يسار جامعة المنصورة ومؤتمر جمصة 74

مصطفى مجدي الجمال
2017 / 10 / 10

كانت جامعة المنصورة وقتها جامعة وليدة، وقد انفصلت للتو عن جامعة القاهرة. وكان رئيس الجامعة الدكتور أبو النجا أكاديميًا مرموقًا، وشخصية معتدة بنفسها ومنفتحة على كل التيارات الديمقراطية والثقافية بالجامعة.

وقد بدا واضحًا منذ بداية السبعينيات تبلور تيار يساري داخل كلية الطب ضم طلابًا من النوع النادر الجامع بين الثقافة العريضة والانتماء الوطني وخبرات سياسية لا بأس بها (لبعضها موف نقدي ناضج من الممارسة داخل منظمة الشباب الاشتراكي وحتى التنظيم الطليعي) بل وحتى التفوق العلمي.. كما تبلور اتجاه اشتراكي (بجناحيه الأممي والقومي) في كليات التجارة والهندسة والزراعة والحقوق..

وفي المقابل كانت جماعات "شباب الإسلام" المدعومة أمنيًا بشكل واضح تتبلور في كل الكليات، وركزت أساسًا على دراسة القرآن والحديث وإقامة الصلوات الجماعية والتكافل الاجتماعي بين أعضائها (كطباعة الكتب والمذكرات..) ولاجتذاب الطلاب الفقراء، ولم تكن هذه الجماعات تتكلم وقتها في السياسة إلا في موضوع واحد هو اتهام الشيوعيين والناصريين بالكفر والإلحاد والانحلال و"الجري وراء شهوات البطون والنساء"!! حسب تعبير إحدى مجلاتهم.

لكن زميلنا المرحوم الدكتور سالم سلام (الشخصية الفذة والكادر "الاتحادي" الكبير) أقام صداقة قوية مع أمين اللجنة الثقافية بالجامعة وطالب كلية الهندسة عبد الحسيب عبد الرافع.. وكان الأخير عضوًا في جماعة شباب الإسلام لكنه انجذب بقوة لثقافة ونشاطية وإخلاص الطلاب اليساريين فتعددت الصداقات العميقة جدًا بينه وبينهم.. وهو ما أثار حنق الجماعة، لكنه صمد في وجه ضغوطهم.. وبالمناسبة كان عبد الحسيب طالبًا ريفيًا مكافحًا قوي البنية يحضر في كلية الهندسة صباحًا ويعمل في ورديات الليل بمحطة كهرباء طلخا..

حضر المؤتمر الأول لاتحاد طلاب جامعة المنصورة عدد لا بأس به من الطلاب الماركسيين واليساريين، البعض بصفته عضوًا في اتحادات طلاب الكليات، والبعض الآخر كمراقبين مثل أعضاء "جماعة الصحافة" في الجامعة، وكنت من ضمن الأخيرين. وكان المؤتمر المنعقد شتاءً في مصيف جمصة فرصة رائعة للتعارف عن قرب بين الطلاب اليساريين.. كنا في حالة أشبه بالاكتشاف الجماعي المتبادل بيننا.. وكم كان هذا مفرحًا..
كان الجو العام وقتها حافلاً بتمجيد السادات "بطل حرب أكتوبر".. كما كان الجو الرسمي على مستوى المحافظة مهتم بالاستيعاب السياسي والشخصي لبراعم "الكتل" المسيَّسة الجديدة في محافظة الدقهلية.. وكان المحافظ وقتها هو محمد إبراهيم دكروري (كادر المخابرات المهم). فوفرت المحافظة كل الإمكانيات اللوجستية لإنجاح المؤتمر من هذه الزاوية.

في الجلسة الافتتاحية تحدث أمين الاتحاد الاشتراكي بالدقهلية محمد عبد الحميد المراكبي، وارتكب حماقة "تلقيح الكلام" على عبد الناصر وذلك في تمجيد مباشر للسادات.. ولما قاطعه طالب الهندسة حمدي قناوي تلعثم الرجل وأنهى كلمته في الحال..
وتحدث عبد الحميد حسن وزير الشباب، الذي كان "فرخة بكشك" أيامها بالنسبة للنظام بسبب صغر سنه وقدراته الخطابية ومسئولياته السابقة في اتحادات الطلبة.. دخل الوزير في كلامه في المنطقة الخطرة التي اضطر المراكبي للهرب منها.. وكانت أخطر جملة قالها تنطوي على اتهام من عارضوا السادات واستعجلوه في شن الحرب كانوا جزءًا من "حركات عميلة للصهيونية"..

وبعدما انتهى من كلامه طلب كاتب هذه السطور الكلمة ووقفت إلى جوار المنصة لأرد على اتهامه وتبيان تهافت تناقضاته.. وكنت ومازلت من النوع الذي أمسك ورقة أدون بها عناوين النقاط التي سأتحدث فيها حتى أكثف حديثي ولا أنسى شيئًا.. حاول الوزير مقاطعتي فلم يستطع، وفوجئت به يخطف الورقة الصغيرة من يدي في حركة عصبية غريبة.. وأخذ يقول إنني فهمت كلامه بالخطأ، وقال كلامًا آخر فحواه احترام النظام للطلاب وحب السادات لأبنائه..

في اليومين التاليين كانت مناقشات اللجنة السياسية من أروع وأعمق ماشهدته حتى وقتها، وخرجت توصياتها للتأكيد على استكمال تحرير الأرض وضرورة الديمقراطية وحماية المكتسبات الاجتماعية لثورة يوليو..الخ. وتم تكليف كاتب السطور بصياغة التوصيات وعرضها على اللجنة التي وافقت عليها بالإجماع تقريبًا..

كانت هذه المناسبة أيضًا فرصة لاكتشاف عناصر طلابية "مباحثية"، كانت معظم مداخلاتهم ركيكة وضعيفة، وبضطرون في آخر النقاش لمسايرة الجو العام في اللجنة.. وقد لاحظت أن أحدهم منكب طول المناقشات على "أجندة" يدون فيها بلا انقطاع كل كلمة تقال.. "فلعب الفأر في صدري"، وأعترف الآن أنني في إحدى الاستراحات تأخرت في الخروج من القاعة، وسرقت الأجندة، نعم "سرقتها" وذهبت فورًا إلى الغرفة لأجد المناقشات بالحرف، وبأسماء المتحدثين وحتى أوصافهم الجثمانية، منها مثلاً: "الواد الأسمر أبو بلوفر زيتي".. ومن الطريف أنه بعد عقدين من السنين تقابلت صدفة مع هذا الشخص في أحد شوارع المنصورة، وتذكرنا المؤتمر فصرخ على الفور "آه لو أعرف ابن (...) اللي سرق الأجندة"!!

يبدو أن التقارير الأمنية التي كانت ترسَل عن مناقشات المؤتمر أزعجت المسئولين.. فجاء المحافظ بنفسه لحضور الجلسة الختامية.. وتُليت توصيات اللجان تباعًا.. وبدا المحافظ مصعوقًا وهو يستمع للتوصيات النارية.. وحينما تحدث خرج عن كل أبجديات المسؤول الواعي والمخابراتي.. فكال لنا من التهديد الكثير، وقال إنه لا يصدق أن طلابًا يكتبون مثل هذا الكلام وبهذا المستوى اللغوي، وأن الطلاب بالتأكيد "لم يكونوا في وعيهم".. وأضاف أن لديه معلومات بأن شخصًا جاء من القاهرة في الليل ومعه "مظروف أصفر" (!!) به هذه التوصيات وسلمها لأحد طلاب المنصورة..

غادر المحافظ المؤتمر غاضبًا، بعد أن طلب صراحة إلغاء هذه التوصيات أو تعديلها.. بعدها كان الجو في المؤتمر بالغ الحدة في إدانة سلوك المحافظ وأسلوبه، وأصر الطلاب على توصيات اللجنة السياسية بالحرف..
في صباح اليوم التالي كان موعد المغادرة إلى المنصورة.. وكنا في انتظار أتوبيسات المحافظة لأن المواصلات مع جمصة وقتها كانت نادرة جدًا في الشتاء.. طال الانتظار ولم تأت الأتوبيسات إلا قبيل المغرب.. وإن كان هذا قد منحنا وقتًا رائعًا للمرح كما لو كنا نصطاف في الشتاء!!