مِن الإِبل إلى الأُوبل

سامي عبد العال
2017 / 10 / 8

تاريخياً قد تتحول الثقافات إلى أشكال متأخرةٍ من التعبير عن موروثاتها. وبذلك تمثل طاقة للتكيف والتسلُّل ( بحرفية الكلمة) إعلاناً عن حضورها المستقبلي. أي تُستعاد بعد فوات الأوان لكونها الوسيط الأكثر إلحاحاً للتعامل مع العالم والحياة والأحداث والظواهر. رغم أنَّ العصر لا يكون عصرها ولا الظرف مواتٍ لنموها التالي. وبهذا يرتهن الأمرُ بقدرة الجماعة البشرية على انتاج التقاليد وتكريس أنماط التفكير السائد. والثقافة البدوية مثالٌّ على هذا الوضع القابل للرصد بشكلٍّ ضمني.

ما اطرحه إشارة إلى جوانب التحولات الثقافية المنطوية على أصول بعيدةٍ. إنَّ الثقافة البدوية- وهي كذلك - لم تنته بعد بالنسبة لفاعليها. وأكثر من هذا فمع مظاهر الحداثة وتطورات المعارف والتكنولوجيا والاجتماع تنضح الأصول. وتُخرج محتواها ضمن المواقف والعلاقات راسمة المعالم النوعية كأنها في أزمنة غابرة.

فالإبل علامة حية لكيف يعيش البدو بدلالاتها وممارساتها وصورها ومعجمها اللغوي. وليس متاحاً في البيئة الصحراوية ترك الكائن الحيواني دونما أن يلعب دوراً محورياً في أدق تفاصيل الحياة. فهو الغذاء والراحلة والأداة البيولوجية والإسقاط اللاواعي على أشياءٍ ومواقف بعينها. وهو التماثل مع نماذج أكثر عمومية وأعمق مكانة في التراث المعيش. وبذلك يترك بصماته على الحقيقة والاعتقاد وصور التفكير. خاصة أنَّ الإبل ليست كائنات منعزلة الاستعمال والحركة عن إيقاع الأفعال. نستطيع اعتبارها معقدة في الثقافة الشعبية. نظراً لاختلاط ظلالها بما ورد عنه في النصوص الدينية ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت...). حتى كان مضرب الأمثال في الجلد والقوة وعبور الصعاب( فلان مثل الجمل لا يكل ولا يمل وصبور إزاء نوائب الدهر). هكذا ترسم الأمثلة حدود الحياة بدلالة أيكولوجية ترهن الوعي بأساليب العيش البسيط.

والثقافة العربية ثقافة بدوية في جذورها الحياتية على الأصالة. ولا ينفصل أناسها عن الامتلاء الخاص بتكوينها الحياتي في شتى المجالات. لهذا فإن البدوي لا يستطيع الرؤية والتقييم دون جهاز الانطباعات والأفكار المسبقة حول البيئة. فهو كائن بيئي بالدرجة الأولى. كل شيء لدية بعود إلى حالته الأولى التي يرى نفسه مالكاً إياها. ومن الصعوبة بمكان افساح المجال لتراكم المفاهيم لديه. حتى أنَّه سرعان ما يزيح أي تراكم عائداً إلى نقطة البدء. والثقافة البدوية يتلخص تكوينها في تلك النقطة غير المرئية.

ولعل العربي القح يعلم أنَّه لا يعيش عصره كما يعيش الكاو بوي أجواء التقنيات والإمبراطورية العالمية مستخدماً نتاج المعارف والاقتصاد العابر للقارات. لأنَّ الأخير يقوم على البرجماتية واقتناص الفرص. أما البدوي فلم يطور من عالمه، ولم يشارك في ابداعه رغم أنَّه ينخرط بجسده في حركة الواقع اليومي.

إنَّ تعامل الثقافة البدوية الراهنة مع مفردات العصر هو ذات التعامل القديم مع عناصر الصحراء. الوهم بوجود الأشباح، العنف، الانهماك في العلاقات المباشرة بالأشياء، الميل نحو التوحد الذي يرفض كل جديد ويلفظ حرية المؤسسات والإرادة العامة. وهي الأشياء التي اسهمت في بناء الدول والديمقراطيات المعاصرة.

من ثم فإنَّ الانتقال من الإبل ( الجِمال - نمط الحياة الصحراوية ) إلى الأوبل ( سيارات Opels cars - نمط المدن والأعمال والانتاج والعلاقات المركبة ) علامة طريفة تمثل موضوعاً لتباين القيم وتباين دلالات الأحداث والظواهر. أي التحول من حياة بسيطة تداعب صور الطبيعة التلقائية نحو حياة أكثر تعقيداً واتساعاً. الأوبل لا تنفصل عن الآبل( علامة وشركة حاسوب(Apple. فالعرب وجب عليهم التحرك في عالم افتراضي بامتداد الحركة والخيال. ولا تبعد عن ذلك المعاني القريبة لحركة السيارات وصناعة الحواسيب. والاثنتان تحتاجان تكويناً وحياة تواكب وجودهما الحيوي. لأن الغرب ليس مالكاً لتقنيات وكفى بل هو صانع لحياته اليومية بما يواكب الإبداع الحضاري.

وفي هذا يظن البعض أنَّ ( الأوبل- الآبل) أدوات عصرية محايدة، وهذا خطأ ما بعده خطأ. إنها تحمل على صغرها مضموناً كلياً يتعلق بطبيعة المجتمعات التي انتجتها. مضمون خاص بإشكالية الوجود والحضارة والتاريخ. وهي ليست مصادفة بل تجيب عن تساؤل بيوتكنولوجي يطرحه مجتمع ما على نفسه: كيف نعيش عصرنا كما عشنا حيواتنا سلفاً؟! فالأوبل وليدة الظرف الإبداعي لحياة تنتظرها وتكمل مسيرتها الحركية. والحاسوب يفترض عالمه والعكس. وهما بدورهما يضفيان ما يفترضانه من علاقات بين الأفراد والجماعات. لأنَّ عملية التواصل عملية ثقافية قبل أن تكون أداتية. وباستطاعتها تحريك كافة المفاهيم التي تعيد موضعة رواسبها تحت التفكير الناقد وتحت التطوير والاختلاف.

ولهذا قد يتعامل بعض العرب مع القضية باستخفاف شديد الأريحية. عندما يعتقد هؤلاء أن جلب تكنولوجيا العصر إلى أرض الشرق كفيل بإدخالنا في حضارته. وهذا غير صحيح بالمرة. نحن عابرون على طريق لا نهاية له بتلك الخطوة، مارون كأننا على أسطح رملية داخل عواطف ساحقة. كان على عرب ( الإبل – الأوبل ) التساؤل: كيف سيكون المستقبل؟ ماذا عن شكل التصورات والأفكار في مواقع ليست مواقعها القديمة؟

لأنَّ ما حصل هو وجود كافة مظاهر التكنولوجيا ومفردات الحياة المعاصرة من السياسة إلى التعليم والصحة والهيئات الدولية والمحلية لكن لا توجد عقلية توازيها. ليس هناك بناء فكري يطور من متون الثقافة التقليدية ويدخلها أطواراً من المستقبل. ولم تبدع العقول المتاحة إلا صراعاً حتى الموت. والدمار البادي فوق خريطة العرب هو الإفراز الناتج عن هكذا تكوين تاريخي. مازال أبو جهل قابعاً في أدمغة المثقفين العرب. إذا نزعنا غطاء الرأس أو وضعناه فإنه يرسم عقلاً مغلقاً في التفاصيل. هناك الأفكار المعلقة بمرجعيات دموية سواء أكانت دينية أم قومية أم قبلية سياسية أم مذهبية أم أيديولوجية. يبدو أن تلك المساحة من الثقافة البدوية لا تستطيع إيجاد صيغة للالتقاء بالإنسانية بمعناها الرحب دونما فوارق ودجمائيات وإرهاب.

إنَّ القفزة القصوى لأية ثقافة نحو نمط حياة مغاير- بخلاف نمطها التقليدي- تُسبب اختلالاً بنائياً في التصور والسلوك. لأنَّ أدوات الثقافة مهما اختلفت وتنوعت تظل مرتبطة بعالم الأفكار وبأوضاعها الزمنية المناسبة للخيال والفعل. ولهذا السبب مازالت هناك صعوبات بالغة في مجاراة التقدم المعرفي والفكري للعالم الأوسع. وإذا كانت البداوة ليست مرحلة سابقة فلأنَّها كذلك تطرح إمكانيات بديلة للواقع. وتبدو أكثر عنفاً في مواقع التهديد التي تواجه مجتمعاتها. فعندما تقع مشكلات أو أحداث تنهار القشرة الحداثية التي يوفرها الشكل العام للعصر.

المجتمعات العربية دخلت عصر الحداثة ليس باعتبارهاً فاعلة لكن من باب الزحف الزمني عليها. الحداثة تبعاً لمركزيتها الأوروبية كانت آجلاً أم عاجلاً ستخترق فضاءات الشرق العربي. فكل مركز يحتاج إلى أطراف تردد أصواته:

1- شكلت المجتمعات البدوية ( العربية) ظاهرة هامشية نتيجة المد القوي للتطورات التحولات العولمية. لنرى دول الخليج – مثلاً- وهي تجر أذيال أمريكا وأوروبا أينما حلت. وترتهن بالتبعية نتيجة الانكفاء على عصور ماضوية من الحياة. حتى أنَّه كلما ازدادت هيمنة القوى الكبرى على مجتمعاتها ازدادت تنازلاً عن إرادتها ومقدراتها.

2- تعلقت أهداب المجتمعات البدوية بمظاهر التخلف السياسي والاجتماعي في نفس الوقت الذي تدافع فيها عن وجودها. لأنَّها لم تجد منفذاً لبديل آخر. وأكاد أقول إن الثقافة البدوية المعصرنة حافظت على بذور التخلف إلى أقصى مدى. بل كانت عائقاً حقيقياً أمام تجارب الحداثة الحقيقية في الفكر الديني والاجتماعي. لكونها تتلون في المواقف لتحافظ على ثقبها الأسود الذي يمتص رياح التغير والتطور.

3- على المستوى الشخصي تكون الثقافة البدوية ذهنيات هوائية ونرجسية. تري في وجودها كوناً بديلاً عن كل العالم وتطفح بالمواقف الانفعالية. وتمثل فضاء خصباً لنشوء الجماعات الإرهابية كما رأينا في محميات الربيع العربي( الخراب حالياً).

4- كانت المجتمعات البدوية ومازالت أكبر المجتمعات استهلاكاً في تاريخ الحضارة المعاصرة. شأنها شأن المجتمعات الأخرى غير المنتجة. وهو ما يعني أنَّ الاستهلاك نوع من الإشباع البدائي. لأنّها يرتبط بالغرائر الأولية في حياة المجتمعات والأفراد.

والثقافة دون سواها هي المنبع ( الثدي الطبيعي) القادر على إشباع فاعليها من هذا الباب. لأنها تنتج امتلاءً خاصاً لكل فراغ قد يلف الأفراد داخل المجتمع. مما يعني أن تمايز ثقافة بعينها يعد خرافة من جهة محوريتها تجاه الثقافات الأخرى. فلا تخلو أية ثقافة من الحضور الذي يوفر كما لابأس به من اليقين لموضوعاتها. وتستطيع اعطاء كافة الاحتياجات الفكرية لمن ينهمك في إيقاعها الحي.

لكن النتيجة المترتبة أننا نحتاج إلى وعي جديد تجاه جذورنا الثقافية. فهي الفاعل الخفي الذي يعقد مواءماته مع الواقع. وهذه خطوة لابد من أخذها تجاه تعريتها وتعريضها لمزيد من النقد والغربلة وإعادة النظر حتى نبدع – من هنا إلى هناك- عصراً يخص الإنسانية في كليتها. هل نستطيع في زمن النانو تكنولوجي أم سنعيد " النانو إِبل" مرة ثانية ؟!!