المخاطر والبدائل

مصطفى مجدي الجمال
2017 / 10 / 8

((هذه المقدمة التي كتبتها لكتيب صادر عن حزب التحالف بذات العنوان))

مصر وطننا جميعًا.. وطن الغالبية الساحقة من الطبقات الشعبية والوسطى التي تكدح وتنتج وتبدع، وتعاني ويلات الغلاء والجشع والاستغلال والفساد والبطالة، إلى آخر العلل التي نعانيها جميعًا دون أدنى تعاطف من أصحاب السلطة أو إشراك في حوار حر لبحث كيف نحل مشكلاتنا بطرق عادلة وسلمية وديمقراطية وعلمية..
فمنذ أن يبدأ المواطن يومه تواجهه أقبح مظاهر غياب العدالة، وسوء الخدمات، وتفشي الفساد والمحسوبية، واستهتار السلطة بأبسط حقوق المواطنين من الطبقات الشعبية والفئات الوسطى، وتغول الأجهزة الأمنية على الحريات الأساسية دون رادع.. إلى آخر مسلسل العذابات اليومي الذي يبدو كأن المقصود منه أن يكفر المواطن بالوطن وأن ييأس شبابه من الحاضر والمستقبل، وكأنما يتم تمهيد الأرض كي يتحكم الأجنبي في وطننا العريق.
وفي ظل هذه الأوضاع الصعبة جدًا التي تطحن الجميع نواجه هجومًا عاتيًا على الدستور والحريات السياسية والمدنية في التعبير الحر والنشاط النقابي والتنظيم السياسي.. وسيطرة شبه تامة للسلطة ورأس المال الاحتكاري (الذي لا يعرف أحد من أين أتى بملياراته) على إعلام لا يعرف سوى توبيخ الشعب واتهامه زورًا بالكسل والتواكل وعدم الوعي، فضلاً عن إلهاء المواطنين عن القضايا الكبرى لبلدهم بالتفاهات والقضايا الجزئية المفتعلة..
لقد قام الشعب المصري بانتفاضتين كبريين في 25 يناير و30 يونيو كانتا موضع إعجاب كل شعوب العالم، ودليلاً ساطعًا على حيوية المصريين وقوة انتمائهم لوطنهم وإدراكهم لفداحة الجرائم التي ارتكبتها بحقه نظم الحكم على مدى أربعة عقود..
لم يفكر المصريون وقتها للحظة في المخاطر التي تحيق بهم حينما خرجوا، وواجهوا البلطجية وجحافل الأمن والعصابات الإرهابية والطائفية، بصدورهم العارية وسلميتهم وشعاراتهم النبيلة عن العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.. واستطاعوا بالفعل في الانتفاضة الأولى أن يزيحوا مبارك الفاسد والدكتاتور والعميل، وفي الانتفاضة الثانية تمكنوا من حماية مصر من مصير بائس كانت جماعة الإخوان الإرهابية الطائفية على وشك أن تقود مصر إليه..
لكن قوى الشر والرجعية لم تقف مكتوفة الأيدي.. ولم تتورع عن إحناء الرأس مؤقتًا حتى تمر العاصفة الشعبية، بل مارست كل ألاعيب النفاق والكذب حتى تتمكن من تحقيق مكاسبها الخاصة، واستعادة بعض ما اضطرت إلى القبول به صاغرة، لتعود وتكشف عن وجهها القبيح وإصرارها على إعادة البلاد إلى نقطة الصفر وما قبل الصفر.. إلى حد القيام بما عجز مبارك نفسه حتى عن التصريح به..
فقد أصبح بلدنًا مدينًا بأرقام فلكية ستكبد الأجيال القادمة وما بعد القادمة بأعباء في السداد تنوء عنها الجبال.. وليت هذه الديون ذهبت إلى تنمية حقيقية في الصناعة والزراعة والخدمات الحيوية، وإنما إلى مشروعات غير مدروسة وغير ضرورية في اللحظة التاريخية الحالية، فقد غلب عليها الطابع الاستعراضي، وشراء الوقت للسلطة عن طريق نشر الأوهام عن حلول جذرية غامضة في الأفق المجهول..
وبسبب هذه الديون الهائلة، والزيادات المخيفة في عجز الموازنة والميزان التجاري وميزان المدفوعات.. إلى آخر صور العجز القبيحة التي تستحق من الموجودين بالسلطة أن يعترفوا بفشلهم الذريع، وانحيازهم لمصالح أخرى غير المصالح الشعبية الصميمة.. لكنهم هرولوا بخطى أسرع نحو صندوق النقد والبنك الدولي من أجل الحصول على قروض سيذهب معظمها إلى خدمة أقساط وفوائد الديون الأقدم.. وهكذا تدخل مصر في حلقة جهنمية من الفشل المركب، ما يجعل البعض يشير في خوف إلى فترة الخديوي إسماعيل ثم ما أعقبها من احتلال أجنبي صريح.
ومعظم الديون التي تجري وراءها السلطة ديون غير ميسرة، ومرهونة بشروط قاسية تتلخص في أن تفتح مصر أسواقها التجارية والمالية وغيرها "على البحري"، وأن تنسحب الدولة تمامًا من أي دور تنموي أو اجتماعي، وأن تترك البلاد نهبًا "للسوق القدسة" التي حولوها صنمًا علينا التسليم التام له.. على حساب تفشيل القطاع العام وخصخصته وبيع أصوله "خردة" أو كأراضٍ يتم "تسقيعها" لصالح السماسرة والمرابين.. وعلى حساب التدهور الشنيع في الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وإسكان ومواصلات، وهي من أبسط حقوق الإنسان الاجتماعية والاقتصادية.. وعلى حساب البطالة المستفحلة التي تلتهم أحلام الشباب وأبسط حقوقهم في العمل بعدما "أنجزوا ماعليهم" بالحصول على الشهادات الدراسية..
كما كانت "الثمرة المريرة" لتلك السياسات هي اتساع دائرة الفقر، وسقوط الكثير من الفئات "المستورة" سابقًا في هوة سحيقة من العوز والعجز عن إيجاد الحلول الشخصية الشريفة لأزماتهم. وعلى الجانب المقابل بات واضحًا الثراء الفاحش الذي تتمتع وتتباهى به فئات محدودة لا تجيد سوى السمسرة والاستغلال والفساد وإساءة استغلال السلطة، وهي فئات لا تقدم للمجتمع إنتاجًا أو خدمات أو علمًا أو ثقافة، ولأنها تدرك ذلك وتخشى من أي هبات شعبية مقبلة أخذت تميل إلى "التحصن" في قلاع خارج المدن أسمتها "كومباوندات".. والسؤال الغريب الذي لا يبدو أن من بيدهم القرار يفكرون فيه هو: هل يتصورون أن هذه التناقضات والفجوات الفظيعة يمكن أن تنتج حكمًا مستقرًا؟ اللهم إلا إذا اختاروا الحكم بالحديد والنار، وليس بالرضا والتفاهم، وساعتها لن يكون الخطر عليهم وحدهم، إنما على الوطن ككل..
ويظن المتحكمون في الأمور أن سياسة القبضة القوية، وتشويه المعارضين وملاحقتهم بالمحاكمات والاعتقالات والتعذيب والإخفاء القسري، ستمنحهم سنوات أخرى من التحكم، فإنه رهان غير مضمون، لأن الضغط على الشعب قد فاق كل المعدلات التي يمكن تحملها.. وحتى إذا استطاعوا إسكات الانتقادات الخارجية للممارسات غير الديمقراطية فإن هذا سيكون وضعًا مؤقتًا لأن القوى المالية الخارجية الشرهة للمكاسب قد تهدئ لهجتها فترة، لتعود من جديد لتحصل مزيد من المكاسب من ثروات مصر وعرق عامليها..
وتراهن القوى الخارجية على خلق واستغلال "نقاط الضعف" المتصورة في المجتمع المصري.. وفي مقدمتها الخلل الذي أصاب علاقات المصريين بعضهم بعضًا بانتشار النزعات الطائفية والظلامية التي تهدد كيان الأمة المصرية في الصميم.. فإلى جانب الإرهاب المسلح المدعوم من الخارج، تتفشى التيارات السلفية المتاجرة بالدين لتنشر الإرهاب اللفظي والنفسي والفكري ضد الأقباط والمرأة والمستنيرين وحتى المذاهب الأخرى، مما يثير البغضاء في المجتمع ويلغي ثقافة المواطنة والحقوق المتساوية، ناهيك عن الجهالة والعداء السافر للعلم والحداثة..
وأسوأ ما في الأمر كله أن هذه السياسات تلحق المزيد من الضعف على الدولة المصرية نفسها، وهي أعرق دول المنطقة.. فبعد سياسات السادات التي أهدرت نتائج حرب أكتوبر باتفقيات كامب ديفيد المخزية والخضوع التام لأمريكا "التي تمتلك أوراق اللعبة"، ثم تحصينه لهذه السياسات بضرب المكاسب الاجتماعية والتنموية لحقبة يوليو، والأخطر من هذا تحالفه المشين مع جماعة الإخوان وملحقاتها التي لقى مصرعه شخصيًا على أيديها.. وبعد حكم مبارك البليد والتابع الذليل للوايات المتحدة والغرب عمومًا، والذي حصّن حكمه بتحالف من أشرس الفئات التي نهبت البلاد نهبًا غير مسبوق.. وبعد الفوضى التي تسبب فيها المجلس العسكري لإحباط ثورة يناير بالتحالف مع الإخوان مرحليًا ومع السلفيين...
.. بعد هذا وذاك لم تعد الدولة المصرية كما كانت، وأصبح فضاؤها السياسي الداخلي قبل الخارجي محل ضغوط وتدخلات من كل "من هب ودب".. ولم تعد لها هيبتها المعهودة والتي تستحقها بحكم التاريخ والجغرافيا والثقافة والاجتماع.. وباتت سيناء تواجه أوضاعًا بالغة الخطورة، وحدودنا الغربية والجنوبية مهددة تهديدًا حقيقيًا.. وثرواتنا في البحرين المتوسط والأحمر محل طمع علني لكثيرين.. وزاد الأمر سوءًا بأن تتنازل الدولة المصرية دون أي سبب مفهوم عن أهم جزيرتين استراتيجيتين لها في البحر الأحمر، مما يوحي بترتيبات إقليمية رهيبة..
أما الأخطر على الإطلاق فهو ذلك الأسلوب المتهاون الذي تعاملت به السلطة مع الوقاحة الإثيوبية بإنشاء سد النهضة، بدعم غربي وإسرائيلي وخليجي، دون مراعاة لأبسط الحقوق التي كفلتها المعاهدات الدولية لدولة المصب.. وهو ما يجعل الوجود المصري نفسه مهددًا لأول مرة بالعطش للإنسان قبل الزرع.. ويعتبر هذا هو المؤشر الأخطر على الإطلاق على حالة الضعف التي تمر بها الدولة المصرية، والدرس الأهم الذي يجب أن تعيه وهو أن تماسك المجتمع والتنمية الوطنية واستقلال القرار الوطني تشكل الأسس الحقيقية في التفاوض والتعامل مع القوى الخارجية، الصديقة قبل المعادية.

•• كل ما سبق هو "غيض من فيض".. ونحن على ثقة من أن المواطن المصري البسيط يملك الكثير من الثقافة السياسية التي تجعله يقول أكثر مما قلنا.. فهو يرى الواقع المأساوي رأي العين في حياته اليومية المباشرة.. ويعتبر حزب التحالف الشعبي الاشتراكي نفسه مجرد فصيل وسط الجماهير العريضة التي هبت لإصلاح الأوضاع، فقد نشأ الحزب من رحم ثورة يناير 2011 وواصل مسيرته في الدفاع عن مبادئها رغم كل الصعوبات التي واجهها والتضحيات التي دفعها أعضاؤه، والتي بلغت قمتها باغتيال الرفيقة شيماء الصباغ بدم بارد في قلب العاصمة..
ويؤمن حزب التحالف أن رسالته الرئيسة لا تقتصر على معارضة ما هو قائم وجدير بالرفض، وإنما يتقدم بما يتصوره من بدائل ممكنة في الآجال القريبة والمتوسطة والبعيدة، آملاً أن تساعد أفكاره في إنارة طريق التغيير أمام الشعب، بل وربما دفع السلطة إلى التروي في بعض ما تذهب إليه من سياسات وقرارات جائرة أو غير مدروسة..
ولدى الحزب اقتناع راسخ بأنه ما لم يتحرك الشعب للدفاع عن مصالحه بنفسه فإن الأمور ستزداد سوءًا.. فمضمون التغيير المطلوب وأساسه وقوته الأساسية تكمن في الشعب وتنظيماته المستقلة.. إذ لا ينقص التحرك الشعبي سوى أن تنتظم الجماهير في تنظيماتها السياسية والنقابية والاجتماعية والثقافية المستقلة التي تستطيع التعبير الجمعي عن مطالبها الخاصة والعامة، وتحتشد من أجلها حتى تفرض كلمتها الحقة..
ويبذل حزب التحالف الجهد قدر استطاعته في هذا الصدد، لكن يجب الاعتراف بأن الطريق طويل ، لكن طوله وصعوبته لا يعنيان اليأس، أو الميل الفردي أو الانعزال في الانتظار السلبي، وإنما يتطلبان المزيد من التلاحم الشعبي حول مطالب واضحة، والإصرار عليها، والتحرك من أجلها بشكل منظم.
ويحترم الحزب سائر الاتجاهات الفكرية والسياسية الوطنية والديمقراطية والتقدمية، وهو على أتم الاستعداد للعمل المشترك من أجل أهداف محددة مرحليًا أو بعيدة المدى. ويرى الحزب أن التغيير الحقيقي لأحوال المجتمع المصري، وتحقيق الامال التي عبر عنها الشعب في انتفاضتيه الكبريين في يناير ويونيو، يستدعي الكفاح من أجل جملة من السياسات تشمل الاستقلال الوطني (السياسي والاقتصادي) والتنمية الإنسانية الشاملة وتحقيق العدالة الاجتماعية ومقاومة الجهالات الظلامية بإعلاء قيم المواطنة والعلم والعمل..