ذكرياتي مع زلزال القاهرة

طارق المهدوي
2017 / 10 / 13


في مثل هذا اليوم قبل ربع قرن تعرضت القاهرة لزلزال عنيف راح ضحيته آلاف المصريين بين قتيل ومصاب ومشرد وقد كانت لي ذكريات شخصية ومهنية وسياسية مع أحداث ذلك الزلزال أود إشراككم معي فيها ولعل أبرزها هو الآتي:-
1 – فور صحوي في الصباح الباكر كعادتي قمت كعادتي أيضاً بفتح شرفة منزلي الكائن في الطابق الثاني بأحد مساكن حي حلوان لتهوية المنزل أثناء تناولي قهوتي جالساً على مقعد الشرفة، فإذا بمجموعة فئران صغيرة تخرج من مأواها السري في حمام منزلي لتجري بسرعة غريبة وجرأة أغرب نحو الشرفة ثم تقفز منها صوب أرض الشارع حتى قبل شروعي في إحضار المكنسة المخصصة لمطاردة الفئران.
2 – فور نزولي إلى الشارع متجهاً نحو محطة المترو تجمعت حولي كلاب الشارع التي كان يجمعني وإياها حب متبادل قديم لتحاول منعي من استكمال سيري فعدت إلى منزلي وجلبتُ لها طعام وماء لكنها لم تأكل أو تشرب وكررت محاولة منع سيري، فتجاوزتُها بصعوبة على مظنة أنها تريد إبلاغي بأمر هام حدث في الليلة الفائتة سأحاول الاستعلام عنه بعد عودتي من عملي مساء اليوم.
3 – أنهيت عملي الأول في مبنى الهيئة العامة للاستعلامات الكائن بشارع طلعت حرب ظهراً فتوجهت إلى عملي الثاني في قطاع الأخبار بمبنى اتحاد الإذاعة والتليفزيون الكائن في ماسبيرو حيث يتجاور المبنيان بوسط القاهرة، لأجد الفنانة الشابة الجميلة تنتظرني جلوساً على مكتبي في الطابق الرابع وهي شبه عارية كي تؤدي عملها الغرامي المعلوماتي المكلفة به تجاهي، فقد كنت على وشك السفر للعمل كمستشار إعلامي بالسفارة المصرية في السودان بموجب قرار جمهوري أثار غضب الأجهزة الأمنية الكارهة للشيوعيين فحاولت إيجاد أي مبرر معلوماتي يدفع رئيس الجمهورية إلى إلغاء قراره.
4 – بمجرد ما بدأت فتاة السيطرة شبه العارية في تأدية عملها المعلوماتي تجاهي عبر بعض حركات الدلال اللفظي والجسدي وسط سخط زملائي الإسلاميين الذين اكتفوا بالحوقلة والاستغفار وقع الزلزال فاهتزت الدنيا كلها بنا ومن حولنا وتساقطت أجزاء من الأسقف والجدران أرضاً، مما أفقد زملائي الإسلاميين هدوء أعصابهم فخاطبوا فتاة السيطرة قائلين بصوت مرتفع "الله أكبر ده غضب ربنا على المساخر اللي بتعمليها إنتي واللي زيك إتقي الله بقى وبطلي مسخرة" قبل أن يفروا هاربين خارج المبنى.
5 – غابت فتاة السيطرة عن وعيها لمدة دقيقة واحدة ثم استعادت وعيها لتُخرج من ملابسها الداخلية العلوية وحدة الالتقاط والإرسال الصغيرة التي كانت الأجهزة الأمنية قد زودتها بها كعهدة، حيث وضعتها فوق مكتبي وهي تكلم نفسها قائلة "ما اتفقناش على كده ده ما طلعش شيوعي زي ما قلتم إنما طلع ولي من أولياء الله الصالحين"، واختفت من أمامي ومن الوسط الفني وربما من الحياة كلها بعد أن تركت لي وحدة الالتقاط والإرسال "العهدة" التي قمت أنا لاحقاً بتسليمها إلى اللواء علاء بسيوني رئيس قطاع أمن اتحاد الإذاعة والتليفزيون ليعيدها إلى أصحابها.
6 – بالنسبة للإعلامي الحقيقي المحترف في كل بلدان العالم فإن ما كان يحدث آنذاك هو حالة طوارئ مهنية تستلزم استمرار وجوده وتعامله معها على محوري الإعلام والاستعلام، ومع ذلك فقد هرب 99% من الإعلاميين خارج مبنى اتحاد الإذاعة والتليفزيون ومبنى الهيئة العامة للاستعلامات خوفاً على حياتهم وكان الإسلاميون الشامتون على رأس الهاربين تحت دعوى إن المباني الإعلامية ستنهار كعقاب إلهي، حتى إنني عند نزولي إلى استديوهات الهواء في الطابق الثاني لمبنى اتحاد الإذاعة والتليفزيون لم أجد سوى مذيع واحد ومذيعة واحدة كانا في حيرة من أمرهما حيث لا يحق لهما إذاعة أي شيء على الهواء ما لم يكن موقعاً من أحد رؤساء التحرير على الأقل، ولما كنت أنا آنذاك رئيس تحرير فقد جلستُ معهما لأكتب وأوقع خبر قصير جداً يقول "تعرضت مصر قبل قليل لهزة أرضية وجاري حصر الخسائر والتعامل معها" وتركتُ لهما الخبر ثم غادرتُ عائداً إلى جهة عملي الأولى في الهيئة العامة للاستعلامات، حيث سمعتُ خلال عودتي الخبر القصير يُذاع عدة مرات دون أن أعلم حتى اليوم ما إذا كانا قد عرضاه على أحد غيري لاعتماده وإجازته أم لا.
7 – اعتبرتُ نفسي في حالة طوارئ مهنية مفتوحة فاستمر انتقالي بين اتحاد الإذاعة والتليفزيون والهيئة العامة للاستعلامات مؤدياً عملي الإعلامي مع أعمال زملائي الغائبين أيضاً ثلاثة أيام كاملة دون عودة إلى منزلي، ثم عدتُ لأرتب أوراقي وحقائبي من أجل سفري الفوري إلى السودان في ظل استمرار غضب الأجهزة الأمنية الكارهة للشيوعيين والتي ربما يكون الزلزال قد أحبط مساعيها لإلغاء سفري!!.
طارق المهدوي