شنبو في المصيدة

طارق المهدوي
2017 / 10 / 1

شنبو في المصيدة
طارق المهدوي
عندما تتعرض الدول البوليسية لمفاجآت خارجة عن نصوصها وسيناريوهاتها المحسوبة سلفاً فإن أجهزتها الأمنية ترتبك بشكل درامي قد يكون كوميدياً حيناً ومأساوياً أحياناً ليقع الخارجون عن النص في مرمى ذلك الارتباك، الذي أصابتني نيرانه عدة مرات سأكتفي على سبيل الأمثلة لا الحصر بذكر اثنتين منهما ذات طابع كوميدي حدثت أولاهما فيما بين القاهرة والخرطوم وثانيتهما فيما بين دمشق واللاذقية، فقد اعتدتُ طوال مدة خدمتي كمستشار إعلامي للسفارة المصرية في السودان على القيام بزيارة شهرية إلى صالون الحلاقة الكائن في فندق هيلتون الخرطوم بحي المقرن لدرجة أن العاملين فيه أصبحوا يعرفون ماهية طلباتي تماماً كحلاقي الأصلي بالقاهرة، حتى فوجئتُ في إحدى الزيارات بإغلاق الصالون للترميمات الأمر الذي اضطرني إلى التوجه نحو صالون حلاقة آخر كائن في فندق ميرديان الخرطوم بشارع القصر، وهناك أخطأ العامل في تسوية شاربي على نحو جسيم لم يترك لي بديلاً عن حلاقة شاربي تماماً لينمو مجدداً بشكل متساوي، ورغم بساطة ما حدث إلى درجة التفاهة إلا أنه أربك جميع الأجهزة الأمنية المصرية والسودانية التي داهمها هاجس أنني أقوم بتغيير ملامحي تمهيداً للتخفي والاختفاء عن أنظارها تمهيداً لفعل غامض ومفاجئ أنوي القيام به، فزارني في مكتبي تباعاً ممثلو الأجهزة الأمنية المصرية المختلفة حاملين بأياديهم كاميرات لتصويري في شكلي الجديد بدون شارب، ثم أرسل لي التليفزيون السوداني أجمل مذيعاته "ليلى المغربي" التي سجلت معي في منزلي برنامجاً مصوراً لم تتم إذاعته أبداً، ثم استدعاني السفير المصري بالسودان ليخبرني غاضباً أن تعليمات قد صدرت له من القيادات العليا في القاهرة كي يتابعني عن قرب طوال الأربعة وعشرين ساعة على أن يوافيها بتقرير متابعة كل ثلاث ساعات، وفي النادي الدبلوماسي قال لي بعض أصدقائي من سفراء الدول العظمى والكبرى ضاحكين إنهم ظنوا الأمر في بدايته مجرد شفرة سرية غامضة جديدة متبادلة بين الأجهزة الأمنية المصرية والسودانية حتى تبين لهم أنه فعلاً يتعلق بحلاقة شاربي، ثم علمتُ لاحقاً أن جميع الأجهزة الأمنية المصرية كانت قد أنشأت ملفات فرعية حول حلاقتي لشاربي داخل ملفاتي الأصلية لديها، فكان لو طلب أحد القيادات العليا ملفاتي حينذاك يرسلونها له قائلين باللهجة العامية المصرية "آدي الملف الأصلي بتاعه وآدي الملف الفرعي بتاع شنبه" حتى سخر منهم الدكتور "أسامة الباز" مستخدماً اسم فيلم كوميدي مصري شهير هو "شنبو في المصيدة"، وكنت قد اعتدتُ على تقسيم إجازتي السنوية إلى ثلاث إجازات مدة كل واحدة أسبوعين فضاعت إحدى تلك الإجازات الثلاث بين لقاءات واجتماعات وندوات رسمية مما اضطرني إلى اتخاذ قرار التفافي لانتزاع إجازتي، بحجز تذكرة العودة من القاهرة للخرطوم على الخطوط الجوية السورية أي عبر دمشق كمحطة ترانزيت مع فتح مدة الترانزيت إلى أسبوع كامل أقضيه في دمشق، وقد تصادف أن رحلة القاهرة – دمشق التي حجزتُ عليها كان يتخللها ترانزيت فرعي باللاذقية كما تصادف أنني كنت أحمل في يدي حقيبة سفري الوحيدة دون شحن أي أمتعة أخرى بكارجو الطائرة، وخلال الرحلة جاورتني سيدة سورية شابة جميلة أخبرتني أنها ستغادر الطائرة في مطار اللاذقية لأنها من أبناء بلدة جبلة الملاصقة لمدينة اللاذقية التي شرحت لي باستفاضة مكوناتها السياحية الجاذبة، فقررتُ أن أقضي إجازتي في اللاذقية على أمل الاستمتاع بتلك المكونات الجاذبة مع صديقتي الجبلاوية الجذابة وغادرتُ الطائرة فور هبوطها إلى مطار اللاذقية مع المغادرين الذين كانت من بينهم صديقتي، فوقعت أجهزة الأمن السورية التي كانت قد أعدت خططها لاستقبالي عبر مناديبها ومندوباتها السابق تلقينهم وتدريبهم على التقاطي من داخل مطار دمشق في ارتباك شديد، دفعها إلى إغلاق صالة الوصول بمطار اللاذقية على جميع مغادري الطائرة لمدة ثلاث ساعات كاملة، جرى خلالها بحث كافة الهواجس الأمنية حول المخاطر المحتملة لتغييري محطة هبوطي من دمشق إلى اللاذقية كما جرى اختطاف صديقتي الجبلاوية من داخل صالة الوصول المغلقة علينا لاستجوابها بشأني داخل مكتب أمن مطار اللاذقية، مع الإيفاد الفوري لمندوب جديد تم تلقينه وتدريبه على عجل كي يلتقطني من مطار اللاذقية باعتباره سائق تاكسي يتحدث اللهجة المصرية ويفعل أي شيء لإرضاء زبائنه وهو ما يحتاجه أي سائح مصري في أول زيارة له إلى اللاذقية، ثم علمتُ لاحقاً أن أجهزة الأمن السورية كانت قد اتصلت بنظيرتها المصرية للتشاور معها حول مخاوفها تجاه الأمر في ظل استمرار إغلاقها لصالة الوصول، التي لم تفتحها أمامي مع بقية المغادرين إلا عندما طمأنها تعليق اللواء "عمر سليمان" القائل بلهجة عامية مصرية ساخرة "الراجل زهق من اللون الغامق بتاع السودان فرايح سوريا علشان يشوف اللحم الأبيض المتوسط"، علماً بأن الغالبية العظمى من حالات ارتباك الأجهزة الأمنية لم تكن تنتهي معي على هذا النحو الكوميدي النادر بل كانت نهاياتها مأساوية مؤلمة لا يتحملها هذا المقال الساخر!!.
طارق المهدوي