اسم الوردة وامبرتو ايكو

محمد الذهبي
2017 / 9 / 30

اسم الوردة وامبرتو ايكو
محمد الذهبي
لم تكن الرواية في يوم ما سوى عوالم مذهلة من الرموز، والسيميوطيقا، ودلالات المعاني التي يضعها الراوي امام القارىء بمهمة استفزازية كبيرة، انه يستفز معلوماته وذهنه وصبره ايضاً ، مايجعل من الروائي قارئاً آخر ومحللا للنص في فترة اخرى كما فعل ايكو مع اسم الوردة، اصيب بخيبة امل على الرغم من تزاحم النقاد على ابواب اسم الوردة، ولكنه وبحسب تخصصه العلمي في الدلالات والسيميولوجيا، وجد انه اكثرهم مسؤولية تجاه تحليل النص، فعاد اليه بعد اكثر من عشر سنوات وبدأ بتحليل مجرياته، خلط ايكو بين عالمين مختلفين ، عالم الفكر وعالم الجريمة، حيث اكد ان كل قارىء للنص معني به، اراد ايكو ان يختبر نوايا القارىء ويلاحظ الى اي مدى يستطيع الصبر معه، المتاهة والاستدارة البوليسية لم تكن سوى اوهام يطلقها لغض النظر او تحويله عما يطرحه من افكار خطيرة تنسف الكثير من المقدسات، وضع الرموز الكثيرة وراح يصوغ حولها احداثا اوهمنا انها تاريخية، حيث يقول: ان شيئاً ما لايعتبر علامة الا لانه يؤول بوصفه علامة من قبل مؤول ما، يعني اننا من نضفي على الاشياء الوانها وهي مرئية بشكل لايوحي باللون بقدر مانضع نحن عليها من الوان، وربما لجأنا الى ابعد من ذلك، هنا يحضرني قول او قطعة نثرية لادونيس حيث يقول:
انك لاتكرهني
وانما تكره الصورة التي رسمتها عني
هذه هي ثيمة الرواية الاساسية اراد ان يسر القارىء بسر، هو قطع عروضه وعرفه جيداً، ومن بعد القى الكرة في ملعب القارىء، ليخلص الى ان كل مقدس ، نحن جعلناه مقدساً لما اضفينا عليه من صور القداسة، نص ايكو كما يقول المترجم: يشبه مكتبة الدير، او المكتبة المصغرة التي تكونت لادسو بعد جمع مزق الرقوق، وبقايا المجلدات التي خلفها الحريق، وقد استعملها ادسو كوسيط وحي، او كدلالة يستمد منها رؤى واحلاما، واستعملها ايكو مع قارئه النموذجي.
لم يكن ايكو روائياً بالمعنى السائد لدينا الآن، بقدر ماكان سيميوطيقياً بارعاً، يلقي الرموز ولاينال ماناله نجيب محفوظ في روايته اولاد حارتنا المبسوطة كل البسط، او ماناله سلمان رشدي في آيات شيطانية، اورد ايكو كل موارد ومصادر الحرق والتكفير والنفي بسلسلة نقاشية غريبة يضع اقطابها من القساوسة والرهبان، وكأنه يريد ان يقول: من فمك ادينك، لايمكن تمييز الاشياء الا وفق نظرتنا ومانريد ان نميزه منها، والباقي غيب مجهول لايمكن الوصول اليه حتى بالطرق العلمية او السيميائية.
هذه المحنة كبيرة والهوة ساحقة بين مانتخيله نحن وبين ماموجود فعلا، وتبقى الحيرة قائمة مادمنا نتصرف بسذاجة تجاه الاشياء، ايكو يريد منا ان نتسابق معه في مضمار تخصصه الدقيق، عكس نجيب محفوظ الذي كتب لنا بعقلية الحشاشة والفتوات اصحاب النبوت، وهذا فعلا فرق شاسع بين العقليتين، ان اسم الوردة عمل مفتوح لايخلو من المتاهات بل هو عمل مليء بالمتاهات، وجل مايحتاج الى مزيد من التأويل لنستطيع من خلاله ان نبني عوالمنا المستقبلية في عالم الرواية والادب والا نبقى مكتوفي الايدي امام نصوص جامدة تتكرر يوميا من خلال كتابات ركيكة لاتغني عن جوع.