الكراهية المنطقية

مصطفى مجدي الجمال
2017 / 9 / 23

أثارت تصريحات ساويرس الأخيرة المتهجمة على جمال عبد الناصر استياءً واسعًا بين كثيرين من أبناء الشعب الذين يدركون حجم ونوع التغيير الذي أحدثه نظام عبد الناصر في المجتمع المصري وعلى أدوار الدولة المصرية.. وفي الوقت نفسه سارع البعض من ذوي المصالح الخاصة وآخرون من ذوي التوجهات اليمينية بالثناء على "جرأته"، وشاركوا بحماس في أحد مواسم الهجوم المعتادة على عبد الناصر، والتي تتكرر في الإعلام ومواقع التواصل في مناسبات 23 يوليو و5 يونيو و28 سبتمبر، وبدرجة أقل في 15 يناير..
فقد أشار ساويرس، خلال حواره ببرنامج "كل يوم"، الذى يقدمه الإعلامى عمرو أديب على فضائية "On E"، إلى أن بعض الصحفيين ما زالت ميولهم حتى الآن يسارية، إذ يتناولون أمور الناس المالية ويطالبونهم بمراعاة مشاعر الآخرين ويرددون شعارات الخمسينيات، معقبًا: "هو بيصرف من فلوسك؟!.. هو حر حتى لو عاوز يرميها من الشباك.. عبد الناصر حب يوزع الأرزاق بدل ربنا".
كالعادة ينسبون كل أدران الحاضر والعقود الماضية إلى رجل توفاه الله منذ ثمانية وأربعين عامًا.. رغم أن من خلفوه في سدة الحكم قد انقلبوا بالكامل على كل سياساته وتوجهاته..
ولا يتوقف ظلم التقييم "الغوغائي" عند هذا وإنما يتجاهل تمامًا سياق العصر في حقبة ما بعد الاستعمار، والأوضاع المصرية والعربية الخاصة.. إلى آخر هذه الألاعيب التي لا تستهدف رجلاً أصبح في دار الحق منذ زمن، بقدر ما تستهدف الحيلولة دون عودة الفكر والمواقف الوطنية، أو أي إطلالة للمناداة بعودة الدولة التنموية. وذلك بغرض إفساح المجال أمام عربدة السياسات النيوليبرالية التي أفقرت المواطن وقزمت الدولة المصرية..
لكن الجديد في تصريحات ساويرس أنه قد استدعى الدين عنوة للدفاع عن الثراء الفاحش للأسر الاحتكارية التي كونت ثرواتها ومازالت تحقق تراكمها الرأسمالي العاصف من خلال تشابكات مع دوائر الفساد السياسي والمالي في الدولة، ونهب أموال البنوك الوطنية، والانخراط في علاقات مريبة مع "نخب" مالية خليجية وحتى في بعض الدول العربية "الشمولية" سابقًا.. وذلك كله في إطار علاقات أكثر ريبة مع الدوائر الرأسمالية والاستخبارية العالمية الكبرى.. (ولنأخذ مثلاً الأنشطة المريبة في عراق بول بريمر، وأفغانستان وحتى زيمبابوي..)..
لماذا يستنجد ساويرس بالدين؟ أظن أنه الرعب الذي يركب نفوس ذوي الثروات المشبوهة من أن التدهور الحالي والمتصاعد لأوضاع المجتمع المصري ينذر بانفجارات قد (ونؤكد: "قد") يكون من نتائجها بروز اتجاهات شعبية قوية ضد الرأسمالية الكبيرة بأكملها، المرابية والمضاربة والمحتكرة والتابعة للأجنبي..
كما أن استدعاء ساويرس للدين للدفاع عن ثرائه هو وأترابه هو انعكاس وامتداد للمناخ الثقافي الحالي الذي يحاول إقحام الدين حتى في تبرير الجرائم الاجتماعية والاقتصادية، وليس الجرائم السياسية والثقافية فقط. لكن غباء الإشارة في حديث ساويرس عن الدين، يكمن في أنه سوف يثير السؤال على الفور (وفي ضوء المناخ الطائفي المتزايد في المجتمع) من الضفة الطائفية المقابلة: "عن أي دين تتحدث؟!".
والأكثر غباءً في تصريح ساويرس الأحمق، المغتر بماله الوفير، أنه لا يكف عن الشكوى من اضطهاد "الأقلية" رغم أن أسرته تضم أغنى أغنياء مصر على الإطلاق.. ونحن لا ننظر إلى ثراء "الفيلة السمان"- من أي نوع أو ملة- من زاوية ضيقة، ولكن من زوايا الاستغلال والاحتكار والمضاربة والفساد وشبهات الارتباط الخارجي..
لكنه إذا حوسب على أساس انتمائه الطائفي، وبالمنطق الذي اجترأ على استخدامه بنفسه، فما معنى تباهيه بالثراء الذي حباه به الرب دون غيره، بينما ورد في العهد القديم كيف توعد النبي عاموس (الذي كان راعي غنم وجامع جميز) بالويل "المستريحين في صهيون"، وهم أولئك "المضطجعون على أسرة من العاج والمتمددون على فرشهم والآكلون خرافًا من الغنم وعجولاً وسط الصيرة"، "الشاربون من كؤوس الخمر والذين يدهنون بأفضل الأدهان" و"يشترون الضعفاء بفضة والبائس بنعلين" . كما تنبأ عاموس بأن الأمة التي تسوغ هذه الأفعال مصيرها الفناء.
وجاء بالمزامير "لا تشتهوا الغِنَى وإن زاد الغِنَى لا تضعوا عليه قلبًا" . وورد عن عيسى المسيح قوله لتلاميذه: "الحق أقول لكم، إنه ليعسر أن يدخل غني إلى ملكوت الله. وأقول لكم أيضًا: إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات" . وهو من طرد الصيارفة من الهيكل، وأدان إقراض الفقير بالربا، وقال: "مكتوب أن بيتي بيتًا للصلاة يُدعَى، أما أنتم فقد جعلتموه مغارة لصوص".
وبالعودة إلى الرجل الذي يتفاخر بقدرته وأحقيته هو وأمثاله "برمي مالهم من الشباك" لأن هذه هي الأرزاق التي لا يجوز أن يشاركهم فيها أحد.. فإن الرجل- وأمثاله- ممن أثروا الثراء الفاحش في عهدي السادات ومبارك، قد سارع بالتمحك في ثورة يناير، وأخذ ينثر الأموال على خمسة أحزاب "ليبرالية" في وقت واحد، وأنفق مباشرة على الحملات الانتخابية لبعض "شباب الثورة" من ذوي التوجه الليبرالي.. بل توسع في أنشطة مؤسسته الثقافية التي يتسابق البعض على الانتفاع بأنشطتها وعطاياها بدعوى أنه يجب "الاحتفاء برأسمال خاص مصري يرعى ثقافة الاستنارة...الخ"..
تلك هي بعض "الشبابيك" التي ينثر منها ساويرس حفنة من أمواله للاحتفاظ بالنفوذ، وحماية المسالك والدهاليز المالية.. فالرعب هائل من من تزايد "الحقد الطبقي".. لكنه وأمثاله لا يفهمون لمذا يكون الحقد حتميًا في ظل هوة الدخول والثروات الفادحة، وفي ظل خلطات المال والسلطة والفساد والتبعية..
إذن من الطبيعي جدًا أن يكره ساويرس عبد الناصر لأنه من قلم أظافر أسلافه..