جياد من ريش نسور.. للشاعر مقداد مسعود / والاحتفاء بالمختلف / بقلم الناقد حميد حسن جعفر

مقداد مسعود
2017 / 10 / 9

جياد.. من ريش نسور
والاحتفاء بالمختلف
حميد حسن جعفر

(1)
من سلطات القراءة انها تنتمي الى المتغير.
فما من قراءتين متشابهتين، سواء للقارئ الواحد، أو لمجموعة القرّاء. فكل فعل قراءاتي لابد له من امتلاك خط شروعه الخاص به، والمختلف عن سواه. ولكل فعل طالع من القراءة اتجاهات ومفروزات واستقبالاته.
هذه الخصوصيات كثيرا ما تظهر بفعل التراكم المعرفي للمتلقي، وبفعل التنوع المعرفي الذي يشكل معظم محمولات النص.
وكما تفرز المواءمة قراءاتها كذلك الحال مع التناقضات.
تعدد القراءات هذه، وتعدد منتوجاتها هي التي تشكل الأداة التي لها إمكانية تشغيل/ تفعيل النص، وتحويله الى مجموعة بؤر تمده بالقدرة على منح القارئ أفعالا مغايرة، تمنحه التاريخ وتجرده من النسيان.
من ذا صنع، أو أنتج، أو أتى بالآخر الى الوجود/ الواقع.
القراءة التي هي أولا، وهي التي دفعت بالانسان الى ابتكار الكتابة كشكل من أشكال الإشارة/ الصور التي تتحول الى أصوات ومعاني. الكتابة التي جاءت متأخرة – قبل خمسة آلاف عام أو يزيد – عن مرجعيتها/ القراءة بمفهومها المعاصر، والتي كانت وعلى طول التاريخ الذي سبق هذا الابتكار/ الكتابة.
فالقراءة فعل رافق الانسان منذ لحظاته الأولى في امتلاك الوعي والقدرة على الفرز والتميز وتحويل الصورة الى مفاهيم معرفية.
هل القراءة هي التي منحت الانسان التاريخ؟
أم إن الكتابة هي التي منحت الانسان بتعدد مستويات امتلاكه للمعرفة منحت الانسان القدرة على التشبث بالفعل القراءاتي، ليتمكن هذا الكائن من إعادة تصنيع العالم!!
ورغم التكافل في صناعة الانسان تظل الكتابة فعلا غير ذي بال ما لم يلازم القراءة.
لقد تمكن فعلا القراءة والكتابة من إحداث طفرة/ قفزة في سلم الوعي والمعرفة الحضاريين – بسبب وقوعهما تحت سلطة القصيدة والبرمجة. ورغم توفر القراءة، هذا المفصل الذي ينتمي الى الفعل الفردي/ الشخصي إلا أن الكتابة استطاعت الوصول الى حركة المجموع، وبذلك ظهرت الى الوجود بنية المدرسة/ المعهد، وبنية التعليم/ الاستقبال الجمعي. ولتتحول الكتابة بفعل المعارف الى منتجة للقراءات، وبذلك فقد الانسان اللاقارئ/ الفاقد لخاصية القراءة – قدرته على إقناع القارئ بقوة كتابته، وبذلك استطاع الشاعر أن يحول الكتابة الى فعل اكتشاف كما هي الحال مع القراءة ذاتها.

(2)
(مقداد مسعود) واحد من الشعراء القلائل الذين يعتمدون المعرفة الواقعية، وكذلك المعرفة المتخيلة في الكتابة، حتى تحول البعض من مفاصل الفعل الشعري الى شيء يحسبه القارئ/ الناظر وهماً.
الكثير من الشعراء الذين يمارسون الكتابة في الأمور الثقافية مرة، وما ينتج عنها من قراءات نقدية، ومن أحكام وقرارات، شعراء كهؤلاء لا يمكن محاذاتهم من خلال القصيدة التي يكتبونها فحسب – وبالتالي يعملون على إدخال القارئ في مصيدة القراءة. قراءة ما يصدر عنهم من مواقف ثقافية، ومن أحكام نقدية ومن آراء في أجناس أدبية وإبداعية.
قد يكون الشاعر والناقد مقداد مسعود، والشاعر الناقد جمال جاسم أمين، والشاعر خزعل الماجدي - رغم الوجود الواضح لسواهم – من أكثر النماذج المثقفة، والمتعلمة قدرة على صناعة اختيار التلقي، أو في استقبال القارئ لكشافاتهم.
ثلاثة من الشعراء لم يستطع الفعل الشعري أن يلبي طموحاتهم، ولم يستطع أن يستوعب – لوحده – ما يخزنون من معارف، ليتحول الفائض من خصائص تنويرية الى حقول مجاورة لفعل الشعر. فكان النقد أو الكتابة الثقافية أو المسرح أو السينما أو التراث الميثولوجي للأقوام.
***

بين يدي هذا الشاعر أو ذاك المثقف/ الشاعر تتوسع الآفاق، وتتعمق المدارس، حيث يتحول هذا الكائن الى مجموعة كشافات – لم تكن فيما سبق من مفاصل الكتابة الشعرية –
لذ لم يكن الشاعر قبيل القرن العشرين ملزما بما ينتمي الى الثقافة بتعدد مصادره، بل كان الاهتمام السائد آنذاك منصبا على أن يكتب الشاعر القصيدة، وعلى أن يلقيها من على المنبر وسط مظاهرة احتجاج أو تجمع جماهيري، وكفى الله المؤمنين شر القتال. والقتال هنا فتنة المعرفة وما تنتج من تلق وبحث واستقراء ومحاولة وضع اليد على تأثيرات الحقول الأخرى المجاورة لحقل الشعر.
***

لقد كان (مقداد مسعود) من القلة القليلة التي مازالت تصر على إنتاج المختلف في حقل الشعر خاصة، مع إصراره على متابعة حقول المقاربات النقدية سواء في الشعر أو القصة أو الأمور الثقافية.
إلا أن الفعل الشعري هو الذي سيكوّن أكثر من طموح وأكثر من هم، من أجل صناعة انجاز شعري يعتمد تدمير جدران القصيدة الكلاسيكية وبينتها الداخلية وكل ما ينتمي الى تأثيثاتها، سواء كانت هذه القصيدة – الكلاسيكية – العمودية التي بات عمرها يتجاوز الألف وخمسمائة عام إن لم يكن أكثر من ذلك أو قصيدة التفعيلة التي تجاوز عمرها المائة سنة أو أقل بقليل، والتي شاخت قبل أوانها على يد الكثير من الشعراء الذين – أحبوا الضلالة على الهدى –
القارئ الاعتيادي، قارئ الشعر عامة، قد لا يكون معنيا بهكذا إجراءات، أو مقترحات، أو توجهات تنتمي الى مفصل من جنس ما، ربما يكون ذا خصوصية منفردة.
التجارب المتشعبة أو المزدوجة، الشعرية، النقدية، الثقافية، والسردية من الممكن أن تمثل تجارب استثنائية. فالقارئ غير مطالب بأن يدخل مدخلاً صعباً، فتجربة هذا الشاعر أو ذاك، الكلانية قد تهم النقاد والمتابعين والمثقفين ومن ابتلاه الله بحرفة الأدب.

(3)
ما يميز (مقداد مسعود) - وهو ما يجب أن يحصل لجميع الشعراء/ المبدعين – عن سواه من حشد الشعراء، وربما هي حالة يتميز بها المبدعون عامة – حيث يعمل الشاعر الواحد على صناعة التفرد، وبالتالي الخروج من الشراكة الشعرية، أو الانفراد بالتجربة الإبداعية.
و (مقداد مسعود) شاعر مغامر، شاعر ينتمي الى التجريبية في الكتابة، أي إن هيكل القصيدة/ البنية الخارجية والداخلية – ابتداء من العتبة/ البوابة، حيث خط الشروع، وصولا الى الوحدات/ الفضاءات الشعرية المنفتحة على بعضها أو تلك المنغلقة على نفسها – والتي تشكل وحدات شعرية تكاد تكون متكاملة أو مكتفية بما لديها – كما هي الحال مع بنية البيت الواحد داخل القصيدة العمودية – تجارب تكاد تكون مستقلة عن بعضها رغم تداخلها أو رغم تجاوزاتها.
واذا ما كانت المغامرة تشمل أكثر مفردات النص الشعري، أكثر العبارات والصور، مع وجود رغبات عدة جامحة في طرد المفردات الفائضة عن الحاجة والصور المتداولة التي استهلكت مدخولاتها، أو العبارات الفاقدة لسلطة الغواية.
هذه المفاصل التي تدفع بالشاعر الى اقتناص المفردة، وعدم الانجرار وراء النطيحة أو المتردية من التجارب، أو الركض خلف جماليات اللغة العربية المتوفرة في كم هائل من الأسماء والصفات والأحوال والمضافات والمجرورات ومن ثم الإبقاء على ما يزيد التجربة اقتصادا أو اختزالا، حتى تتحول القصيدة الى قصيدة لنوع خاص من القراءات، لنوع من الكتابة المعتمدة على ضرورة الإبقاء على الضروري والتخلص من زوائد الكتابة، على الرغم من إن هذه الزوائد ولدى الكثير من الشعراء لا تخرج عن قانون الحشد الفني الإبداعي، وتحويل البخل – وضيق ذات اليد – في الصور والتراكيب الى شيء من الإفاضة في صناعة الغواية، وتحوي النص الشعري الى مجموعة من البؤر المنتجة للحرائق.

(4)
هل يكفي توفر النية الحسنة – وكما يقال العمل بالنيات – من أجل صناعة القصيدة؟ وهل تكفي البراءة وغياب المكر في صناعة الغواية من أجل صناعة القراءة؟ وهل بإمكان الشعراء - جلهم أو بعضهم – الاتفاق – من أجل أن لا يتفقوا – على الوصول الى نهايات الكتابة؟ أي الاتفاق على نقطة الشروع بالبدايات أو على الوصول الى النهاية؟!
ومن أجل أن لا يُظلم الشاعر أو الشعراء ومن اجل أن نمنح القصيدة حقوقها، لابد للقارئ من أن يكون جوابه من اجل إثبات ذلك نافياً.
هذا النفي يبيح للكائن – بشريا كان أو شعريا – الابتداء والانتهاء، وفقاً لما يمتلك من تناقضات أو تقاطعات أو توافقات مع الخزين الثقافي والمعرفي الذي سيكون مادة القصيدة وحيزها، وبذلك يتصاعد الاختلاف وتجتهد القصيدة في صناعة مساراتها.
(مقداد مسعود) يبدأ مشروعه الشعري (جياد من ريش نسور) من عند لحظة تطويع الأسماء النكرات، من أجل تحويلها الى معارف، وسط جعبة القارئ، ولأن الأسماء هنا نكرات (جياد، ريش، نسور) ورغم الإضافة – المضاف والمضاف اليه – ريش نسور – أي إن الشاعر يضيف نكرة الى نكرة إيغالا في التعتيم، لتظل الاعلام/ المعالم بعيدة عن الحراك، من خلال تفعيل/ تحريك الاسم النكرة، وبسبب علة التنكير هذه يظل الاسم الواقف خارج مفهوم العلم ممتلكا لخطاب الغموض، ولا مفر من التعامل معه وفق قوة المغاليق التي يمتلكها. هكذا يتحول العنوان الى مشروع تفكيكي لابد للقارئ من إنتاجه والاستفادة من محتويات صناديقه السوداء.
(جياد من ريش نسور) عبارة مستلة من قلب القصيدة (2012) ص6، استطاع الشاعر أن يضع إصبعه عليها لما تمتلك من قوة الإيحاء، ولما يمتلك هو/ الشاعر من قصدية في صناعة شيء ما ينتمي الى الامتحان أو الغواية أو الاستفزاز، أو الى أي شيء من الفنظازيات/ الغرائبيات، التي كثيرا ما تثير حفيظة القارئ (مع أو ضد) ليركب معارفه باحثا عما يوجد خلف الزجاج المضبب، أو ما خلف العتمة/ الدخان من حرائق.
***

في (جياد من ريش نسور) يعمل الشاعر (مقداد مسعود) على تعميق العلاقة ما بين القارئ من جهة، والنص والشاعر من جهة أخرى.
قد تدفع علاقة من هذا النوع الى شكل من أشكال الاتصال، حين يكون القارئ عند حافة التجربة القرائية، أو الى شدة الفعل الاختزالي الذي قد يجد القارئ نفسه ضمن حالة من العزلة، أو إن خزين القارئ قد لا يتوافق مع مفروزات النص الشعري، ومن الممكن أن يكون العكس هو السائد، حيث يتحول القارئ الى سندباد، والنص الى مخيال جامح، والمعارف الى عوامل مساعدة توفر للقراءة حالة من الدلالات التي يتماهى خلفها فعل شعري يمتلك من التفرد ما يغري بالذهاب بعيداً في محيط النص.
واذا ما ساد في يوم ما مصطلح أو مفهوم القاموس الشعري لشاعر واحد أو لمجموعة شعراء، لجيل متفرد، أو آخر مختلط، فهذا يمتلك من القواميس الأسطوري والأخر التاريخي، والثالث الانثروبولوجي، والرابع الايروسي، والخامس التراثي، وسواه الكلاسيكي.
فبعد انتشار المعارف ومشاعيتها والتي استطاعت أن تزيل/ مدمرةً جدران العزلة ما بين الحقول والأجناس فما عاد يميز الشاعر مجموعة ألفاظ أو عبارات أو تراكيب أو شخصيات معاصرة أو تراثية، تنتمي لأساطير الشرق أو الغرب أو تنتمي لتلك الأقوام أو لهذي الشعوب، وما عاد الاحتكام الى ثقافة ما بعينها تشكل شيئا من الحماية، رغم أن الخصوصية المحلية تشكل ملمحا مهما وأساسيا في صناعة التجارب الشعرية الفردية كانت أو الجمعية، ولكن بعيدا عن الانجرار الى شيء من التطرف في الانتماء الى الشخصانية مع الابتعاد عن الاتجاه العام لحركة الانسان والتاريخ، حيث تتحول فضاءات المجرة الأرضية الى مجموعة أزرار، أو مجموعة وسائل اتصال قادرة على إلغاء التباعد وتحويل الهوامش الى مراكز، وتوفير المعلومة والمعرفة ضد لحظة ولادتها ولتتعدد المفاهيم وتسود المغايرة.

(5)
في معظم تجاربه الشعرية يعمل (مقداد مسعود) على أن يترك بعض موجوداته من غير الإشارة اليها، أو من غير استنفاذ مخزوناتها.
لم يكن ما يترك من المهملات، أو ممن لا يرجى منه شيء ما، فالحياة بكل تفاصيلها تمتلك مبررات وجودها، حتى التي تقف بالضد من طموحات الحياة نفسها.
(مقداد مسعود)
لم يعد في حياته ما لا يستحق الحراك، باتجاهه، وتهيئته لتجربة جديدة، كليا على المتلقي، أو انها تحمل آثارا لتجارب أخرى.
لذلك لم تكن تلك الإشارات الموجهة نحو الماضي ذات دلالات تؤشر الى وجود خمول لبعض أطراف تلك التجربة أو لتلك سواها، بقدر ما تؤشر على أن ما تبقى من التجربة مازال يمتلك من البؤر ما يؤهله لصناعة الحرائق/ القراءات.
أي إن الحياة ذاتها مازالت قابلة لصناعة التنوع، عبر تأهيل مفاصل مستجدة، مفاصل كانت في يوم ما على شكل أفكار أو مقترحات، كانت في يوم ما مجرد خطوط على ورق، لتتحول بالتالي الى أحلام قابلة، لا يختلف بعضها عن سواه من مشاريع الحياة.
وكثيرا ما يعمل (مقداد مسعود) على البحث عما خلف المفصل الذي استحدث في محاولة لدفع المتلقي من اجل الخروج من قراءة أولية والدخول في قراءة أو قراءات جديدة، تنتمي الى الاختلاف لا الى اجترار المواقف والنتائج، بعد أن تغيرت الأسباب والعلل بسبب التبدل الذي يصيب مراحل الاستقبال، والذي سيؤدي بدوره الى نتائج مغايرة، قد تكون مناقضة لما هي عليه في السابق.
(مقداد مسعود) منتج نصوص شعرية لا يمكن أن تشعر بالندم على نصوص سبقتها، نصوص من محتوياتها غير الاكتمال، فما من تجربة أولى أو عاشرة تنتمي الى النضوج أو الى التكامل.. لأن مفاهيم التجربة الناضحة أو التجربة المتكاملة لن تكون سوى حالات سوء فهم لأن الاكتمال والنضوج دلالة على انغلاق التجربة وتحجيمها، وبالتالي موت التجارب المنفلقة عند النقطة ذاتها والتي انطلقت القصيدة من عندها. إنها التجربة التي لم تترك فرصة للقارئ في أن يمسك بمقود النص ولو للحظة واحدة أن تتحول القصيدة الى نسق شاطب، حائز على لحظة الإلغاء التي يجيء على يد ما يسمى وهم الاكتمال أو النضوج والذين لا يعقبهما سوى تلف الأنسجة وتحول المادة الشعرية الى نفايات.
***

قد ترفض تجارب (مقداد مسعود) التعريفات، أو تمتنع عن الدخول في هذا التصنيف أو ذاك لتظل العملية الشعرية بمعناها الأوسع ومناخاتها المتعددة هي المرجعية الأولى والأخيرة لتلك الممارسات.
ليس بسبب كون هذه التعريفات والتصنيفات ربما تشكل نسق تناقض لدى البعض فحسب، بل لأن الشاعر يعمل على أن يكون متفردا وسط القصيدة لا أحد يوازيه، أو يحاذيه إلا ضمن العملية الإبداعية.
وقد تكون الأنثى الكائن الوحيد الذي يقيم منازله في قلب الشاعر، أو في قلب القصيدة.
إذ أن من أعراف الشاعر المعاصر إن التعريفات لن تكون سوى سيف (ديموقليدس) الذي لابد من وقوعه على رقبة النص.
فالتعريفات ما هي إلا عملية تحجيم للإبداع وإلغاء للمحمولات، والشطب على المغامرة، فالنص بين يدي الكائن المبدع كائن غير قابل للرصد، لأنه مثقل بالحياة، ولن يكون في يوم ما مجرد جثة جميلة محنطة.
معظم التجارب الشعرية الناجحة، والتي تمتلك خصوصيتها الطالعة من خصوصية الشاعر نفسه، حيث الإضافات، حيث ساحة التقويض للنمطية والأنساق، تجارب كهذه لابد لها من امتلاك خصيصة التواصل، إذ لا انقطاع/ لا عزلة بين مفردات التجربة الواحدة، أو مجموعة التجارب السابقة واللاحقة.
(مقداد مسعود) كثيرا ما يوعز أو يوحي لقارئه بوجود تجربة سابقة ولابد من وجود تجربة لاحقة، وكل من التجربتين تمتلكان جسورا بما تكون وبما ستكون الكتابة غير المنقطعة عن الجذور. انه يبشر بوجود قراءة بتلك المواصفات، لذلك على القارئ أن لا يدخل فضاء القصيدة وهو خالي الوفاض – كما يقال – وغير محمل بمواقف وتوقعات لا تنتمي للقراءة التي سوف تكون بمفردها وسط مياهها، رغم أن الكثيرين من المبدعين سوف يكونون حاضرين الى جانبه، عبر ما استطاعت قراءة أعمالهم من توفير مستندات تشعره بأنه يمتلك من قدرات لتعطيل الأنساق الشاطبة، والانتقال الى مرحلة التكوين.
حيث يعبر من النص ذاته بقوة القراءة، ووفرة المعارف، ومن قوانين الكتابة لدى (مقداد مسعود) أن يقرأ النص قبل تدوينه وان الذي لم يكتب بعد لن يدخل الخدمة ما لم يكن حائزا على مرتبة من مراتب الفعل الشعري لدى الشاعر.
***

في (جياد من ريش نسور) يطلق الشاعر (مقداد مسعود) صرخته هو التي بحجم العالم، صرخة على شكل إشارة، ليضع إصبعه على الجرح.
هذا الفعل الذي جاء على شكل (ثمرة شوكية) مازالت ومنذ بدء الخليقة تأكل في جسد الحصان.
[واذا ما كان لسيزيف صخرة يحملها على كتفه فـ (مقداد مسعود) لديه (ثمرة شوكية) مدسوسة تحت سرج حصانه].
لتتحول الى حشد من الممنوعات التي تحول دون انطلاق الفارس الذي يعتلي فرسه والذي يقطع الطريق الذي تحول بدوره الى خنادق قتال ومقابر وثكنات.
هل على القارئ أن يلتحق بركب الشاعر؟ ليتمكن من الإدلاء بشهادته! من أن العالم مازال يواجه نهاية ذات احتمالات متعددة.
ولأن الثمرة لم تكن كائنا خرافيا، بل ثمرة، أي إنها فعل ينتمي الى الأرض/ الى الانسان، كائن مخلوق هكذا جاء وهكذا سيكون، هكذا تشكل الثمرة الشوكية/ الطرف الثاني من معادلة بقاء العالم، يمارس حياته وسط حالة من الاطمئنان، على الرغم من أن الثور الذي يحمل الكرة الأرضية عند طرف أحد قرنيه – قد يصحو – اذا ما تم اعتبار الصحو حالة جنونية، في أي لحظة ليجد الكون/ العالم نفسه وسط لحظة قلق شديد.
هل الحكمة والعقلانية وعدم إثارة الثور، وتحويل انتباهاته الى أمور جانبية، هل كل هذا يشكل حلولا للمعضلة، أم إن اللاابالية وترك الأمور على عواهنها، وليحدث ما يحدث هو من الحلول المقترحة، أم إن البحث عن أسباب صناعة (الثمرة الشوكية) أو عن أسباب وجودها تحت سرج الحصان.
– هنا الثمرة تتحول الى كائن مطموس غير مرئي – ولماذا تكون بهذه الإشكالية ولم تكن خارجها.
من الممكن أن يجد الانسان الفرد ومعه الكثيرون والمعني تحديدا بتغيير العالم نفسه بمواجهة الموت مرة، والحياة مرات، بمواجهة حالة من العبث، أو العدم، حالة من حالات السفسطة مرة والفلسفة مرة أخرى.
***

(مقداد مسعود) من المعنيين أولا وأخيرا بإعادة تشكيل الكون/ الحياة، فهو لا يطلق الصرخة أو الاستغاثة أو التحذير من أجل ترك القارئ وحيدا وسط التيه، وسط تساؤلات لا تنتج غير مجموعة هائلة من الإجابات الخاطئة، لكي تبدأ عملية البحث عن الإجابة اللاخطأ.

(6)
واذا ما كانت الصفحة الخامسة خالية من عنوان ما – رغم وجود المتن الشعري – والذي سيمتلك عتبته في الصفحة (102) حيث الفهرست.
(القارئ) وسط حقل الكتابة سيجد نصا من غير بوابة، ومن دون رواق من غير مظلة – السماء والطارق – هكذا هو المتلقي – والذي سيجد نفسه لاحقا مع – المفتتح –
اذاً من هنا – المفتتح – سيكون خط الشروع بالفعل القراءاتي.
- فرس وفارس، طريق وثمرة شوكية، وشاعر – أي من المفاصل الخمسة بقادر على التنازل عن حقوقه، والعالم/ الكون وفي الكثير من مفاصله قائم على اغتصاب الآخر.
إلا أن الشاعر قد يتنازل عن حقه الشخصي من اجل تحقيق الحياة رغم عيوبها، وسوءاتها. تلك الحياة التي سوف تظهر وضمن فعل قصدي – على الصفحة الرابعة من الغلاف بعد أن ظهرت وبشكل تجريدي يتصدر لوحة الغلاف – حيث حاول الفنان التشكيلي (صدام الجميلي) أن يمنح الفارس والفرس، أن يمنح مجموعة الفرسان المنهكين أشياء من العنفوان، من اجل التخلص من أشواك الثمرة/ الحياة.
هل بإمكان القارئ أن يستقبل (المفتتح) من غير أن يتحسس البعض من مفاصله؟ أن يتلمس ما تحت قميصه من ندوب وطعنات، وما تركت الثمرة التي لم تكن في يوم ما إلا بعض الأنساق الشاطبة، وبعض المهيمنات المنتمية الى الثوابت والمنتجة لـ (جرائم وردية) والتي كثيرا ما تعمل على زراعة تلك الثمرات الشوكية، في دواخل الانسان الطيب.
يشكل المفتتح.. وما ينتمي الى الخاتمة غير المحجمة، والواقفة خارج المتون هل يشكل المفتتح والخاتمة بنية تشكيلية لا تدل عبر عناصرها إلا على بعض حالات النفي، وبعض حالات الإثبات، وصولا الى الحقيقة المدربة على التماهي تحت السرج.
القراءة ببعض معانيها سوف لن تغادر المفتتح بسهولة، فالشاعر يكشف عن بعض أسراره ويطمس البعض الآخر.. بل ستترك - القراءة – الكثير مما ينسب اليها، ستتركها عند (مربط الفرس) لكي تبقى الذاكرة متوقدة. ولكي تبقى الثمرة الشوكية على يقين من أن الآخر سوف لن يكون كل الضحية ولابد للشاعر من الدخول في جوف المغامرة، من اجل أن يتشكل حصان من غير سرج، فـ (جياد) الشاعر والتي سوف تتشكل من (ريش نسور) سوف لن تدخل حوض التدجين ولن تتحول الى مادة للمراهنة بل سوف لن تكون لسوى الفرسان.
***

هل هناك علامة ما ما بين المفتتح ص5 وقصيدة (2012)
"وحدك..
من وهبتني أبواب قطيفة..
أنخابا من لوز
سرودا من ريش نسور
مركبة من سرمد المسرات: ص8.
وعلى القارئ أن يكون على يقين من أن الشاعر سوف لن يتركه وحيدا من غير إشكالات قراءاتية، إذ أن استقلالية النص/ القصيدة أمر غير وارد فالتجربة الواحدة، أو مجموعة التجارب من الأمور التي يتكون منها المشغل الشعري لـ (مقداد مسعود) إذ كثيرا ما يتوجب على القارئ أن يضع النص الشعري موضع النص السردي، والمفصل الذي لم ينجزه الشاعر في الصفحات الأولى سوف يكمله في الصفحات الأخرى. قد لا يجد القارئ بوصلة تدله على ذلك، ولكنه سوف يجد إحساسا يشير الى ذلك.
على قارئ (جياد من ريش نسور) أن يكون قارئ سرود، ليتمكن بالتالي من محاكمة النص، حول ما يؤجل الشاعر من مفاصل النص التي سوف تشكل حالة استرجاع في نص آخر.
فنصوص/ قصائد الجياد هذه لن تكوّن حالة انفصال عن بعضها، رغم الاستقلالية الواضحة، إلا أن تلك الحلقات رغم اكتمال دوائرها عن بعضها، إلا أنها لابد لها من أن تشكل سلسلة حلقات/ سلسلة قصائد، وضمن حالة من التكافل الشعري، لكي تتشكل التجربة شبه المتكاملة. وسيجد القارئ وفق ما يمتلك من نباهة وقدرة الربط والبحث عن المتروك عمدا من قبل الشاعر، أو وجوبا من قبل النص، من اجل صناعة قراءة للفعل الشعري، قراءة لا تعتمد الخط المستقيم أو المسطرة، في الربط والتشكيل والمصاحبة.
فبقدر ما يمتلك القارئ من تجربة تخص فن القراءة وشروطه، فهو لن يكون كذلك عندما يحاول أن يجاري (مقداد مسعود).
هل يمتلك الشعراء سلطات على المتلقين؟ لا عبر الإشارات والتوجيهات والمقدمات التي تقف خارج النص والتي تعتبر تدخلا في شؤون القارئ والقراءة كذلك، بل إن السلطات تطلع من النص الشعري، والذي سبق وان تخضع لطموحات الشاعر في صناعة قارئ يقترب قليلا أو كثيرا من الشاعر نفسه، قد يكون الإبداع عبر المغايرة والاختلاف من أهم تلك السلطات.

(7)
في الكثير من الأحايين يتابع القارئ أو المهتم، تصريحات البعض من الشعراء والكتاب حول سؤال أدبي أو صحفي يتعلق بأقرب ما كتب الى نفسه، أو عن أجمل كتبه أو دواوينه الشعرية، فاذا به يطلق صرخته التي قد تعادل صرخة (أرخميدس: وجدتها، وجدتها) وليكون جوابه: إن كتبه كأولاده وجميعها بمنزلة واحدة من نفسه.
وكثيرا ما يعتمد هذا الشاعر أو ذاك الكاتب على ذائقته الفردية من اجل إطلاق أحكام تعتمد معايير الكتابة الإبداعية بدلا من معايير النقد، لتولد مجموعة أسئلة من الممكن أن يكون أقربها،
هل من الجائز اعتماد آراء ومقترحات ومواقف الكاتب/ الشاعر كقوانين وأنظمة ومناهج، من أجل إدارة شؤون الإبداع؟ قراءة وكتابة!
وهل موقف الشاعر أو الكاتب مما يكتب هي قوانين قبل أن تكون آراء قد تعتمد أو لا تعتمد مفاتيح القراءة، أو الأدوات النقدية؟
البعض الآخر من القراء كثيرا ما يؤكد على فك الاشتباكات، أو الارتباطات ما بين مهيمنات الكتابة كفعل إبداعي ومهيمنات القراءة، وثالثا مهيمنات النقد، لكي تتحول العملية النقدية الى أفعال بعيدة عن الانفعالات والآراء الشخصية وإطلاق الأحكام الشخصية.
الاختلافات هذه ما بين الأحكام والآراء، ما بين الأدوات المنتجة للقراءة، والأدوات المنتجة للكتابة، وثالثا المنتجة للنقد، تدفع الى وجود آراء متوافقة، أو متضاربة.
البعض يحتفي بالنص، والبعض الآخر ينفي صفة الإبداع، وليهمل الثالث النص، وليتحول المنتج الإبداعي الى منتج للصراعات ولانساق شاطبة لا يمكن أن تجد فيما بينها موضع قدم للإبداع.. وليسود الارتباك جميع العمليات المتعلقة بالعمل الأدبي.
واذا ما كانت للكتابة أدواتها، واذا ما كان للقراءة أن تمتلك أدواتها كذلك، واذا ما فشل القارئ في صناعة استقبال ما، فلمن يعزو المتتبع خللا كهذا؟
لفوضى وارتباك أي من الأداتين! على الرغم من أن الاختلاف الذي لا ينتمي الى الفوضى يمثل أكثر من قانون يجب أن يكون له دور واضح في صناعة الإبداع المعتمد على المغايرة.
وهل من الممكن أن تكون أدوات الكتابة متقدمة على أدوات القراءة؟ بحكم امتلاك الكاتب لمستويات عديدة من الفهم والإدراك والمعرفة؟ لقد كان الكاتب يمثل أكثر من قارئ، بل إن القارئ ككائن يمثل الجذر الأكثر عمقاً في تربة الكتابة، وما يعتبره القارئ فوضى يعتبره الكاتب نظاماً. هذه الفروقات التي تنمو ما بين القصديات والعشوائيات، ما بين الفوضى والقوانين هل تنتج حالة إبداعية؟
من الممكن أن يكون الجواب سلباً أو ايجاباً، مع إمكانية التأكيد على الجينات المنتخبة للتحول التراكمات الى فعل إبداعي.
فقانون الكمية والنوعية من الممكن أن يشكل أكثر من منظومة معرفية منتجة، للإشارة الى الفعل الإبداعي. اذاً
هل من الممكن أن تكون التراكمات فعلا قصدياً؟
قد لا تكون الفوضى أفعالا تراكمية في الكثير من جوانبها، ولكن في البعض من جوانبها من الجائز أن تتحول الى أفعال بعيدة عن المجانية.
وهذا ما يقوم به الكثيرون من المبدعين والمثقفين غير نافين قدرات ما يحيط بالنص من تأثيرات قد لا يشعر بها الكاتب أو القارئ، ولكنها أفعال منتجة لسواها.
***

هل على المبدع عامة، والشاعر خاصة أن يضع أمام عينيه هكذا مقترحات تخص أركان الفعل الثقافي المنتمي الى المغايرة؟
هل كان (مقداد مسعود) على بينة من هذا، حين دفع بجياده التي تشكلت من خلال ريش نسور؟
قد لا تكون هكذا أفعال ضمن حالة من القصدية!
فالقصائد/ الجياد كثيرا ما تتشكل وفق حامضها النووي الخاص، أو عبر الجينات المشتركة مع سواها، تتشكل بعيدا أو قريبا من عملية القراءة أو بعيدا أو قريبا من الكائن/ المتلقي.
فطقوس القراءة، ومنظومة الكتابة منظومتان مستلتان من بعضهما، بقدر ما هما متداخلتان.
فالشاعر قد يعيش حالة ثنائية تستطيع خلق حالة توازن، أو تقارب بين الاثنين، وهذه المعايشة تعتمد الثقافة/ المعرفة واتساع الأفق وقوة الانتقال من أحواض/ فضاءات هذه لتلك، وقد يتصدى هذا الحقل لآخر.
جياد (مقداد مسعود) تأخذ من النسور وحشيتها، ومن فضاءاتها قدرتها على الحركة والمناورة، وتحويل سكونية الريح الى قوة رافعة/ الى مصدر للتحليق.
جياد (مقداد مسعود) كائنات تنتمي الى أساطير بدائية تزخر بها شعوب الشرق أو تزخر بها الصحارى والميثولوجيات الدينية.
هل كانت خيل المتنبي هي أسلاف جياد (مقداد مسعود) أم هي محاولة لإعادة تشكيل المجسي الأول للخيول.
وعلى القارئ وحين تحاصره القراءات، عليه أن يطلق تساؤلاته عسى أن يجد لدى الشاعر ما يطلق القلق بمواجهة القلق، وليفصح النهار عن بعض مخبوءات الليل/ العتمة لا عن جميعها.
***

هل تشتغل القصيدة المعاصرة على تقنين الفوضى؟ أو على انتفاء الخصائص المنتشرة في جسد الكائن الشعري، خصائص الاتقاد والتبدل؟ وهل نسور (مقداد مسعود) هي الكائن المعدل من بقايا العنقاء؟ فقصيدة (مقداد مسعود) كائن لا يعلن عن تكويناته رغم انتمائه للأسطورة أو للميثولوجيات/ البراق. فهل يستطيع القارئ أن يساير الشاعر في قلوعه؟ هل بمقدور القراءة التي تنتمي الى الكثير من العقلانية أو المحاكمة أن تماشي الكتابة المضطربة لقصيدة تعتمد شيئا من الحكمة؟
القصيدة تحاول إخفاء فوضاها وراء واقع مدجن.
أنا شخصيا أعتقد غير ما سبق من تساؤل تعتمد التوقعات.
قارئ (مقداد مسعود) سيكون على مسافة واضحة من التباعد مع مقداد مسعود، فالشاعر غير مستعد – كما أتوقع – أن يبايع قارئا لكي يكون أميرا على قصائده. فالقارئ قد يكون شاعرا، ولكن ضمن حالة استثنائية، قد يطمح الشاعر الى صناعتها. ولكن هذه الاستثناءات لا يمكن أن تشكل قانونا ليقوم الشاعر بالتنازل عن حقوق القصيدة في صناعة المسافة التي تحافظ على هيكلتها من عبث القراءة.
فالإحساس بالأمانة أمر قد لا يتوفر، وعلى طول الخط لدى المؤتمن عليها وهو القارئ.
هل سبق لجياد (مقداد مسعود) أن دخلت مضمار سباق يديره مراهنون؟ هل سبق وان ربطت الى عربات نفط الأوبك؟
هل سبق أن جرت من ورائها عربات نقل الأنقاض ليشبعها العتاكه جلداً؟
هذا القارئ أو ذاك ممن منحهم الشاعر ثقته بقدراتهم القراءاتية لابد لهم من أن يؤكدوا لسواهم أن جياد الشاعر التي من ريش نسور، لم تولد بعد؛ لذلك ستظل بعيدة عن عملية تحويلها الى مجموعة مطايا يسوطها الجهال ممن تمكنوا من تملك بعض رموز الكتابة.
***

من المتفق عليه في عرف (مقداد مسعود) هو أن لا شيء يقف خارج الشعرية، فبين يدي الشاعر، وفي حضرة الإبداع، كل الأشياء، كل ما يدور في ذهن المبدع – أفكار ومواضيع، أزمنة وأمكنة، أحداث ووقائع، موت وحياة – كل الموجودات تتخلى عن كراماتها الشخصية لتجد بـ (مقداد مسعود) الكثير من الحلول التي تبقيها مشروحة الصدر ويحلل عقدة من لسانها وليفقه القارئ قولها.
القارئ للفعل الشعري الطالع من (مقداد مسعود) لا يمكن أن يخرج عن هذه التجربة، وكما تقول العرب (خالي الوفاض) أو (بخفي حنين) أو مخذولا، فالقراءة قد تمنح المتعة أو الحكمة، أو شيئا من الفنطازيات، قد تنتج معرفة، أو اقترابا من هدف ما، حلم، امرأة، مدينة فاضلة، ثورة، احتجاج، قد تكشف تاريخا وتستطلع جغرافية.
قد تشكل بعض السحر أو محاذاة للوسواس.
قد تقنع القارئ عند الشك أو عند حافة اليقين.
قراءة (مقداد مسعود) لا يمكن أن تكون إلا احتفاءً بالمختلف.

(8)
(مقداد مسعود) في جياده يصر على إنتاج القلق، من خلال وجود الثمرة الشوكية. تلك التي تشكل علة الوجود من جهة والمنقذ/ المخلص/ كودو من جهة أخرى. هل يحاول الشاعر الذهاب حيث يقف الفيلسوف أو العرفاني ليفكك له هذا الجانب من الحياة؟
إذ لولا وجود العلة لتحولت القصيدة الى صخرة – كما يقال – صماء، إنها المنتج الأساسي للألم من طرف، وللبحث عمن يضعف قدرة الخراب من جهة أخرى.
لابد للقارئ الذي يجب أن يتابع كائنات الشاعر أولا، وكائنات الفنان التشكيلي (صدام الجميلي) ثانيا، أن يتذكر كائنات جواد سليم في نصب الحرية، أن يتذكر انتفاضة الفرس في اللافتة/ النصب وانتفاضة الفرس في اللوحة/ الغلاف.
إذ ان الفرس والفارس يشكلان أكثر من قطب داخل النصين الشعري والتشكيلي، وبالتالي يتحول الفنان وصديقه الشاعر الى كائنين منتجين للشفرة التي ستظهر في جدار (الثمرة الشوكية) من اجل إبطال مفعولها، أو إلغاء بعض تفاصيلها.
هذا الإبطال المؤقت/ الإلغاء قد ينتمي الى الوهم، فالحياة لا يمكن أن تكون بعيدة عن توليد إشكالاتها والتي ومن ضمن مفروزاتها على مستوى الفرد والجماعة استحداث إشكالات القصيدة التي يكتبها الشاعر المعاصر. فمادامت الحياة في ركن من أركانها تقدم نفسها كحالة جمالية فلابد من وجود النقيض/ القباحة.
والإنسان قد لا يمكنه التخلص من الألم، والشطب على مفاصل إنتاجه ولكنه قادر على إيقاف هكذا درنات/ أورام سامة، أو غير حميدة، والتقليل من كمية ما تترك وراءها من تهديم وتمزيق للنسيج الجمالي للحياة، والتي سوف تدفع بـ (الثمرة الشوكية) الى فقدان البعض من أشواكها وترك الباقي كمحفز لإنتاج المتع واللذائذ بشكل يفوق مهيمنات الإطاحة بالكائن البشري الطيب جدا، والماكر جراً.
***

ولأن (مقداد مسعود) شاعر منتج للجمال من خلال القصيدة؛ فلابد للقارئ من أن يتحول الى منتج لجماليات القراءة، منتج للمداخل القراءاتية المتعددة حيث يشكل الفعل القراءاتي أكثر من موضع قدم عند بوابة القصيدة.
فالشاعر يعمل على التقليل من الخسائر التي تلقي بثقلها على الكائن البشري والإبداعي، لتجد – القصيدة – نفسها في حل من الاستجابة لأنماط مستهلكة من القراءة، أو الاستجابة لمفصل حياتي مقبل على الانهيارات.
هل وجود قارئ بمواصفات متقدمة أمر قد يتوفر للجميع/ جميع الشعراء، ولجميع التجارب الكتابية؟ أعتقد وأؤمن وبشكل قاطع أن القراءة فعل منفرد، فعل معرفي أولا وأخيرا قد ينتمي جزء منه الى قوانين أنتجها الفعل الأكاديمي/ المدرسي؟؟
هل من الممكن أن تتخلى القصيدة التي يكتبها (مقداد مسعود) عن القوانين والأنظمة التي يجب أن تكون بعيدة عن مهيمنات تابعة للشطب أو الممنوعات؟ وقد تكون هناك يد خفية للفعل الأكاديمي في إنتاج أنظمة الكتابة والقراءة من جهة، وأنظمة التخلي عن المنجز الإبداعي من جهة ثانية.
(مقداد مسعود) يؤكد على أنظمة القراءة والكتابة - أنظمة قد تنتمي الى شيء من الصرامة – يحسبها القارئ أفعالا قاتلة.
إنها أنظمة البحث عن البدائل، عن إنتاج مفردات حياتية تمتلك مبررات وجودها، مفردات لا تستكين للتهميش؛ لأن القصيدة بذاتها فعل غير هامشي، بل إن تمركز الفعل الحياتي سيظل ممسكا بالفعل الشعري، حيث تتحول الطفيليات والأدغال الى تربة صالحة للإنبات لأن وظيفتها في الأساس أن تتحول الى (بتموس) لا الى غابات.
غابات (مقداد مسعود) محتويات كتبه الشعرية/ قصائده ترفض البروز أو ممارسة الحياة في الظل، أنها تبحث عن كشافات من أطرزة جديدة، قراءات جديدة، لفعل من الممكن أن يعمر طويلا في فضاء التحديث.
فالقصيدة في (جياد من ريش نسور) (لا من ريش نعام) المنتج للخمول والنعاس، والترف المتطرف، حيث يشكل ريش نسور كتابة عن القدرة على التخلص الأرضي.
هذه القصائد مؤهلة لإنتاج التواصل، لا لإنتاج القطيعة، إذ ان من مهمات الفعل الإبداعي المعاصر/ القصيدة هي سحب الكائن البشري من منطقة الظل/ اللاقراءة الى منطقة النور/ القراءة.
لأن القراءة كفعل ثقافي لابد من أن يكون منتجا للمغايرة، ففعل مثل فعل صناعة القارئ، وآخر عن صناعة المغايرة هما فعلان لا ينتميان للعزلة بقدر انتمائهما لفعل التواصل، فعل تدمير الحواجز، فعل بناء البيت الإبداعي. وعلى الرغم من أن القارئ المعاصر قارئ ذكي، وذلك بفعل توفر/ تراكم المعارف ومصادرها، يظل بحاجة ماسة وضرورية الى شاعر ذكي كذلك، بحاجة الى قصيدة غير منتجة للإحباط بسبب انتمائها لأنماط سلوكية، لأنماط تخلو من محاولات التقدم على مسارات المتلقي.
هكذا هو القارئ اليوم، قاري يريد من القصيدة أكثر من فضاء لطموحاته ولنظريات المعرفة، قصيدة تعدو بما تحمل من قدرات ومن خلفها مناهج ومصطلحات ومفاهيم، ومن خلفها قرّاء ومثقفون ومعنيون، قصيدة لا تجرجر من خلفها معوزين وجهالا، قصيدة تنهض بجمالياتها، لا القصيدة التي تسحل من ورائها أيتامها ومدنها المتداعية، حيث مازالت نظراتها وأحلامها تدقق وتحوم حول بقايا أفعال ماضوية لم تستطع أن تتخلى عن جذور مصابة، لتنتج جذورا أكثر قابلية على توفير نسغ يتمتع بشهية فائقة لإنتاج ثمار وأوراق وغابات بمستطاعها أن تتحول الى أعشاش ومفاقس لمفاهيم ورؤى بعيدة عن النرجسية، قريبة من البحث عن الآخر، سواء كان ضمن حالة من الاختلاف أو حالة تشبه التوافق وما هي بالتوافق.
***

هل كانت قصيدة (الجياد) متقاطعة مع الواقع؟ لتجد نفسها في الميتاواقع، في الحلم، في المخيال، في الفنطازيا، متخذة من التجريب والتغريب مجموعة مفاتيح لتعالج العديد من المغاليق لا لتدمرها فحسب بل لتعيد تشكيل مفاصلها، لتعيد بناء كلمة السر.
إنها تخرج من رحم التجربة لا من أجل تدمير منظومة الرحم المنتج، بل من اجل إنتاج جينات جديدة.
فـ (مقداد مسعود) لم يكن شاعرا يجتهد على حساب القصيدة، ما إن يجتهد ويخطأ حتى يربح حسنة، بل كان يجتهد ليصيب وليمسك بالحسنتين سوية، الأولى القصيدة والثانية الشاعر.
كذلك لا يمكن أن تتوفر فرصة الكتابة وفق منظومة إبداعية واحدة تصلح لاستخدامات جميع الشعراء.

(9)
(كوكبة الكوثل) والكوثل ضمن سلطة القاموس هو المكان الذي يشكل مؤخر السفينة، هل كان في مخيلة (مقداد مسعود) أن جياده سفينة تحتل آخر الكتاب كما يحتل شعراؤه المختارون مؤخرة السفينة؟
ثلاثون شاعرا وشاعرة واحدة، كائنات استثنائية لا تتقبل خلط الأوراق، واذا ما كانت (آمنة بنت الشريد) بعيدةً عما متوفر تحت اليد من السير حالها حال (سُلم الخاسر) و (الأصم المرواني) و (طويس) و (عيسى بن الأزرق) و (محمد بن واسع) لتتشكل مجموعة من المجاهيل عند هذه اللحظة.
امرأة واحدة، ورجال أربعة.
ليتبقى بين يدي القارئ (ستة وعشرون شاعرا) يمتلكون شيئا من التاريخ، والكثير من البقاء والديمومة.
ست وعشرون علامة بارزة في تاريخ الشعر العبي بدءاً بـ:
(دويد بن زيد الحميري) الذي لا تاريخ له، يقال عنه: انه عندما حضره الموت قال لأبنائه (أوصيكم بالناس شراً)، وانتهاءً بدعبل الخزاعي الهجاء، الذي هجا الخلفاء وغيرهم والمتوفى سنة (220هـ)، ومن قبله تميم بن مقبل، الذي أحب زوجة أبيه وتغزل بها وتزوجها وبعد إسلامه كان يحن لجاهليته، وهذا عمرو بن براقة/ الصعلوك، وسحيم/ العبد الأسود الذي قُتِل بسبب تغزله الشديد بنساء قومه، وهذا عبد يغوث الحارثي، والذي خيّر كيف يرغب أن يموت، فاختار أن يشرب الخمر ويقطع عرقه الأكحل ويموت نزفاً، ليجيء الكاتب والشاعر والأديب والجواد والمنجم كشاجم، وليحل من بعده (عبد الصمد بن العذل) المتوفى سنة (240هـ).
وليختار (مقداد مسعود) من بعد عبد الصمد الشاعر (السيد الحميري - اسماعيل بن محمد) الذي كان كثير الهجاء والذي لا سيرة له، وله من الشعر الجميل الكثير. ليجيء دور (عمرو بن قميئة) اليتيم الذي رافق امرئ القيس الى كسرى فمات في الطريق، وليلقب (بالضائع) ليكون التالي (قيس بن الخطيم الأوسي) والمتوفى نحو (620م) الباقي على جاهليته رغم حلول الاسلام، فكان (لقيط بن يعمر الايادي) والذي لا يعرف تاريخ موته بدقة، والذي قطع كسرى لسانه عندما كتب رسالة يحذر قومه من غزوة يقوم بها (كسرى – سابور ذو الأكتاف) لقومه، ليحسن اختيار (بشر بن أبي حازم الاسدي) المتوفى نحو (533م) كان فارسا شجاعا، فكان التالي الشاعر (المتلمس الضبعي) المتوفى نحو (659م) كما يقال، ليحل من بعده (الأسود بن يعفر النهشلي) الذي كان ينادم النعمان بن المنذر مات على الأرجح نحو (600م) ليكون التالي (طرفة بن العبد البكري) الذي نشأ يتيماً وعاش حياة لهو، قيل قطعت يداه ورجلاه ودفن حياً، يلقب بـ (الغلام القتيل) فقد مات وهو في السادسة والعشرين نحو (564م) صاحب (اذا القوم قالوا من الفتى؟ خلت انني عنيت فلم اكسل ولم أتبلد) من بعد (الغلام القتيل) يحضر (ابن لنلك) الشاعر الذي هجا المتنبي والمتوفى حوالي سنة (400هـ) والذي قال في الزمان – ذما وقدحا – ما لم يقله شاعر من قبل ليحل (الأحمر السعدي) الشاعر الذي كان لصا فاتكا ماردا والذي هُدر دمه، وتبرأ منه قومه، ويقال انه تاب من اللصوصية قبيل وفاته نحو (170 هـ) ليكون (يزيد بن الطثرية) هو التالي والذي (كان جميلا، تفتن به النساء، ويقال كان عنينا، أحب امرأة اسمها وحشية، سُجن لكثرة ديونه، فقد كان مبذراً، مات قتلا سنة (744هـ) ليجيء من بعده (أعشى همدان) والذي أسِر في الديلم في إحدى غزواته، فأحبته هناك ابنة الأمير الفارسي – كما يروى – وهو في الأسر، ثم خلصته في الليل، وهربت معه، قتله الحجاج نحو (702هـ) ليجيء صاحب ليلى الاخيلية من بعده (توبة بن الحمير) الذي قتل نحو (704هـ) وليخلي توبة المكان لـ (دهبل الجحمي) الذي اشتهر بجماله، وبحبه لامرأة اسمها (عمرة) مات نحو (682هـ)، ليكون (يزيد بن مفرغ الحميري) ما قبل الأخير، حبسه عبيد الله بن زياد، والذي كان يكتب شعره على جدران سجنه، فيؤمر أن يمحوه بأظافره فزالت ثم صار يمحوه بعظامه ودمه مات نحو (688هـ) وكان آخر (كوكبة الكوثل) دعبل الخزاعي المتوفى سنة (220هـ) والذي كان مولعا بالهجاء.
***

لقد عمل (مقداد مسعود) على صناعة حشد من الكواكب من الشعراء الشعراء.. ما بين سيد قومه وصعلوك، أو عاشق أو هجّاء.. ما بين لص غازٍ ومقاتل، إلا أن الجامع لكل هؤلاء كان خروجهم على المهيمنات السلطوية الأب، الحكومة، المجتمع، والتأكيد على الكتابة المختلفة عن سواها، فقد كانت للشعر سلطة تفوق ما لدى الأمراء، وكانت للمرأة سلطة الحياة، وللزمان قوة الإلغاء، وما كان أمام الشاعر (مقداد مسعود) سوى أن يشكل مجتمعا مصغراً.
هل كان بإمكانه إقامة جمهورية الشعراء؟ وهل كان على هذه الزمرة المباركة من الشعراء أن تنبذ خروجها على الحسّ الجمعي؟ ومن ذا كان بإمكانه أن يدخل مدينة/ جمهورية كهذه، بعد أن يتخلى عن فرسه وسيفه وتاريخه المليء بالتناقضات من أجل صناعةٍ تعتمد السكونية والملل والطمأنينة؟
لقد كان الشعراء ومازالوا بحاجة الى صناعة مدينة، وإن تكن غير فاضلة، مدينة مفتوحة، لا قوانين سوى قوانين الشعراء أنفسهم، ولا سلطات سوى سلطات القصيدة نفسها، ولا سلطة لأحد عليهم سوى سلطة الشعر.
هل كان (مقداد مسعود) مخططا لجماعة (كوكبة الكوثل) ص98 عندما كتب من قبلها (ما لم يقله النفري) ص96 والذي قال سابقا (ما إن تتسع الرؤيا حتى تضيق العبارة) ليقول (مقداد مسعود):
"الكتابة غابة/ قابلة للحريق/ وهي السفينة/ صالحة للغريق
ماثل ما بين قنطرة وطريق/ كلامي حصاني/ وحصاني لساني/ وعيني/ لجام الحصان" ص97.
* تم استقاء جميع المعلومات أعلاه من كتاب (ديوان الشعر العربي)، الكتاب الأول والثاني للشاعر (علي أحمد سعيد) أدونيس.
***

(كوكبة الكوثل) إنها الصحبة القلقة رغم ثباتها، التي انتقاها (مقداد مسعود) ليعيد تشكيلها وفق بنية القصيدة التي يكتبها، والتي تعتمد الاختلاف أساسا. الشاعر يجمع شظاياه وكسره ليوالف ما بين السيد والعبد، ما بين الأمير والصعلوك، ما بين الفتى والشيخ، ما بين الضائع والمهدور دمه.
انه يركّب ويربط، ويقارب ويجاذب، وما كان مسؤولا عما فعل وكيف فعل، ولماذا والى أين سوف تصل به القصيدة.
هل كان الفتية قبل أن يعاينهم (مقداد مسعود) ليضعهم على ظهر سفينته/ جياده وليصنع منهم نسيجا انتظر أصابعه منذ قرون وقرون، لينفخ في حيواتهم، في أسمائهم، ليحول الذاكرة الى فعل شعري.
لقد كان الشاعر أكثر من معمار عندما نفخ في الغبار الذي كان حجراً، عندما استطاع أن يستلهم من ذاكرة التاريخ، وليحول القراءة الى فعل ينتمي الى البحث والاستقصاء، ووضع اليد على المطموس.
هل من الممكن أن يقوم القارئ بإكمال الفعل الشعري الذي بدأه الشاعر المتأخر (مقداد) ليتمكن من الإمساك بالشاعر المتقدم؟
هل إن كتب التاريخ الأدبي/ الشعري متوفرة وتحت يد من يطلبها؟
هل كان على (مقداد مسعود) أن يسعف طلب القارئ وليتحول الى باحث في التاريخ والسير والتراجم، متخلياً عن الوظيفة/ الفعل الذي تعهده وأقصد به الفعل الشعري؟
إن كتابة فعل ينتمي للتوضيح، والى ما يسمى تسليط الضوء، في صناعة كشاف للحيوات، ليكون القارئ على بينة من أمره، هذه الكتابة/ الكشاف لابد من حدوثها وصناعتها، من قبل شخص آخر بعد أن تخلى الشاعر عن المهمة لسواه، بعد أن أعلن أو يعلن القارئ عن حاجته الى هكذا مجموعة من الهوامش.
لقد كان (مقداد مسعود) أكثر من أمين على كتابة نص يعتمد توفير فرصة الانحناء احتراما وتقديرا واعترافا للمنجز وبالمنجز الشعري لكوكبة من الشعراء الأسلاف.

(10)
هل كان (مقداد مسعود) صاحب متحف للوجود/ الحياة؟ أو جامع أحجار كريمة أو مقتنيا لمقتنيات استطاع (أدونيس) أن يوفرها لمن يهتم بها، كمصدر للمتعة والمباهاة والاحتفاء.
لقد كان (مقداد مسعود) يؤسس لقصيدة تمتلك من القوة/ قوة التجاذب والتماسك ما يؤهلها لأن تتحول الى فضاء من الاحتجاجات، وتقويض أنماط الحياة, ولأن هذه الكوكبة من الشعراء تعتمد اللاتوافق في حياتها الشخصية/ الفردانية استطاعت أن توفر/ أن تفرض على الشاعر اللاحق أن يقول موقفه عبر توفير معبر شعري يجيز لهم الحضور، ليجد القارئ نفسه وسط التاريخ، حيث يبتكر الشعراء لأنفسهم هبوطا غير ملزم بالمفهوم الخاص، أنهم يقدمون أنفسهم ليعلنوا بعض التضامن مع كوكبة معاصرة من الشعراء الفقراء قد يكون أولهم (علي احمد سعيد) وثانيهم (مقداد مسعود) والشاعر/ الألف الذي هو القارئ، الباحث عما يسميه الآخرون الحقيقة، تلك الحقيقة المنتمية الى الجمودية، بل الباحث عن اللاحقيقة عن الأثر الذي تتركه الريح/ الحلم من ورائها على الحجر.
***

هل كان (مقداد مسعود) يعمل على صناعة ما يختم به كتابه الشعري (جياد من ريش نسور) ليغلق مواضيع الحياة؟ أم كان يدمرها، لتتكاثر من بعده المغاليق التي لا فكاك من وجودها! لكي تبقى محنة الحياة قائمة، تتلخص بوجود جذر سوف يتم اكتشافه/ اكتشاف وجوده لحظة سقوط الجدار الأول.
واحد وثلاثون فعلا شعرياً.
ثلاثون شاعراً وشاعرة واحدة، من بين المئات والآلاف من الشعراء المعترف بشاعريتهم، بتجاوزاتهم على هذا النمط من القول أو ذاك.
ولكن لماذا هذه الكوكبة ذاتها؟
هل كان هناك رأي شخصي، أو رؤية شخصية، أو موقف انطلق من خلاله (مقداد مسعود) ليضع كل شاعر قاب قوسين أو أدنى، من أفعال شعرية كثيرا ما تبخل الحياة بأمثالها، ولا تجود بالمختلف.
وهل على الشاعر أن يبرر أفعاله، أو أن يضع مجموعة مفاتيح بين يدي القارئ؟ الشاعر يكتب قصيدته، وحين تكتمل – تجاوزاً - تنسل من بين يديه عالماً أو غافلا الى حيث القارئ، وما من حل يقول (المعنى في قلب الشاعر)، بعد أن أصبح المعنى في مكب/ بطن القارئ.
إن مفاهيم الحياة المتعددة والمختلفة، والتي لا تعتمد القناعات المستبدة تقول وتؤكد على أن القارئ هو الكائن الوحيد المتمكن من خلال المعارف من إدراك المعاني والمباني، والمواقف والرؤى والوصول الى ما لم يقله الشاعر نفسه، وليتحول القارئ الى كائن متمم ومكمل للحلم الأول الذي حاول الشاعر نفسه الإمساك به، ووضعه داخل قفص الكلام.
***

(مقداد مسعود) في (كوكبة الكوثل) لم يكن جامعاً للأخبار، أو مؤرخا للأحداث، أو باحثاً عن المختلف، ولم يكن متتبع آثار، ولا صاحب معجزات، لم يكن صانع مفارقات، أو مؤسسا للاختلاف، بل كان نافخاً في البوقات، ورافعاً الغطاء عما ينتمي الى المطموس، ليظهر على السطح الكائن القارئ، وربما كان كل ما سبق أن تم نفيه عنه.
إنها الحميمية في صناعة العلاقات مع النفس ومع الآخر، تلك التي تمجد الإنسان المبدع حد الهوس، والهوس هنا – أن تتحول المفردات والأشياء والمفاصل العادية والاعتيادية الى استثناءات، الى مكونات لم يكن لها وجود من قبل.
(الأشخاص، الأماكن، الأزمنة، النباتات، الأحجار) كل ما يقع، أو ما يمكن أن يقع تحت سلطة التغيير، ليتأكد للقارئ أن الاختلاف هو الأكثر حميمية مع الشاعر
(أيتها الحياة
أيتها
الحياة
لستُ من الناقمين
عليكِ.
كل جرائمك ضدي
نضدتها
ذاكرتي في ملف
وبريشة دعلج
خطت على الملف
(جرائم وردية).