نحن ولينين والدين والعاطفة

جاسم محمد كاظم
2017 / 10 / 13

نحن ولينين والدين والعاطفة
منذ أن فتحنا العين على ارض الواقع تعلمنا الصلاة من الأهل وجدناهم يسجدون على التراب ليلا ونهارا ويصحا الوالد قبل بزوغ الفجر ليصلي وينادي ربا وأشخاصا مجهولين لنا متسامين في الفراغ .
وتتوسل أمي كثيرا بعين باكية بصور معلقة على حيطان الغرف تظن أنهم سبب نزول الرزق أصبحوا مع تقدم الزمن اقرب الخلق ألينا لأنهم كما تقول تلك الأم المسكينة يعرفون عنا كل شي .
ومن محطة الثاني الابتدائي بدئنا نقرئ ونحفظ سور الدين وآياته وأحاديث الأنبياء الداعية للفضيلة في عالم فاقد لها .
ومع تقدم العمر شيئا فشيئا مع نمو الزمن في أجسادا الصغيرة وجدنا أن دين السلطة يختلف عن دين الأهل لعبوس وجه الوالد حين يستمع إلى كلمات درس الدين الذي حفظناها من معلم المدرسة .
وهكذا ترسخت فينا قيم معاكسة ضد دين المدرسة وعرفنا من مشايخ الدين فيما بعد ممن ظننا بأنهم امتدادات للقداسة الربانية المخزونة في أجساد الأئمة الطاهرين تنير أجسادهم في سواد الليل البهيم ويستخر جون النقد من تحت البساط لمعرفتهم باسم الله الأعظم فهم يستطيعون الخلق من العدم وتتحول كلماتهم إلى أشياء ملموسة يأخذون العلم من سلالة الأئمة مصدر العلم والفضيلة المطلقة في هذا العالم .
وأخذت عقولنا ترسخ فكرة أن الأئمة أحياء لكننا لا نستطيع رؤيتهم لأنهم أنوار متسامية عن الخلق لا يراهم سوى الفقهاء ممن تعمقوا بفهم الدين وشرائعه .
و حمل أبي في جيبه أوراق الأدعية وكلمات الأئمة في الحرب ممن يقال بأنها تحميه من الرصاص ونسج خيال الوالد قصصا رائعة بان هذه الأدعية حولت الرصاص إلى مجرد ذرات من تراب سقطت تحت قدميه بينما تساقط الآخرين جثثا بلا حراك .
ويبقى السؤال الذي لم يتطرق برأس الوالد لماذا لم يحمل الآخرين ما حملة من الأدعية.
وبقي لدينا سؤال محير لم نجد له إجابة في كل كلمات المشايخ .
لماذا لم يخلق لنا هؤلاء الأئمة مجتمع الرفاة والفضيلة كما نقرئه ونسمعه من محاضرات الشيخ ؟
وجدنا إجابته كاملة حين بدء الوعي يتنامى في أجسادنا التي بدأت تفهم بعض الوقائع وربطها مع بعضها البعض في مسيرة قراءة مستمرة رست أخر الأمر في موانئ لينين .
لم نرى لينين ونعرفه معرفة الوالد وهو ليس قريب لنا كابن عم أو أحد أبناء العمومة فلينين ابعد عنا من كوكب المشتري لكننا وجدناه اقرب لنا منهم أجمعين لأنة خلع كل أردية الخوف المستورة وكشف عن عورة المستور القبيحة لبشرية استهلكت من نفسها خمسة ألاف سنة في العبث وخلقت لنفسها عبودية بأيديها ما كان لها أن تفعل ذلك لو أنها فكرت بالعمل المنتج فقط .
ومع لينين بدء التاريخ يتفسر أفصحت معها عبادات الوالد وصلواته مجرد انعكاس لاستجداء الرحمة لواقع مقلوب لان سلطة الأرض تقهر إرادة الوالد المغلوبة فيعوضها بالكلمات الهاربة في كل اتجاه لصنع قوة وإرادة بالكلمات لان ثورة التمرد في نفوس الأهل تقوم بها الكلمات مقام الأشياء المادية وتساقط التاريخ شيئا فشيئا وعرفنا سر صور الأولياء المعلقة بأنها ثورة التمرد ضد السلطة الغاشمة لبناء عالم جميل يخالطه النصر حين يقطع الأهل نوم الصباح اللذيذ قبل شروق الشمس لكي يرددوا أدعية تنادي على الغائبين بقوة الصوت توقظ كل النائمين وكأن الله لا يحب أن يدعوه احد ألا في الظلمة .
ونام التاريخ وصحا على حلم الوالد الجميل حين مسك الأولياء مقاليد الأمر بعد غياب دام أكثر من ألف وثلاثمائة سنة عن التاريخ الساكن في مكانة لكن حلم الوالد والأم لم يتحقق وبقي السؤال المحير أكثر حيرة .
لماذا لم يخلق عالم الحلم وكل ما قرئناه وسمعناه عن دولة الله وأوليائه الموعودة بقيت حبيسة الورق فلام تتعدى سطور الكلمات حتى ولو بسنتمترات قليلة .
ووجدنا الجواب عند لينين نفسه بان عالم المثال لن يستحيل إلى حقيقة أبدا وان التاريخ هو التاريخ يصنعه الإنسان بيده وان كان الإنسان يجهل جوهر أعمالة وينسب ما يعمله إلى قوى المثال البعيد فكان اغترابه الأزلي عن عالمة الواقعي الذي لم يتبدل بهذا الحاكم بل ازداد سوئا حين انتحر المثال على مذبح السلطة ولم يكن هذا الحاكم الجديد متفردا عن غيرة من الحكام بل هي السلطة التي تتسلح بالنار والحديد عبر كل زمنها الغابر وبدأت تفك طلاسمها الغيبية المتحجرة المسكوكة بحلقات المثال إلى شي حقيقي بدا يتجذر في عقلية اؤلئك الذين بدئوا يستفيقون من سبات الماضي وترياقه المنوم ولم يجدوا أن صورة هذا الحاكم تختلف عن كل صور الحكام السالفين .

ليكون أن مابين المثال والحقيقة هو التطبيق الذي لابد للعراقيين أن يكونوا قد ادر كوة في آخر الأمر واستفاقوا من الترياق المخدر الذي راود عقولهم عبر مسيرة أجيال لا ولن تحصل على حقها المفقود ألا بالعمل وفهم هذا العالم الواقعي على حقيقته وعلاقاته الواقعية لا بأحلام واهية مأخوذة من شفاه العجائز حين واجهت نفس رصاص السلطة وهراواتها وجلاديها عندما أرادت أن تعبر عن حق بسيط من حقوقها التي لم تحصل على شي منها لحد الآن .


::::::::::::::::::::::::::::::
جاسم محمد كاظم