قراءة في ديوان-وجعٌ عائمٌ في لغتي- الشاعر ماجد الربيعي نايٌ سومري يئن وجعاً

حسين عجيل الساعدي
2017 / 10 / 6

قراءة في ديوان"وجعٌ عائمٌ في لغتي"
الشاعـر ماجـد الربيعـي
نـايٌ سـومـري يئـن وجـعـاً

بقلم / حسين الساعدي

الشعر كمفهوم أكبر من أن يحصر في مجموعة من الألفاظ والكلام الموزون المقفى ، بل هو شعور وعاطفة وإحساس ودهشة وصورة شعرية ، وهذه المكونات إذا لم يضمنها الشاعر في نصوصه ولم يثير المتلقي بها ، فلا تعد شعراً ، ليس هو بشاعر .
يعد عنوان الديوان (وجعٌ عائمٌ في لغتي) العتبة الأولى في الخطاب الشعري للشاعر "ماجد الربيعي" ، فمن خلاله يمكن أستشراف مضمون نصوص الديوان . وفي لحظة تأمل عناوين الديوان الداخلية سوف نخرج بأنطباع أولي وهو أن الشاعر "الربيعي" يحمل فوق كتفه صخرة ثقيلة من الفواجع والهموم والأحزان المتشعبة ، يرسم بها رؤية وجودية للوجع ، قوامها المعاناة والأحزان ، الخارجة من أعماق النفس ، عائمة على وجه القصيدة . قيل إن (الحزن خبز الشعراء) ، وهو مثير و منبه للإبداع ، وديوان الشاعر "ماجد الربيعي" أحتوى على (65) نصاً شعرياً ، بعناوين مختلفة ، وقضايا متعددة . جاءت نصوصه الشعرية معبرة عما يجول بخاطره ، من قضايا وهموم ذاتية ورغبات دفينة . فكل نص شعري في ديوانه هو عملية إبداعية ، فهو يمتلك خطاباً شعرياً ينفد من خلاله الى ذات المتلقي فيجعله أسير لحظة القراءة الأولى .
فالشاعر "الربيعي" يكتب بإحساس يستحوذ به على مخيلة المتلقي من خلال الصورة والعبارة الشعرية وعبر أسلوب بنيوي يصل به الى السهل الممتنع . فهو يخفي وراء كل نص إحساساً متدفقاً مشحوناً بأنفعالاته العاطفية ، تنبعث من صراع داخلي بين الوعي واللاوعي ، المخفي والمعلن .
الشاعر "ماجد الربيعي" تميز في صناعة النص الشعري وأستلهام الألم والوجع المحايث للنص من خلال الخزين المتراكم من الصور الشعرية المتعددة . فنصوصه تتمحور في بؤرة مركزية واحدة تربط النسيج الشعري بالبناء اللغوي المكثف لجميع نصوص الديوان ، وهذه البؤرة هي (الوجع) الصاخب الذي شكل الحجر الأساس ومركز أستقطاب في البناء الشعري للديوان ، تمخض منها صور شعرية معبرة عن الواقع المؤلم الذي يعيشه الشاعر . ففي نصه (هو العيد جاء) يرثي أخاه بألم في صورة شعرية رائعة .

أيا توأمَ الروحِ
إلى أين تمضي بُعَيدَ الغروبِ ؟
وكيف يمرُّ بكَ الّليلُ ؟
أتيت لَعلّي أراكَ
وقفتُ على الرملِ وناديتُ
لكنهُ سدَّ دوني كلَّ الدروبِ اليكَ

فالصور الشعرية الفنية عند "ماجد الربيعي" تدل على المخيلة الواسعة لديه . فهو ينتقي الواقع الشعري المتجسد والممتد في مخيلته وذاكرته الشعرية ، متمسكاً بتقاليد الشعر وموسيقاه . ( حُـلْم )

أيْ كهرمانة
هزّي اليكِ بجذعِ الحياة ..!
تساقط عمرا
يضيعُ .. بانتظار العبور
من الخوف والموت
والجند والسيطرات

لقد أستطاع أن يجعل من الواقع المؤلم معادل موضوعي يعبر من خلاله عن وجعه ، الذي هو تعبيراً عن واقع أجتماعي مأساوي للإنسان . المعاناة النفسية له ذات أبعاد فلسفية تتعلق بالموقف الإنساني للشاعر أتجاه هذا الواقع الذي يحياه الإنسان ويعانيه . فأستطاع أن يحول وجعه إلى فلسفة شعرية . فينبغي النظرة إلى أزمة وجع الشاعر "ماجد الربيعي" على أنها ليس أزمة فرد وأنما أزمة الإنسانية عموماً .
إن الوجع بمعناه الذاتي والوجودي هو فلسفة كونية يجلل هذا الكون . ويؤطر الحياة ككل ، ويواكب الانسان منذ ولادته في صرخته الأولى . فالشاعر (إيقونة عصرية) لوجع الإنسان ، الذي يستصرخ ألمه إلى أقصى حدود مواطن التوجع ، فيقاد الى مقصلة الوجع الوجودي ومصادرت أفراحه الى مراسيم عزاء يومية ، فتراه مرة يمتص الوجع ، ومرة أخرى يمتصه الوجع .

وجعٌ
يطبقُ كفيه على قلبي
ما زلت أنا في طور التكوين
وروحي
ما زلت أرممها

لقد أعطى الشاعر لصرخته البعد الوجودي والكوني العميق ، لان الألم/الحزن/الوجع ، تأسس في أصل الوجود ، فالشاعر عندما يتحسس ألم وطنه والإنسانية فهو يسمو بروحه الى المُثل العليا كإنسان يحمل فى طياته الكثير من الحب ، وقد صدق الشاعر السياب حين قال في أحدى نصوصه:

لك الحمدُ مهما استطالَ البلاءُ
ومَهْما استبدَّ الألمْ
لك الحمد إنّ الرزايا عطاءٌ
وإنّ المصيباتِ بعضُ الكَرَمْ

في كتابه (العلم المرح) قال نيتشه
(1844 - 1900م)(أن المتعة والألم مرتبطان بقوة معاً، ومن يريد أكبر كمية ممكنة من المتعة عليه أن يقبل بكمية تساويها من الألم) . فكان لفلسفة نيتشه الأثر الأكبر عند عالم النفس سيجموند فرويد (1939 - 1856م) متأثراً بها وحافزاً له في آراءه في النفس البشرية . حين أعتقد (أنه لا يمكن الهرب من المعاناة. بل اعتبرها جزءاً يملك حيزاً في بناء النفس البشرية ولا يمكن الغاءه) .
أن الشاعر يبقى الذاكرة المفجوعة والمعبرة عن ذاته بمخاض داخلي عسير ، ولغة كونية لها صداها في القلب ، وهي متأصلة في نفس الشاعر ، فتراه في أكثر نصوصه متألما ، ففي نصه (وجه أمي) ينضح ألماً وحرقةً ويجعل للألم أبجدية وهو يستذكر والدته .

أمّي
تموتُ بالسرِّ كلّ يوم
وفي مقلتيها
جمرتان من الحزنِ
وتخفي من الخوفِ حتّى الدّعاء
ومن حولِها الامهات..
رويداً رويداً
زَحَفَ الموتُ نحوَ النوافذِ
نموتُ اسىً ربما..!
أو نتشَظّى معَ العبواتِ
نصيرُ رماداً باحتراقٍ
أو ربّما يغتالنا كاتمُ صوتٍ
بينَ حينٍ وحينٍ

أن التجربة الشعرية للشاعر "ماجد الربيعي" أعطته دفقاً ووعياً شعرياً ونضوجاً إبداعياً ومنحته رؤية وجودية للواقع المعاش ، معتمداً على الذخيرة المعرفية والأبداعية التي يمتلكها ، فهو على دراية ووعي تام بوظائف مفرداته وتراكيبه اللغوية ورمزيته وذاتيته . يقول ألبير كامو (1913 - 1960) :(لا شيء أصدق في الكتابة من الحزن الغارق جداً في الذاتية) .
أن الإيقاع الشعري في نصوصه الشعرية إيقاع درامي ، تُرجم الأجواء الشعرية وتحول في إطار موسيقي الى سمفونية حزينة متشحة بالسوداوية ومشبعة بالألم ، فالباحث في مجموعة الشاعر الشعرية يلاحظ اللغة الحسية المباشرة والحافلة بالتوجع حتى أن المتلقي يشعر بحجم هذا الوجع من خلال تعابيره التي تكشف عن مدى رؤيتة للقيم الإنسانية والوجدانية ضمن شعره المتسم بالكلمة الصادقة ، وقلبه الكبير الذي يحمل هموم وأحزان وطن جريح تراه الأعين ينزف دماً ،‏ وأحبة فارقهم ، فنصوصه الشعرية جاءت قطرات من الدمع تتناثر من عينيه . (خَيطٌ مِن ظِلٍّ)

أَنا ذاكِرةٌ خاويَةٌ
إلاّ مِن حُزنٍ
تَشرَبُ مِن ناري
جَمراتُ الوَطَنِ المَصلوبِ
على مَقصَلَةِ اللّيلِ

حمل أوجاعاً وجودية ووجدانية ووطنية مرمزة أجتمع فيها حضور المرأة (سلمى) الحبيبة ، والوطن (العراق) بوصفهما يمثلان حضناً لقلب مثقل بالأوجاع ، الوطن يحفر في أعماق الإنسان العراقي ، وحبيبة لا تفارقه كظله ، يسطرهما الشاعر في قالب وجودي بلغة رمزية تارةً وأخرى مباشرة ، وصور شعرية بليغة ، قدم لنا الغايات النبيلة ، وشكى أوجاعه ، وسافر مع هذه الأوجاع في رحلة غريبة تتجاوز الوعى إلى الآفاق المنفتحة المطلقة . (طوابيرالألم)

أتعبتني طوابير الألم الذي يهمسني
فامتدت روحي على ذراع حبيب يشبهك ..
كنت أفكر في وطن يضمني .
عند منتصف القصيدة
حتى يستفيق لون وجدي عند شغف عينيه
في اللقاء ..
وجدت الوطن كأنه دخان وأفكار عارية

أما المرأة فهي ملاذه الأمن الذي يلجا اليه ، (سَـلْمى وأنا والغَـبش الفائت)

في الغَبَشِ الفائِتِ
يتجلى وجهُكِ
خيطاً من نورٍ
كانَ نَديّاً
قطراتٌ من مطَرٍ
في آخرةِ الليلِ على هَدبيكِ
ومنديلي كانَ نديّاً
فتكونين قُطوفاً دانيةً
وانا كنتُ أردِّد :
سلمى

يقول الروائي الروسي ديستوفسكي: (قلب الإنسان لا يطلبُ إلا الإفصاح عن وجعه) ، وديوان الشاعر "ماجد الربيعي" (وجعٌ عائمٌ في لغتي) الذي هو باكورة أعماله الشعرية يمثل تجربة عميقة تختزل العالم ببساطة صوفية تضج بالوجع والألم ، فلسفة تُظهر بوضوح صوت الألم والمعاناة ،والنظرة الشاعرية الدامعة حزناً ًالمصحوبة بإيقاعات مشحونة بالوجع ، هذه الفلسفة هي في مخزون الشاعر ، حفرها بقلم يقطر ويئن وجعاً ، لا يشعر به إلا من يملك إحساساً و شعوراً بالمسؤولية .
هذه قراءة سريعة على يوميات وجع الشاعر "ماجد الربيعي" والتي تستحق بكل جدارة دراسة متأنية جداً ، للبحث في أماكن الوجع المتأصل في ذاكرته .