في الفهم الأوحدي أو المتعدد داخل المنظومة النصية العربية الإسلامية و منظومة التفكير الغربية : فهم -داعش- أنموذجا

حمزة بلحاج صالح
2017 / 10 / 14


المنظومة النصية الإسلامية و المطابقة

" لا أوافق الرأي من يعتبر الظاهرة الداعشية دورية ( دورية ظاهرة العنف و الإرهاب في التراث و التاريخ العربي الإسلامي) و هو ما يبرر اعتبار الظاهرة ذات أساس ثقافي ومنه ذلك الصراع بين منظومتي تفكير ...

إحاداهما فقهية تمثل العقل الدوغمائي من بيئة الحجاز ..

و الثانية "حضارية" كما يسميها البعض تمثل بيئة العراق و خط " التأويل" و " الرأي" ...

و بعضهم يميز بين عقلانية المغرب و روحانية المشرق ..و هكذا..

و ذلك لسبب واحد أن الرأي و التأويل كانا يتحركان فهميا و تفسيريا داخل نفس المنظومة النصية التي تمثل عقلا واحدا لا يزايد فيه عقل على اخر...
فكلاهما عقل فقهي نصوصي بفروقات ضئيلة لا ترقى إلى درجة الأصول و الأسس و المفاهيم أن تكون منطلقا و أساسا كما يتصور بعض المهتمين بإعادة بعث " التأويل" أو " الهرمنطيقا " من جديد في و من أرض العراق ...
تماما كما يزايد المغاربة على المشارقة من خلال هرطقة مفادها أن المغاربة يمثلون خط العقلانية و مدرسة المقاصد و الأندلس و ابن رشد و قرطبة من جهة و المشرق من جهة مقابلة يمثل الفقه و الروح (الذي لا يرقى إلى عرفان جهة العراق و إخواننا الشيعة)...

بل إن تواصل التيار العقلاني التأويلي العرفاني " الإنسانوي " و العقل المقاصدي الرشدي المغاربي راهنا قائم على محاولة باهتة نخبوية محدودة للتقارب على أساس مغلوط و هذا من ثمار العقل التصنيفي العربي الذي يفتعل الخصومة على أساس الفروع و يعجز عن إنشاء مفاهيمه المستقلة متمثلا التراث باعتباره نتاج منظومة نصية واحدة يتحرك في إطارها العقل الفقهي التابع لمدرسة الرأي

كما يتحرك العقل الحديثي ( نسبة إلى الحديث) الظاهري الحرفي اللامقاصدي فكلاهما عقل قياسي (قياس الشاهد على الغائب) و (عقل أرسطي عقيم في شقه " المقدماتي " الباني إلى طرق استنتاجه ) و قد بنى لاحقا منهج علم أصول الفقه و أسس أركانه و قواعده...

ف" الموافقات " للشاطبي قامت تنظيراته على أساس فقهي أصولي يتحكم في كثير من قضاياه و مباحثه المنطق الأرسطي ضمنيا الذي كان سببا في انغلاق باب الإجتهاد بحكم بنيته و نسقه و أسسه المنهجية ...
فهذا يمارس العقل القياسي بأركانه المعرفية الأصولية الفقهية من داخل البنية فالعلة مثلا و القرينة اللفظية و المعنوية يتم تقديرها بعقل أرسطي و فقهي...

فالأرسطي هو من قتل الفقهي و حنطه منذ نفذ و تسلل منهجا لبناء علوم النص ..

و الثاني يفكر بحرفية نصوصية ظاهرية اغتالت العقل و كلاهما من النص إلى النص يتحرك و النتيجة واحدة ..

لذلك فإن كل تقسيم لا يأخذ بعين الإعتبار هذا المعطى الإيبستمولوجي الهام إنما يوقعنا في مفاضلات و تبجيلات تتعدى التصنيف و التقسيم الإجرائي لتتحول حتما إلى تقسيم بنيوي تكويني معرفي يقوم على اعتبارات إيبستمولوجية أيضا منها القطائع بين منظومات التفكير و المعرفة الفرعية التي تنتظم تحت منظومة واحدة نصوصية ...
و هي مغالطات و أوهام علموية يقع فيها الباحث و المفكر تجعلنا نفسر التاريخ الفكري و الفلسفي و الديني على أساس مغالطات تنسحب على فهمنا لكثير من الظواهر الثقافية و الدينية و الإجتماعية و السياسية منها ظاهرة العنف و الإرهاب التي لا تخص التراث العربي الإسلامي فقط بل تنسحب على بقية التراثات الأخرى التي وقع فيها سفك للدماء و قتل و حروب ليس على أساس ديني فحسب بل على أسس غير دينية و ما أكثرها في التاريخ الإنساني ...

لماذا لا يعود ستالين دوريا و تروتسكي و هتلر و النازية و اللينينية الخ بحجم لافت و مفزع و مهدد..

لماذا ترى نكون نحن المسلمون فقط معنيون بدورية و " تدوير " ظواهر العنف و الإرهاب و القتل و سفك الدماء بلبوس الإسلام دائما ...

هل نحن أمة العنف فيها بنيوي أو لصيق بالدين و أعني الإسلام و فهومه أم إن في كل التراثات مناطق مضيئة و مناطق مظلمة غير أن الإنسان و القوى الهيمنية هي التي تمثل بعض هذه المصالح و هي التي توظف المناطق النائمة المظلمة من مخيالنا الجمعي فتحركها و تحييها بالقوة و المال و تخرجها إلى دائرة الضوء و التطبيق و التمثل و السلوك و الفعل و تنقلها من فكرة نائمة ميتة إلى فكرة متحركة تدميرية
و تغرس فينا استعدادات نفس- إجتماعية ( التحليل النفسي و الإجتماعي هنا مجدي و لازمة و حتمية ) و منه الظاهرة الداعشية التي ما كان لها لتستغول لولا أنه وجد من يحركها و يحفزها كقوة تدميرية تساعد الغرب الهيمني على النهب و السلب لمقدراتنا ..
أما الغطاء الثقافي فإنه متوفر في تراث الاخر أيضا كما هو متوفر عندنا و في تراثنا بفارق أن " الاخر " لا يجد من يفعل و يحفز فيه ذلك القبلي النائم فيوقظه من سباته و الذي يفترض من خلال منطق الصراع أن يكون " اخرا " " غيريا " بل يفترضه الغرب " نحن" ...

و لذلك يبيدنا و يقطع أنفاسنا و يفتت قوانا و يمزق وحدتنا عبر الطائفية الدينية ...

غير أن ال"نحن" مشتت مهزوم مأزوم ضعيف و متهاو ...
و لما كنا مصلحة لغيرنا جاز تحقيقها بكل الوسائل الممكنة التي تضعف و تحول دون لقاء السنة مع الشيعة و العرفان مع البرهان و البيان و العقل مع النقل و التأويل مع الفهم أو " التفسير " الخ ...

في هذا الإطار و النسق تفهم " داعش " بناظم القوة التي جعلتها خارقة منذ ميلادها و ليس بناظم الثقافي و الديني ...
فلا فرق بين الوهابية و السلفية و الأشعرية و الماتيريدية و السنة و الشيعة و العرفان و التأويل و العقل و الحديث و ابن حنبل و ابو حنيفة و علي و عمر و أبوبكر و عثمان و ابن تيمية و ابن رشد الخ

فجميعهم تجليات لمنظومة الفهم النصية بفوارق جد ثانوية و غير أساسية كذلك فعل العقل العربي التصنيفي المقلد تنويريا و عقلانيا و حداثيا كان أم تراثيا تجديديا معاصرا مع التراث الغربي قديمه و حديثه ومعاصره و راهنيه ...

و لقد بقي العقل سجين مقولاته يتحرك على السطوح دون النفاذ إلى الأعماق للأسف لابتكار منظومة فهم تستوعب و تتجاوز و تتحرر من كل أنماط الإستقطاب و الإستلاب الماضوية و الإغترابية للتراث و " الاخر" ليس شعارا بل تأسيسا ...

إن الموضوع يستحق نقاشا أوضح و أعمق و أدق لأهميته و جدواه و رغم اختلافي مع البعض فإنني أقدر البصمة المعرفية الخاصة في مقاربة الظاهرة و فهمها خلافا لما ذكرت..."