مشايخ البيبا

علي دريوسي
2017 / 10 / 13

- حَدِّثنا يا حفيدي الغالي أحمد، كيف كانت الغربة في السنة الفائتة؟ كيف هن الصبايا هناك؟
- لقد أمضيت العام بأكمله في تعلم الألمانية يا جَدّي.
- وهل اللغة صعبة إلى هذه الدرجة؟ هل أعاقك تعلمها من الحصول على الشقراوات؟
- عباراتها وأمثالها صعبة للغاية وذات معنى جميل، لكني غالباً لا أفهمه بعد، لقد قرأت منذ مدة عبارة شعبية تقول: لا يَنْمُو المَالُ على الشَجَر. لكني لم أشعر بالمغزى تماماً. بالمناسبة، لماذا لا يَنْمُو المَالُ على الشَجَر؟
- أنهى الجد رمي الحصى الملوَّنة في تجاويف قطعة الخشب التي وضعها على صندوق خشبي بينه وبين ضيفه وقال مناكفاً: أرأيت؟ لو كان لديك اِمرأة شقراء هناك لأفْهَمتكَ معنى العبارة، ثم أضاف: الشَجَر الذي نما عليه المال في الماضي قد ذبل ومات يا ولدي.
- وما نوع هذا الشجر؟ ما اسمه؟ هل انقرض؟
- إنّه السنديان.
- لكنه ما زال موجوداً بوفرةٍ في الجبال المحيطة بقرانا.
- لا أقصد هذا النوع منه، إنَّما ذاك النوع الذي كان يحيط بالمقابر والمزارات أيام زمان مُضفياً على المكان رونقاً خاصاً.

خاطب أحمد نفسه: أنْ تموت كائنات الرَّنَّة فجأةً عندما يهاجمها البرق والرعد، أنْ تموت الأيائل عندما تتبع الصوت الحزين لحظة غناء أو بكاء، هو أمرٌ قابل للتصديق والفهم، لكن أنْ يموت السنديان العظيم في المقابر فهذه نُكتة بائِخة!

- ولماذا لم يعد شجر السنديان ينمو في المقابر؟ سأل أحمد باستهتارٍ، دون أن يحظى بجوابٍ شافٍ.
- ........

هنا توقف الجد أبو إبراهيم عن لعبة المُنْقِّلَة، أطلق تنهيدةً عميقةً ثم أمعن النظر في شجرة السَرْو العتيقة التي تفصل داره وقطعة أرضه الصغيرة عن مزار مشايخ البيبا. استغل أبو وائل، ضيفه وصديق طفولته، لحظات صمته واِنشغاله بتأمل الماضي، درج لفافة تبغٍ بلدي، قدَّمها له ثم واحدة لنفسه، أشعلها ومَجَّ دخانها، ثم نظر إلى وجه مضيفه مواسياً مؤازراً، تلاقت عيونهما وكأنَّهما يستسمحان بعضهما البعض طالبين الغفران من مشايخ البيبا، لأنَّهما يرغبان بالإفصاح عن سرٍ دفينٍ.
كان اليافع أحمد قد وقع في حيرةٍ من صمتهما، حَدَّقَ ملياً في تجاعيد وجهيهما، كأنّه يسبر أغوار الثمانين حولاً التي عاشاها سويةً منذ ولادتهما في القرية الغافية على شاطئ البحر قبل أن تأخذ شكلها الحالي، ثم هَمَّ بالنهوض والذهاب إلى بيت أهله. كان لم يتجاوز عقده الثاني بعد، جاء منذ أيامٍ معدودات لقضاء إجازة الصيف مع أهله في القرية، قادماً من بلاد الألمان، حيث قرَّر الدراسة بعد أن نال شهادة البكالوريا في مدرسة القرية بعلامات جيدة، مكّنته من الحصول على منحةٍ للإيفاد ودراسة الهندسة الزراعية في الجامعة هناك.

- لكني لا أذكر يا جَدّي أني لمحت شجر السنديان سابقاً، لا في مزار مشايخ البيبا ولا في مقبرة الضيعة ولا حول مزار البَيْدَر ولا حتى في مزار الشيخ قليعة في الوادي الأحمر. لم أرَ في أرض مزار البيبا إلا شجرات زيتون معمرات وشجرة الخرنوب خارج سوره، وشجرة السرو على مدخله. هل زرعتم الزيتون عوضاً عن السنديان؟
- ضحك الجد بطيبةٍ: وكيف لك أن تراه؟ لقد مات السنديان منذ أكثر من سبعين عاماً، كنا، عمك أبو وائل وأنا، أطفالاً في العاشرة من العمر. صار عمر شجرات الزيتون في المزار أكثر من أربعمائة بل قل خمسمائة عاماً، لم يتجرَّأ أحد على المساس بها، أما شجرات السنديان التي أتكلم عنها فكانت خارج سور المزار، تحيط به، تحنو على أوليائه كما تحنو الأمُّ على أولادها الذكور، كان هناك ست شجرات عملاقة، موزَّعة كأبراج قلعة، كان عمر الواحدة مئات السنين. كانوا يسمون الأولى سنديانة الولي إبراهيم، الثانية سنديانة الولي إسماعيل، الثالثة سنديانة الولي إسحاق، الرابعة سنديانة الولي يعقوب، الخامسة سنديانة الولي عيسو والسادسة سنديانة الولي يوسف. وكل واحدة من الشجرات كانت رمزاً لشيخ من مشايخ البيبا في حياته.
- أتعلمان أني لا أجرؤ إلى اليوم على دخول المزار؟ لا أعتقد أني رأيته من الداخل في حياتي! لكني قبّلتُ حيطانه من الخارج، ولطالما قبّلتُ القبر بجبيني على يسار مدخله وكأنّه الحارس الأمين لمن يرقدون في الداخل من المشايخ الصالحين.
- هنا تدَّخل أبو وائل قائلاً: لا أُصدِّق أنّك لم تدخل إليه، لقد دخلت إليه مرتين في طفولتك على الأقل، لم يكن عمرك آنذاك قد تجاوز الخامسة، كنت معنا، كان جَدّك يحملك بين ذراعيه، كنت في المرتين مريضاً، يومئذٍ رجونا الشيخ أيوب، حفيد الأولياء الذي ناهز عمره المئة عام وبالكاد يرى من حوله، معالجتك والدعاء لك بالشفاء.
- قاطعه الجَدّ: كان والداك يا صغيري آنذاك في الجزائر، عملا هناك في مدرسةٍ لمدة سنتين لتحسين أوضاعهما المالية، وتركاك في رعاية جَدّتك. كان لديك في المرة الأولى اِلتهاباً حاداً في اللَّوْزَتَيْنِ (بنات دينيك)، وفي المرة الثانية كان لديك مرض النكاف (أبو كعب) في الرقبة.

- وهل كان أحفاد مشايخ البيبا أطباء يا جَدّي؟
- بل كانوا أفضل من الأطباء، كانوا طيبين وصالحين، كانوا صادقين، وهذا يكفي للعلاج. كانوا لا يشبهون مَشَايِخ اليوم، هؤلاء المنتشرين في كل مدينة وقرية وجامع، همهم الوحيد هو جمع المال وصحون اللحم عن طريق تبرعات الفقراء والبسطاء لحضراتهم، هؤلاء الذين يشترون الأراضي والعقارات والذهب، الذين عاشوا ويعيشون بخلاء، الذين علّموا أولادهم بمال الفقراء، كبر الأولاد، مات المَشَايِخ الآباء بعد أن وزّعوا الثروة المسروقة على أولادهم، بعضهم رفضَ وراثة المَشيَخة أو لم يملك موهبتها، لكنه قبلَ بالمال المسروق، تزوجوا وعاشوا سعداء وكأنّهم أشرف من عليها. لو أنهم فقط يفكرون بإعادة المسروقات إلى أصحابها، لكنا بألف خير؟
- وهل وصف لي الشيخ أيوب دواءً؟
- لقد مسح بيديه الطاهرتين على عنقك ووجهك في المرة الأولى ثم رفع لك اللَّوْزَتَيْنِ الواقعتين إلى الأعلى، وقال لنا أنّ اِمرأة قد أصابتك بالعين (النضرة)، فكتب لك يومها كتيبته المعروفة بقوتها وقدرتها على طرد أعين الحاسدين، بقينا نعلّقها على صدرك بدبوس، أخفيناها تحت ملابسك لأكثر من سنة.
- استلم العم أبو وائل حديث الجَدّ واسترسل: في المرة الثانية داواك بحفنةٍ من تراب المزار، كان الشيخ أيوب قد حفر حفراً صغيرة بين جذور كل شجرة زيتون، تلك التي كانت ظاهرة على سطح الأرض، وحفراً أخرى بجانب كل ضريح من أضرحة الأولياء الستة، وأعطى لكل حفرة اِسماً، وكان تراب كل حفرة علاجاً شافياً لمرض من الأمراض، كان يخلط التراب الأحمر بنقاط من علبة زيت قد خبّأها في قرمة شجرة، وأحاطها بقطعٍ من القماش الأخضر والأحمر والأزرق مُحافظاً عليها كعروس.
- لقد شوقتماني لمعرفة أسرار موت السنديان، أتمنى لو تحكيا لي ما حدث، كي أنقله إلى أصدقائي ومعارفي هناك في البلد الغريب.
- مازحه الجَدّ: قل لنا الحقيقة أولاً، ستحكيه لأصدقائك أم لصديقتك الشقراء؟
- والله يا جماعة ليس لديّ هناك لا اِمرأة شقراء ولا سمراء، الحصول على المرأة الألمانية ليس بالأمر السهل. يبدو أنكما لا ترغبان بالحكي عن ماضي السنديان، سأذهب إلى البيت.
- عندما شعرا برغبته الجدِّيّة في الذهاب، أمسكه الجد بذراعه وقال: لا تكن ملحاحاً يا ولدي، سنروي لك القصة كما عشناها، كما نذكرها، كما جرت بحذافيرها، والله على ما نقول شهيد. ثم اِلتفتَ إلى ضيفه وسأله غامزاً كمن يحثّه على الكلام: هل تذكر أرض البَيْدَر قرب مقبرة المزار وما حدث هناك يا أبا وائل؟
- لم أصب بالزهايمر بعد كي أنسى الألم، ماتت الأشجار الست في سبعة أسابيع، قتلوها حين اِكتشف المختار وزبانيته أنّها لن تستطع أن تصير حُبلى.
- هل تقصد حبلى بالأغصان والأوراق أم بالثمار أم بالأطفال أم بالمال؟ سأل أحمد هازئاً.
- بالمال، بالمال يا ولدي بالمال. ثم تابع حديثه: قبل سبعين عاماً كان في كل قرية بَيْدَر رحب، يلعب فيه الأطفال، يحتفل فيه الناس مناسباتهم وأعراسهم، يرقصون ويغنون ويدبكون على قرع الطبول، وفي مواسم الحصاد كانوا يستخدمونه لجمع سنابل القمح وتجهيزها لدرسها. أما اليوم فقد اختفى البيدرُ، فص ملح وذاب، واختفت معه حكاياهُ.
- قال الجدّ بصوته الأبح وكأنّه ينظم شعراً غربياً ألماني المنبت، مما تصعب ترجمته على المستجدين من أمثال حفيده: نحن مُخلصون وأوفياء كأشجار السنديان، كأشجار الزيتون أيضاً، وبهذا نحن فخورون، في أرض السنديان والزيتون لا مكان لشخص يشبه ذلك المختار الأرعن الجشع!
- ردّ أبو وائل بسرياليةٍ حنونةٍ: ذات مساءٍ قادمٍ ستحكي أَسماك البحر لأشجار السِنديان الحرجيَّة عن أحلامها في الحياة في الهواء الطلق، فوق سطح الأرض، تتشبث بها دون أن تغادرها، وستحكي للطُيُور عن أحلامها في التحليق عالياً والسفر دون حواجز وحدود. حينئذٍ ستستمع الأَسماك لأحلام السِنديان في الطيران فوق سطح البحر والاستحمام برذاذه، وستستمع لأحلام الطُيُور في الغوص والتزحلق إلى الأعماق. اعتباراً من المساء القادم بعد مساء فتح القلوب سيتشبث السِنديان بتربة الأرض أكثر قوة، يستنشق الهواء العليل ويبقى حارساً وفياً للمقابر والبراري، ستُحلِّق الطُيُور أعلى، ترتفع وتستدير بحريةٍ أكبر، بعد هذا المساء ستغوص الأَسماك إلى الأعماق بمرحٍ أكبر.
- للبحر ندين بالصحة، لولاه لكان الفقر قد أنهانا، قدَّم لنا سمكاً وفيراً، أكلنا من أنواعها كلها، أرغب لو أموت في حادث سقوط طائرة فوق هذا البحر، لأرد له المعروف، لأهدي أسماكه جسدي، كما أهدانا سمكه مشكوراً.
- قلْ لي أين شجر السنديان؟ أين الفقراء؟ أين بقوا؟ ما الذي حدث؟ أين بقايا قبورهم؟ أما زالت الريح تهب على القبور؟ متى نفهم؟ متى سنفهم؟ أما زالت التنهيدات والآهات والهتافات مُختبئة إلى اليوم تحت الألسنة؟ أما زالوا يكافحون من دون سيوف وبنادق رصاص لأجل الخبز والضوء والأغنية؟ لماذا لا يرفعون أصواتهم بالغناء للخبز والشمس والعدالة، كي تتشَقَّق الحجارة؟ كي ينبثق من شقوقها الماء العذب والسنديان.
- لا أعرف إذا كنت أول من قال: زيارة القبور تكسر الظهور. جميعهم تركوا أعمالهم ورائهم ورحلوا إلى المقابر، والمقابر ما زالت تمور بسكانها الدائمين، وحدها شجرات السنديان كانت إقامتها مؤقتة. المقابر دون شجر سنديان كالنساء دون نبيذ. المقبرة برفقة شجرة سنديان كاِمرأة بعد كأس نبيذ، برفقة شجرتين كاِمرأة بعد كأسين، برفقة ثلاث شجرات كاِمرأة بعد ثلاث كؤوس من نبيذ أحمر. تسكر المقابر والمزارات وتدوخ إذا ما وصل عدد الكؤوس إلى الست.
- تعب المشوار، وحدك رح تبقي يا دنيا ونحنا زوار. دَندَنَ أبو وائل مُردِّداً كلمات مطربه المفضل فؤاد غازي. أضاف: لا فائدة تُرجى من حياة غادرها من نحبهم..
*****

إليك حكاية موت السنديان يا ولدي:
حدث هذا قبل عقود من الزمن، جمع المختار أهالي الضيعة ذات يومٍ قرب مزار مشايخ البيبا، بعد أن أشاع شيخ الضيعة بينهم، بالتواطؤ مع المختار، أنَّه قد قرأ في كتابٍ قديمٍ بأنَّ المال ينمو على شجرات سِنديان المزار المُعَمَّرات، كان قد جرّحها قبضايات المختار في الليل الفائت بالسكاكين حتى الإدماء، قال المختار للأهالي بصوتٍ جهوري بعد أن وقف في شجرة الخرنوب على غصنٍ سميك: ها قد حفرنا لكم بها شقوقاً لزرعها وانتظار جني المحصول، من يزرع في شقوقها ليرة واحدة سيقبضها في نهاية الأسبوع ثلاثة أضعاف. جربوها اليوم يا أخوتي بمبلغٍ صغير، لا تزرعوا كل ما لديكم مرة واحدة، أرجوكم لا تبالغوا، الأيام قادمة.
تتدافع الأهالي، زرع كل منهم في حزوزها الطرية ليرة، سجَّل قبضايات المختار أسماءهم وما دفع كل منهم، مضوا إلى بيوتهم حالمين بولادة المال الذي يحتاجونه.
ما أن استيقظوا في صباح اليوم الموعود حتى أغذّوا السَّيرَ إلى بَيْدَر المزار الذي كان خاوياً آنذاك من البيوت، كان الشيخ والقبضايات بانتظارهم، أوقفوهم على مقربة من السنديانة، كان جذعها وأغصانها الغليظة مُرصّعة بالليرات، بلون الفضّة، كان بريق الليرات تحت أشعة الشمس يُحيي القلوب، أمرهم الشيخ قبل كل شيء بالتَّرَوِّي والصلاة والدعاء والشكر لله والمختار، سارع الجميع للسجود، صلّوا وشكروا، تسلّق الشيخ إلى شجرة الخرنوب ووقف على غصنٍ يحمل وزنه وألقى بهم خطبته، بدأها: ولا تَتَّبِعُوا خَطواتِ الشَّيْطَانِ... ثم ذكَّرهم بضرورات الولادة والموت وحضَّهم على اِحترام أولياء الأمر، ونهاههم عن الطمع بمال الدنيا وأكَّد على تحمل مسؤولية قراراتهم واحترام قدرية ومشيئة الله، وختم خطبته مذكّراً الأهالي بالموعد الثاني لزرع المال، يوم الجمعة القادم.
وصل المختار دافعاً أمامه بطنه الكبير، أمرهم بالوقوف في صفٍ واحدٍ، خلف بعضهم البعض، كانوا بالمئات، راح القبضايات يقرأون الأسماء، يتقدَّم صاحب الاسم، يبوس يد الشيخ والمختار، ثم يحصل على الليرة التي زرع وفوقها الليرتين اللتين ولدتهما السنديانة، فرح الأهالي بما حصدوا وركضوا باتجاه حقولهم مبتهجين.
تكرَّر الأمر في الأسبوع الثاني مع السنديانة الثانية، وفي الثالث مع الثالثة، في الرابع مع الرابعة، وفي الخامس مع السنديانة الخامسة، وفي كل أسبوع يركع الأهالي البسطاء الحالمين بالثروة أمام سخاء المختار وحبه لناسه إذ أنجب السنديان لهم في كل مرة ضعفي ما زرعوه، بدت الغبطة على وجوههم وتحسّنت أحوال بيوتهم.
في الأسبوع السادس أخبرهم المختار أنّه رأى في المنام أنّ الرزق يهطل على سكان القرية، طلب منهم أن يزرعوا في السنديانة السادسة، التي سمّاه بالعروس المباركة، كل ما جمعوه في حياتهم وكل ما حصلوا عليه من الولادات الخمس الأخيرة. حَمَّسَهم الشيخ بدوره على اِتِّباع مشورة المختار والسَّيْر على نَهْجِهِ إلى نهاية المطاف.
جاء يوم الجمعة المنتظر، حمل أهالي الضيعة معهم كل ما وفروه في السنوات الأخيرة، بل وصل المئات من سكان القرى المجاورة للمشاركة، تَدَفَّقوا كالسيل إلى بَيْدَر الولادة، كان السِنديان يئن من عمق الشقوق والتجاويف والجروح التي أحدثها القبضايات ببَلَطاتهم الحّادة وفؤوسهم المخلبيَّة.
أمرهم الشيخ النحيل وهو يمسح على ذقنه الطويلة بالركوع والسجود للسنديانة المباركة قبل مباشرتها بالجماع. اقتربوا من السنديانة الأم واحداً تلو الآخر، سجَّلوا أسماءهم، سلَّموا كل ما معهم للقبضايات الأوفياء الذين حشروا النقود الورقية في الجروح أمام أعينهم، شكروا المختار والشيخ والله، عادوا إلى حقولهم وهمومهم اليومية يحلمون كيف ستحبل السنديانة وتلد لهم المال، كما فعلت أخواتها لإطعام أطفالهم وتزويج أولادهم، كانوا على أحرِّ من الجَمْر، في غاية الشّوق لرؤية ثمار مجامعاتهم للسيدة الحنون، التي بُعِثَتْ على هيئة سنديانة عجوز، مرت عدة أيام قبل أن يصلهم موعداً لقطف المال الذي ينمو على السنديان.
في اليوم المُحدّد ارتدى الفلاحون أجمل ما لديهم من ملابس، اصطحبوا أولادهم وأحبابهم معهم وكأنهم في نزهة، اجتمعوا في البَيْدَر، كان الشيخ والمختار وقبضاياته بانتظارهم، وهناك كانت المفاجأة كبيرة، حين لم يروا السِنديان في أماكنها، كان هناك فقط بقايا من جذوعها الضخمة ورائحة مازوت تزكم الأنوف، كان الحرّاس ينتظرون الأمر لإضرام النار فيها لتصير فحماً، كان الشيخ يبكي والمختار يضرب كفاً بكف وهو يترحَّم على أولياء المزار.
صرخ الأهالي المفجوعين هلعين: ماذا حدث؟ ما الذي حلّ بأشجار السنديان؟ أين اختفت نقودنا؟
قال الشيخ برهبةٍ: تَرَحَّمُوا على السنديان يا ناس، ماتت الأشجار في الصباح الباكر، لا لم تمت، صار لكل سِنديانة جناحين، رأيتها في الليل تحلّق عالياً فوق البحر، ماتت وغاص جسدها في الأعماق. أضْعَفتها الشقوق، ماتت من شدة نزف جروحها وهي تحاول جاهدة ولادة أطفالكم الورقية، ماتت وماتت معها أجنَّتها، نقودكم كلها، فالقميص الأخير ليس له جيوب كما تعرفون.
جنّ جنون الأهالي في ذاك اليوم، خسروا كل ما لديهم، هاجوا وماجوا مطالبين بنقودهم التي ادَّخروها عبر مواسم الزرع والحصاد، زعقوا: لا نصدِّق أنَّ السنديان يموت، لا نصدِّق أنَّ المال يموت على الأشجار، تعلّمنا أنّ المال ينمو على السنديان وهذا ما نصدِّقه.
أوقف كبير القبضايات اندفاعهم بتلويحة من خيزرانته. رفع القبضايات المذارات والمناجل عالياً مُهدِّدين فقراء المزارات، تقدَّم المختار ينفضُ مِذْروَيه، قال بصوتٍ باكٍ شاكٍ: يا أهلي وناسي، قسماً بمزارات البَيْدَر أنني حزين على مالكم ووضعكم، لكن من صدَّق منكم أنّ المَال يَنْمُو على الشَجَر، عليه أن يُصدِّق أيضاً أنّ المَال يَموت في الشَجَر، ومن صدَّق منكم أنّ السنديانة قادرة على الإنجاب يجب عليه أن يُصدِّق أنَّها قد تموت حقاً أثناء الولادة. أين وجه الغرابة في ذلك؟
أكمل الشيخ: عليه العوض ومنه العوض حسبنا الله ونعم الوكيل. كان الله بعون المختار وعونكم. المصاب كبير لكن أرجو من الله ألّا تجعلوا من الحبّة قُبّة، عزّوا المختار بأخواته، هذا الرجل الطيب الذي أراد مساعدتكم على الدوام، الصبر والسُلُوًّان لقلبه الحزين، عزّوه أو اِتركُوهُ لأحزَانهِ التي هي خَيْر عَزَاءٍ له، عزّوه عن حبٍ واحترامٍ وعودوا إلى أعمالكم، عودوا أنّى كنتم، فقراء كما كنتم، كما أنتم.
غادر الأهالي بَيْدَر المزار لا حول لهم ولا قوة ، ضحك المختار وهو في طريقه إلى الإسطبل حين سمعهم يصرخون: أيُّتُهَا الباغِيةُ لك يوم ولنا أيام.
*****

وهكذا يا حبيبي أحمد لم يعد السِنديان منذ ذلك الوقت ينمو لا في المزارات ولا في المقابر و لا حولها.
وهل هذه القصة حقيقية يا جماعة الخير؟ سأل أحمد مدهوشاً.
القِصَص لا تهبط عادةً من السماء، القِصَص لا تنْمُو على الشَجَر يا بني، إسأل صديقتك الشقراء عندما تلتقيها في غربتك، إذا لم تقنعك حكايتنا. أجابه الجد ضاحكاً وهو يرمي الحصى الملوَّنة في تجاويف قطعة الخشب التي وضعها على صندوق خشبي بينه وبين ضيفه أبي وائل.
*****