اليوم العالمي للفتاة

ريم شطيح
2017 / 10 / 8

ما تزال مسألة التمييز وعدم المساواة التي تواجهها الفتاة والمرأة عموماً، تشغل حَيِّزاً مهمّاً لدى المُفكِّرين والحقوقيين في العالم. انطلقتْ الأمم المتحدة بمبادرة في 2012 لتسليط الضوء على الوضع غير السوي للفتيات، فهناك ملايين الفتيات حول العالم مفعمات بالمواهب والإبداع والذكاء، إلاّ أنّ التمييز والقمع وعدم المساواة مع الذكور في كل شيء وانعدام تكافؤ الفرص، كلُّها عوامل كانت وما زالت تَحول دون تحقيق الكثير من أحلامهن، بل والأسوأ تدميرهن نفسياً وجسدياً. ومع القوانين غير العادلة والتمييز الحاصل ضد الفتاة حول العالم؛ فإنّ أكثر ما يُعيق الفتاة ومسيرة تطوّرها وتحقيق أحلامها هو الإنجاب في الزواج المُبكِّر أو الزواج بالإكراه. وهذا ما ترتفع نسبة حدوثه في الكثير من المجتمعات العربية والشرقية عموماً، حيث العادات والتقاليد تُشكّل عبئاً ثقيلاً على كاهل تلك المجتمعات، وأغلبها مع الموروث الديني تدعم هذا التوجّه.

تقضي الفتيات طفولتهن في الكثير من المجتمعات العربية والشرقية تحضيراً للزواج لا أكثر، وغالباً ما تدفع الفتاة بإبداعها وطموحاتها لتصبح مجردَ أحلام ثمناً للزواج في مُقتبل العمر، غير ناضجة جسدياً أو نفسياً لتُنجِبَ وتُربّيَ أطفالاً وهي ما تزال طفلةً أو مراهِقةً قاصرةً. وقد تُحرَم من حق التعليم والحصول على شهادة جامعية في بعض البلدان العربية إذا ما أُجبِرتْ على الزواج بقرار من الأب قد يكون اتّخذه لتخفيف عبء اقتصادي عليه في بعض حالات الفقر التي يعيشها الأهل.

من هنا، يحتلّ الفقر العامل الأكثر تأثيراً مع الجهل في مسألة عدم المساواة والتمييز والعنف الأسري ضد الفتاة، سواء من قِبَل أهلها أو بعدهم من قِبَل الزوج. وأيضاً الفقر هو عامل مهم ومُسبِّب للجهل ولدفع الأب للتخلّص من أعباء الفتاة بأي طريقة بتزويجها في سنٍّ مبكّرة لرجلٍ مُسِنّ. تُسجَّل في البلدان الفقيرة حالة زواج لفتاة قاصر من بين ثلاث فتيات في الدول النامية. بعد الزواج، تُصبح الفتاة القاصر أكثر عرضة للاستغلال الجنسي والعنف الجسدي والنفسي، غير ناضجة وغير قادرة على الدفاع عن نفسها بانعدام كل العوامل التي قد تُساعدها على ذلك، غير أنّ ما هو أخطر هو أنّ العنف المتكرّر في سن الطفولة والمراهقة يترك أثراً كبيراً في الشخصية وفي السلوك والرغبات، وقد يخلق من فتاةٍ كهذه شخصيةً عنفيةً ذات نزعة عدوانية قاسية تميل للشَّر والأذية للآخر بدءاً من أولادها، وتُرافقها هذه النزعة في سلوكها مع أطفالها كردّة فعل على العنف الذي تعرّضتْ وتتعرّض له، والكبت الطويل على الظلم، ليُصبحَ لدينا بعدها أسرة، بل جيل كامل من العنف والشر والعدوانية، (كلهم ضحايا) بِمَن فيهم المرأة والأولاد والرجل أيضاً. إنهم جميعاً ضحايا الجهل والفقر والموروث الثقافي وانعدام القوانين العادلة.

نحن ككُتّاب ومُثقّفين وناشِطين، نقف مع الأمم المتحدة في هذا اليوم في دعمِنا لحقوق الفتاة والمرأة، كي نَنهضَ بها وبالمجتمع عموماً، لأنّ المرأة نصف المجتمع وهي مَن تُربّي النشء لصناعة أجيال سليمة الفِكر والجسد. نُطالب بقوانين عادلة لحماية حق الفتاة في ممارسة طفولتها كما يحتاج أيّ طفل، وتعزيز حقّها في التعليم والعمل والصحة مع رفع مستوى التعليم للجميع، وتأمين احتياجاتها كإنسان بمساواتها مع الذكر.

ندعو لرفع الوصاية بمنع أهلها من تزويجها بالإكراه وهي قاصر، ومحاسبة مَن يتسبّب في هذا سواء كان الأب أو فرداً من الأسرة أو رجالَ الدين مِمَّن يفتي داعماً هذا التصرف. وهنا، من المهم جداً فصل الموروث الثقافي والديني عن القوانين كي يتمَّ وضع قوانين مدنية أكثر إنسانية وتطبيقها، لتحمي الفرد وتُساهِم في تطوُّر المجتمعات، ورفع الحِسّ الأخلاقي الذي قد يَنكفِئ بسبب الظلم، فالإنسان عندما يُظلَم ويفقد حريته وحقوقه، سيفقد إنسانيته تدريجياً.
ريم شطيح - كاتبة وباحثة سورية
--------------------