أوهام البشر – وهم الخلق – جزء ثانى

سامى لبيب
2017 / 10 / 10

- مائتان حجة تفند وجود إله – من 110 إلى 126.
- خربشة عقل على جدران الخرافة والوهم (71) .

هذا المقال الثانى فى سلسلة جديدة بعنوان " أوهام البشر" لنتناول فيه بقية الحجج فى إستحالة الخلق ووجود إله لذا ستصب فى سلسلة " مائة حجة تُفند وجود إله" لأستحدث هنا إمتداد لهذه السلسلة القديمة لتكون "مائتان حجة تفند وجود إله" بدلاً من مائه , فأنا أمتلك فى دماغى الكثير من الحجج التى تنفى فكرة وجود إله , كما ستدعم هذه الحجج سلسلتى القديمة "خربشة عقل على جدران الخرافة والوهم".
كل الحجج التى تفند وجود إله وإستحالة الخلق تعتمد على مناقشة الفرضيات والأطروحات الدينية واللاهوتية فلا تخرج عنها لتثبت هشاشة فكرة الإله وتناقضاتها الداخلية .

110 - لماذا لحظة الخلق دوناً عن سواها ؟!.
- لو سألنا لماذا خلق الله الكون فى لحظة زمنية محددة ولم يخلق قبلها أو بعدها فلا يتصور أحد أننا أمام سؤال ساذج سفسطائى , ليقول أحدهم لو خلقه قبل أو بعد ستتوقف أيضاً وتسأل لماذا خلق فى تلك اللحظة دون غيرها .. نعم سنسأل دوماً هذا السؤال ولكن يبدو أن حضرتك لا تدرك عمق هذا السؤال الذى سينفى الخلق والإله .!
عندما نقول لماذا خلق الله الكون في هذه اللحظة بالذات دون سواها ولم يخلق في اللحظة السابقة أو اللاحقة فهذا له معنى عميق , فاللاوجود قبل الخلق يعنى إن كل اللحظات الزمانية تكون متشابهة بلا أى فوارق ليكون نسبة الفعل فى كل منها متساوياً , فما الذى مَيز تلك اللحظة عن غيرها لتتميز ليكون تميزها دافعاً لصدور فعل الخلق عندها .؟!
دعونا نبسطها أكثر فمعنى أن الله خلق الوجود فى لحظة معينة فإما تكون بحكمة أو عبث , فسيقول المؤمنون بالطبع لحكمة وماخلقنا عابثين , وهذا هو المُفترض من إله كلىّ الحكمة والتقدير , لذا سنهمل الخلق بعبثية بدون قصد ليكون إختيار لحظة معينة للخلق تم بحكمة وتقدير أى أن الله إختار الظرف المناسب التى تكون لحظة الخلق قبلها أو بعدها خاطئة , فالظرف المناسب هو إختيار من عدة ظروف متباينة , وهذا يعنى أن الظروف خارجه عن الله ليفاضل بينها ويتحين الفرصة المناسبة للخلق , وهذا يعنى أن الله يخضع للظروف التى هى فى حالة إستقلالية عنه ليقوم ويتعامل معها بدراستها وإختيار اللحظة المناسبة للإقدام على عملية الخلق , مع عدم إغفالنا أن اللحظات يُفترض أنها متشابهة .!
- كما إن عدم إقدام الله على الخلق قبل لحظة الخلق يعنى أنه كان عاجزاً ثم صار قادراً وهذا ينفى القدرة الألوهية المطلقة ويجعله تحت رحمة الظروف وما يُتاح منها وما يتوفر , ولو قلنا بأن الله مُتحرر من الظروف وأنه خلق بدون توافر ظروف مناسبة للخلق كونه خالقها وغير خاضع لها جدلاً , فهذا يعنى أن لحظة الخلق غير مُرتبة وجاءت بلا تفكير وبدون باعث لها أى فعل عشوائى وهذه الفكرة ستلتقى مع الملحدين فى عبثية وعدم غائية الوجود كما تنزع عن الله فى المقابل أى حكمة وتقدير وتدبير.!
خلاصة القول أن الخلق مستحيل كفعل بواسطة الإله فلو إختار لحظة الخلق فسيقع تحت طائلة الظروف المناسبة والقاهرة ليختار اللحظة المناسبة وهنا سيفقد ألوهيته ,ولو كان الخلق بلا حسابات وترتيبات وقيود سيصبح شئ عبثى وهنا سيفتقد الحكمة والترتيب ليدخل فى دوائر العبث .

111- الإرادة القديمة باقتضائها القديم لا تصلح مرجحاً للحدوث .
هذه حجة من ابن سينا يقول فيها : الإرادة القديمة باقتضائها القديم لا تصلح مرجحاً للحدوث في وقت دون آخر , لأن نسبة الإرادة القديمة إلى الحدوث في الوقت المشار إليه , وإلى الحدوث في وقت غيره سواء .. فلماذا اقتضت الإرادة ورجحت حدوثه في الوقت الأول دون الثاني ؟ إن ترجيح هذا على ذاك , أو ترجيح ذاك على هذا , فنسبتهما إلى الإرادة إما سواء أو لا , أما النفي فغير جائز , وإلا كان إحداث العالم إرغاماً لا اختياراً فهذا باطل , وإن كانا سواء فهل حدث أحدهما بدون ترجيح من الإرادة أو به ؟ إن كان الأول لزم الترجيح بلا مرجح , وإن كان الثاني لزم التسلسل , وكلاهما باطل , ولذلك يكون العالم أزلياً .
وقال أيضاً : القول بخلق العالم في زمن دون آخر يدل على أن الله يختار , والاختيار يؤدي إلى وجود كثرة في ذاته , لأنه يستلزم معرفة توجب القصد أو ترجّحه , والتكثّر في الواجب محال , كذا القول بحدوث العالم يدل على أن الله كان غير تام الفاعلية أزلاً , وهذا ما لا يتوافق مع كماله التام .

112- التقييم بإستحسان الخلق .
- هل الله رأى فى الخلق شئ حسن فإذا كان كذلك كما تذكر آية " وَرَأى اللهُ ذَلِكَ انَّهُ حَسَنٌ " بالكتاب المقدس , فإما أنه يعلم هذا أو لا يعلمه فإذا كان يعلمه , فلماذا لم يبدأ الخلق قبل تلك اللحظة فهذا يعنى أن هناك معوقات حالت دون ذلك كما ذكرنا , وإذا كان لا يعلم بأنه سيخلق فهذا يفقده ألوهيته بحكم المُفترض كونه عليم علاوة أنه أصبح تحت رد فعل الحدث المُستجد الذى يواجهه .!
- فعل الخلق بالنسبة لله إما يكون شئ حسن أو بلا معنى أو بلا غاية , فإذا كان بلا معنى وبلا غاية فنحن أمام فكرة عبثية تصب فى رؤية العدميين الملحدين بأن الوجود جاء بلا معنى ولاغاية ولا ترتيب , أما إذا كان الخلق شئ حسن فهذا يعنى أن لديه معرفة للقياس والتقييم عن كون الأشياء حسنه أو قبيحة , ليختار الحالة الطيبة والحسنه منها , ولكن التقييمات لا تكون إلا بعد الحدث ليتكون التقييم من رد الفعل عليه , وكذلك التصنيف كونه طيب أو قبيح يأتى وفقاً لتفاعل الإله مع المشهد ليُكون منه معنى وتقييم .. هذا علاوة على إفتراض إمتلاك الإله لخبرات سابقة تجعله يُقيم منها الاشياء القبيحة والحسنه من ردود الفعل الذاتية على الشئ , وهذا يعنى أن الله متأثر بالخارج ليستحسن ويستقبح وفق إنطباعاته الخاصة .. أى أن الأشياء خارجه عن الإله لتتكون لديه إنطباعات إيجابية أو سلبية منها , وهذا يعنى حتمية وجود قبل الخلق يكون منها خبراته وإنطباعاته الحسنه والقبيحة وأنه فى حالة المفعول به مثلنا .!
-عندما يكون الله متفرداً واحداً فلا يجوز منطقياً أن يصف هو أو انبياءه أن فعل الخلق حسن لأن من المُفترض أن الخلق حالة قاصرة على الله منفرداً لا يشاركه ولا يقاربه أحد بحكم عدم وجود مثيل فكيف يتم تقييم صفة حسن وأحسن طالما لا يوجد الضد المتمثل فى الآخر القبيح أو الأقل حسناً , فتقييم الصفة يأتى من وجود ضدها ونقيضها حاضراً ليجعل للصفة وجود ومعنى .

113- أحسن الخالقين تبدد الألوهية أيضا .
آية "تبارك الله احسن الخالقين" بالقرآن, قد نمر عليها فلا نفطن لما تحمله من أخطاء تقوض فكرة الإله فقول " تبارك الله احسن الخالقين" تعنى مقارنة وهذه المقارنة يجب بالضرورة أن تكون بين نفس النوع وبالتالي تسمح بوجود عدة آلهة خالقة ليكون الإله الأحسن بينهم , وهذا ينفى فكرة التوحيد وكون الله واحد أحد متفرد لا توجد آلهة أخرى لتكون محل مقارنة ليكون أفضلها خلقاًً .!
البعض يحاول الخروج من هذه المعضلة بالقول أن المقارنة بين ما يخلقه الله وما يخلقه الانسان، وهذا يعتبر عذر أقبح من ذنب , إذ تًجري المقارنة بين الله ومخلوقاته , بين المحدود واللامحدود , بين المطلق والنسبى , بين الخالق والصانع , كما لا يجوز المقارنه بين طبيعتين مختلفتين , وفى النهاية لن تنفع المناورة فالقرآن يعنى بأحسن الخالقين المقارنة بين آلهة ففى موضع آخر " آتدعون بعل وتذرون احسن الخالقين" الصافات.
فكرة الكمال تبدد أحسن الخالقين كون إنتفاء التقييم , فكمال الخلق لا يسمح بأى وجه للمقارنة , فلا يصح عقد مقارنة بين المثالى المطلق والنسبى , بين طبيعتين متغايرتين لا يوجد أى شئ يجمعهما .!

114- الخلق والفائدة المرجوة منه .
- خلق الله الوجود يكون إما لفائدة ورؤية ذاتية تعود عليه بالإنتفاع أو لفائدة تعود على غيره أو كونه فعل الخلق حسن فى ذاته .. الإحتمالين الأخيرين لا يدفعان الله للخلق أو للدقة تنالا من ألوهيته , فالإله لن يعمل لحساب الغير علاوة على عدم وجود الغير , ولو وجد كالإنسان فلا يليق بذات إلهية أن تتسخر لمصلحة الغير , أما كون فعل الخلق حسن فى ذاته فليس لها أى وجه من الصحة كون الإله يتعامل مع المعنى كأنه صنم , علاوة على أن الحسن هو معنى وتقييم نتاج فعل وخبرة قديمة , فلا وجود لمعنى بدون وجود فعل يسبقه , ليبقى السبب الأول كمصلحتة الذاتية كإله وهنا يفقد ألوهيته وكماله لوقوعه تحت الحاجة والإحتياج , وبما أن هذا الغرض لا يليق بالله فالعالم يكون أزلياً.
- يقول أرسطو فى هذا السياق : إذا أحدث الله العالم فإنما يُحدثه ليبقَى هو كما كان , أو يُحدثه لما هو أفضل , أو يُحدثه لما هو مفضول , وكل هذه أغراض بعيدة عما يُفترض في حق الله , لذلك يكون العالم أزلياً .

115- بأي باعث عزم الإله على الخلق وهل هناك بحث عن الأفضلية ؟
ملمح منطقى آخر فى هذا السياق لنقول بأي باعث عزم الإله على الخلق بعد الصمت الذي ظل فيه منذ الأزل إلى بدء الخلق؟ هل لأنه رأى أن الخلق هو الأفضل؟ إن كان الأمر بالإيجاب , فهو إما كان يعلم هذه الأفضلية أو لا يعلمها , فإن كان لا يعلم فعدم العلم لا تتفق مع الألوهية , وإن كان يعلمها فلماذا لم يبدأ قبل ذلك العهد .؟!

116- الواحد والأزلى .
- قال الكسندر هاليس : الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فحسب , وبما أن العالم متعدد , إذاً فهو لم يصدر عن الله , بل إنه أزلي .
- وقال ابن سينا : الموجود القائم بذاته لا يمكن إلا أن يكون واحداً من كل وجه, والواحد من كل وجه لا يصدر عنه إلا واحد , وإلا تعددت جهات ذلك الواحد بتعدد ما يصدر عنه , فبناءاً على منطق ابن سينا لا يكون العالم قد صدر عن الله بل يكون أزلياً .
- وقال أفلوطين : الواحد لا تصدر عنه أعماله بالإرادة بل بالضرورة , وما يصدر عن الواحد صدوراً ضرورياً هو مثل ذاته , فالعالم أما أن يكون أزلياً أو يكون مثل ذات الله , ولما إنتفى أن يكون مثل ذاته لذلك يكون العالم أزلياً .

117- الله المطلق والزمن والخلق .
الله بحكم وصفه بالمطلق واللانهائى والكامل لا بد وأن يكون متعالى على الزمن , أى لا تنطبق عليه قواعد البداية والصيرورة والنهاية ككل شئ خاضع للزمن , و من هنا لا يمكنه أن يتواجد فى أى زمن ما , ولكن هذا التعالى على الزمن يتناقض مع فعل الخلق الذى يرجعونه إليه , لأن فعل الخلق لم يتم إلا فى لحظة فى الزمان , هذه اللحظة تقسم الزمان لما قبلها وما بعدها لذا مقولة الله أزلى أبدى لانهائى غير محدود تنفى حدوث الخلق فهو هنا خارج الزمان والمكان , والخلق لا يتم إلا فى الزمان والمكان .

118- حجة مهداة من المعتزلة .!
هذه الحجة من المعتزلة الأكثر نشاطا وحيوية وحراكا فى الفكر الإسلامى ومن عمق تفكيرهم قوضوا فكرة الإله فيقولون : في الفلسفة يقال الشيئية تساوق الوجود ومفهوم هذه الجملة أن كل موجود هو شيء وأن كل غير موجود او معدوم هو لاشيء ! ليطفو السؤال: هل كان الاله عالماً بالموجودات قبل أن يوجدها , أم لم يكن عالماً بها .؟
الموجودات قبل أن توجد كانت معدومة والمعدوم لاشيء , ولما كان المعدوم لاذات له ولاشيئية له فإن المعلوم هو لاشيء , وبما أن العلم هو عين المعلوم فإن العلم سيكون لاشيء ! وهذا يعنى ان الإله اذا لم يكن عالماً بما خلق قبل أن يخلق فإن علمه سيصير علماً انفعالياً أي تابعاً لوجود المعلوم! وكل علم انفعالي حادث وما بالحوادث حادث ولا ينبغي لحادث أن يكون ضمن الوجوب .!
الاثبات والنفي ليسا سوى لفظين مرادفين للوجود والعدم فلأن كل ثابت موجود وكل معدوم منفي , كما ان هذا الحال لايعدو ان يكون جمع متناقضين فكيف يكون الشيء معدوماً وموجوداً في نفس الوقت .؟!
- جهم بن صفوان أوضح أمراً مشابهاً لهذا ايضا ..فقال بأنه لا ينبغي للإله أن يعرف الشيء قبل خلقه , لأن معرفته بالشيء قبل خلقه ستتغير بعد الخلق .. يعني علم الاله سيتغير , فكل متغير حادث , و لا ينبغي لحادث ان يكون ضمن الوجوب ..أي كيف يعرف الله شيئا غير موجود ؟! فهذا معناه ان علمه حادث و تابع لخلقه للأشياء ! أي كيف يخلق شيء لا يعرفه ؟!.

119- الغائية والتخطيط المُسبق للخلق .
- قضية الغائية والتخطيط المُسبق للخلق تستلزم وجود الشئ أولا ثم الفكر المخطط , فوجود التفكير ليتم التخطيط لا يأتى إلا من وجود المادة الخام للشئ أولا .. لذا لا يمكن تصور وجود مُخطط أولاً قبل نشوء المادة , كما يستحيل تصور نشوء نظام دون تخطيط مسبق , أي لتكوّن بنية منظمة أو تكون نظام أو كائن حي , فهو نتيجة من تفاعلات العناصر أو البنيات الموجودة أولا .
- يضاف نقطة أخرى فى موضوع الفكر المخطط فهذا ينال من قدرة الإله المطلقة فهو ملتزم بخطوات فى التخطيط فلا يستطيع أن يقفز على خطوة ليسير وفق مخطط صارم لتضيع معها قدراته ومشيئته وحريته المطلقة.
- محاولة الردعلى هذه الحجة بإستحضار المُخترع والمهندس كإمكانية إنتاج شئ من الذهن رد خاطئ تماماً , فالمخترع والمهندس يبدعا من وجود مواد وليس من عدم , فمن مادة الألمونيوم الموجودة مثلاً أبدعنا الأوانى والطائرات , كذا الاله يستحيل التصميم والإبداع من عدم أى من عدم وجود شئ ينتج منه معرفته وتصميمه , فالاشياء المعدومة غير موجودة .

120- لا خلق إلهى وفق منطق السببية والمسببات .
- لا يوجد منطق لدى المؤمنين غير السببية لإثبات وجود إله , فالبعرة من البعير إذن سماء ذات بروج من إله قدير , وبالرغم أننا فندنا هذا التهافت فى مقال سابق كون هذا المنطق الذى يستخدمونه لإثبات إله يلقونه عند أقرب صندوق قمامة عندما نسأل عن سببية الإله , علاوة أن السببية تعتمد على الخبرات السابقة حتى لا يتعسفون ويحشرون الإله فيها , بمعنى أننا نقول أن البعرة من البعير بعدما شاهدنا مراراً وتكراراً سقوط بعرة من بعير ,فهل لدينا خبرات عن آلهة خلقت أكوان ليكون هذا الكون من الله .؟!
- سنتناول السببية من جانب آخر يصب فى موضوعنا بإستحالة الخلق , فكل البشر يؤمنون بالسببية مؤمنيهم وملحديهم ليكون الإختلاف فى طبيعة المُسبب , فالمؤمنين يرونه عاقلاً ذو إرادة والملحدين يرونه غير عاقل فلنتناول فرضية أنه عاقل , فمعنى ان المُسبب عاقل واعى فهذا يعنى أن ما يصدر منه كأسباب ومُسببات هى ذات حكمة وترتيب ومعنى وكذا لديه خطة أى أنه خاضع لها بإلتزاماتها وترتيباتها ومنطقيتها وأحكامها فلا يستطيع أن يقفز على نظامها ومن هنا يكون الإله خاضع لنظام .. أما لو إعتبر أحد بغطرسة أن الله غير خاضع لمسببات كونه خالق يمتلك مشيئة وحرية مطلقة فسيكون الخلق فعل عبثى عشوائى بدون نظام ليجد المؤمن نفسه يذهب للملحد برجليه فقد جعل الخلق يتم بشكل غير واعى ولا منظم يفتقد الترتيب .!
- السببية تفقد الإله ألوهيته فهو لا يستطيع فعل شئ إلا بسبب وهذا يعنى أنه تحت قيد الأسباب والمُسببات فلو أخذتك العزة بالإله لتقول أنه قادر على فعل الأشياء بلا أسباب فقد نزعت عنه الحكمة والترتيب ونزعت عنه المشيئة والإرادة ووضعته فى خانة العبثية والفوضوية واللامعنى .!

121- مُسبب الأسباب والخلق .
مقولة الله مُسبب المُسببات والأسباب تخضع لنفس هذه الرؤية النقدية , فكونه مُسبب الأسباب ليضع لكل مُسبب ما يناسبه من سَبب فلا يستطيع أحد القول أن المُسببات عشوائية لا يَحكمها ترتيب وحكمة فهذا يعنى العبثية , ولكن أن تكون المُسببات ذات ترتيب فهذا يعنى ان الله محكوم بنظام لا يستطيع أن يحيد عنه حتى تكون الأمور منطقية وذات هدف وغاية , وهذا يفقد الإله ألوهيته وحريته عندما يكون محكوماً ومقيداً بالتعاطى مع حيز معين من المُسببات القاهرة لا يحيد عنها .!

122- الله والمنظومة .
- لو تسايرنا مع مقولة لكل مخلوق من خالق فهى تُعبر عن نظام ناقص يكتمل بوجود خالق لهذا المخلوق , سنهمل القول أن هذا ينطبق على الإله لنسأل عن خالقه , ولكن سنعتنى بأن الخالق هنا وسيلة لإكتمال النظام , أى ان الله جزء من منظومة معينة لا فكاك منها فهو جزء فيها كخالق وهناك جزء مخلوق .. فهل الإله جزء وأسير نظام خاضع له .؟!
- يقترب ابن سينا من فكرة المنظومة فيقول : القول بحدوث العالم يؤدي إلى استكمال الله بالغير , واستكمال الله بالغير يؤدي إلى وجود نقص فيه , وبما أن النقص بالنسبة للإله محال , لذلك يكون العالم أزلياً .

123- الله لا يمتلك مشيئة مع الخلق .
- عندما نسأل المؤمن هل الله ذو مشيئة وإرادة ليخلق الكون ستكون إجابته قاطعة بأن الله حر وكلىّ المشيئة فكيف تطلق هذا السؤال الساذج , فإذا كان الإنسان حر ذو مشيئة فهل يفتقد الله الخالق عظيم الجلال المشيئة .؟!
فى الحقيقة التمعن فى صفة المشيئة من خلال المفاهيم الإلهية ستجعل الإله مُسيراً غير حر وبلا مشيئة , فالحرية تعنى القدرة على إختيار خيار محدد من مجموعة خيارات فى لحظة ما لنجد أن هذا يستحيل أن يتحقق مع فكرة الله وفقاً لفرضياتها , فالله يعلم منذ الأزل كل الغيب وما كان وما سيكون وقد رسم أقدراه وترتيباته على كل حدث فلا يستطيع أن يحيد عن أى خطوة قدرها فحين يتخذ قراراً آخر فهو مُقيد بأقداره وعلمه المُسبق , فكونه يُعدِل من خططه بحكم أنه ذو مشيئة فهنا سيُبدد معرفته الكلية التى لم تُدرك التعديل , كذلك ستنهار مقولة حكمته العظيمة المطلقة التى أخطأت فإستدعت المشيئة تغيير الحدث .
- نقطة أخرى تنفى المشيئة وهى وقوع الله تحت التأثير وعدم العلم فهو فوجئ بحدث لم يعلمه ليتأثر به وينفعل تجاهه ليضطر إلى إختيار نهج مغاير يتناسب مع الحدث لنكون أمام إله إنفعالى يتفاعل مع أشياء مستقلة خارجة عنه ليُبدد هذا تفرده بالخلق والمشيئة , فالأشياء فاعلة مؤثرة وليست منه .!
- قد يقول قائل أن المشيئة تحددت فى البدايات وأنه لن يحيد عن مشيئته , وهنا تزداد الأمور صعوبة على فكرة الله , فهو مُجبر أن يتحرك لما حددته مشيئته البدئية فليس له خيار وحرية , كما أن مشيئته البدئية تجعله عبثياً فهو إختار مشاهد عشوائية لتكون إختياره , ولتتحدد مشيئته بظروف لو أخذها فى الحسبان , فهنا يكون متقيداً متأثراً بما حوله لتؤثر على قراره , هذا إذا إعتبرنا وجود موضوعات خارجية قبل الخلق , فمن أين جاءت وكيف تخلقت قبل الخلق ليخضع لتأثيراتها ؟!, فى كلتا الحالتين لا تجوز مع الألوهية لذا لم يتبقى أن تكون مشيئة الله عشوائية غير مُنتقاة بلا أى تأثير لنحظى فى النهاية على قرارات عبثية تبدد قصة الحكمة والخلق .

124- الكمال ينفى الخلق والخلق ينفى الكمال .
- الله كامل كمال مطلق كما يروجون وهذا يعنى أن وجوده مكتمل لا يعتريه النقص أو الزيادة أى هو فى حالة مثالية لا تقبل الإضافة أو يعتريها النقصان ليتواجد فى حالة الكمال منذ الأزل أى كصفة مطلقة غير مُستحدثة , ولكن وجود صفة الكمال المطلق ينفى الخلق , فالإله قبل الخلق كان ناقصاً غير مكتملاً فيوجد فعل أو عمل أو مهمة الخلق لم ينجزها تطلب منه الإنجاز ليصير كاملاً .. ومن هنا إما أن يكون كان ناقصاً قبل الخلق ثم إكتمل , ولكن كون صفة الكمال مطلقة فهذا يعنى استحالة الخلق ليحافظ على كماله .!
- تكون عملية الخلق تدمير ونسف لفكرة الكمال فالله إستكمل كماله بالخلق , وهذا يعنى أنه كان ناقصاً وإستكمل كماله بفعل الخلق وإذا كان هذا الأمر مرفوض كونه كامل بلا نقص ولا زيادة فرضاً منذ الأزل فهذا يعنى أن الوجود أزلى لم يُخلق .!

125 - هل خلق الكون ليكون كامل و مطلق ؟
معضلة منطقية مهمة في مسألة خلق الله لأي شيء , فبما أن الله كامل ومطلق فهل خلق الكون ليكون كامل ومطلق أيضا ؟ لو كان الله خلق الكون كاملاً إذن فهو إله خلق إله فهناك إلهين وليتعدد اللاهوت , و إن كان قد خلق الكون أو أي شيء آخر ناقصاً و نسبياً فهو عيب وخطأ من الله الذي من المفروض أنه لا يخطئ أبدا .. إذن فحتى لو كان الله موجوداً فهو لم يخلق أي شيء .

126 - لا يمكن ان يكون ثابت و خالق الوجود .
- الله ثابت أى لا يعتريه التغير والتغيير والمزاجية والإنفعال وتقلب الأحوال , لذا فالقول بخلق العالم يؤدي إلى دخول الله في علاقة بعد أن كان بلا علاقات فى وجوده السرمدى وبما أن الإله حسب الفكر اللاهوتى لا يطرأ عليه تغيير ولا تبديل ولا علاقات مؤثرة فهذا ينفى عملية الخلق ليكون الوجود أزلياً .
-الإله لا يمكن ان يكون ثابت و خالق الوجود فى ذات الوقت فعندما يقول المؤمنون أن الله لا يتغير ولا يؤثر فيه أي شيء وفقاً لأسطورة الخلق نجد أن هذا يتعارض مع افتراضية خلق العالم في وقت ما فإذا كان الخلق الإلهي حقيقي, وأن هذا الوجود قد تم خلقه بواسطة إله غير محدود , لكن الإله لا يمكن أن يكون لديه دوافع أو مؤثرات داخلية مثل الإحتياج والرغبة والجهل والمشاعر لتدفعه للخلق فهو ليس بشرياً يتأثر ويتحرك وفق رغبات ومؤثرات خارجية تدفعه للفعل فحينها ستتبدد ألوهيته .

دمتم بخير وإلى لقاء مع جزء آخر من أوهام البشر .
-"من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته " أمل الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع .