؤلف علي المقري ، تفكّر عميقا بما ينتظره خارج روايته (اليهودي الحالي) فهو أيضا يخشى أن يعامل معاملة المفكّرين المصريين: نصر حامد أبو زيد ..و السيد القميّ ومن جانب المعمار الفني . أرى أن الرواية أنتهت مع نهاية ص98.. وهكذا نكون قد حصلنا على رواية رشيقة .ويمكن تنضيد هذه الرواية ضمن الروايات التي تشتغل على الآخر اليهودي كما هو الحال مع الروائية المصرية خولة حمدي (في قلبي أنثى عبرية ) ورواية (أحببت ُ يهودية ) للروائي وليد أسامة خليل .
*المقالة منشورة في صحيفة الزمان / 11/ 10/ 2017
*علي المقري/ اليهودي الحالي/ دار الساقي / بيروت/ ط2/ 2011