أضواء على المسيحية

سامح عسكر
2017 / 9 / 22

في مقال قديم بعنوان.."إطلالة على فلسفة الأديان"..قلت أن كل دين يقوم على فكرتين ، الأولى جوهر الوجود، الثانية هي التعاليم، فمن الأولى تتفرع منها العقيدة وفلسفة الحياة والدين، أما الثانية فتحاكي الأسلوب الدنيوي والأخلاق والسلوكيات والفقه، في هذا المقال أناقش المسيحية فقط من جانبها الفلسفي أي جوهر الوجود بكثير من الإيجاز.

لكن قبل البدء أشير إلى موقفي الواضح من الأديان كلها لعدم المزايدة، فالتسامح واجب والتعايش يجب أن يكون السمة الأساسية بين البشر، الجميع سواء أمام القانون والإنسانية ، لا فرق بين الناس إلا بالعمل الصالح، وتلك المناقشة ستكون موضوعية بحتة تشمل شئ من العرض على جوانب أخرى نقدية.

المسيحيون يؤمنون بالله الواحد في الحقيقة، أي في قناعتهم هم موحدون، لكن من هذا الخالق الواحد انبثقت عنه ثلاثة أقانيم أي ثلاثة حالات يتجلى بها الرب وهم (الآب والإبن والروح القدس) يتساوون جميعا في الألوهة باعتبارهم تجل للإله الأوحد خالق الكون، وهذه الفكرة الرئيسية في الثالوث التي تنكرها أربعة فرق كبرى في التاريخ المسيحي نستعرضها في ذيل المقال ،فالمسيحي لا يؤمن بثلاثة آلهة في الحقيقة، إنما يؤمن بإله واحد له ثلاثة حالات، يشبهون ذلك بجسم إنسان له (عقل وروح وجسد) لكن كلهم إنسان ، كذلك في الإسلام ..يشبهون معتقدهم بإيمان المسلم ب 99 إسم وصفة لله..هذه الصفات هي حالات عند المسيحي، فالله الخالق هو نفسه الله الرزاق، لكن الخالق ليس الرزاق، إنما هي أقانيم أو تجليات للرب.

كان ممكن الإيمان برب واحد دون أقانيم ثلاثة، لكن خطيئة آدم جعلت ضرورة وجود مخلص لتلك الخطيئة عند الله، فيسوع الإبن- الأقنوم الثاني- هو من يتعذب على الصليب ليفدي البشر ولكي يغفر الله لهم خطيئة آدم، وسبب اختيار يسوع بالذات أنه إله متجسد إبن الآب- الأقنوم الأول- وبالتالي (ليس عليه ذنب) حسناته كثيرة جدا برصيد لا نهائي يمكنه من التشفع عند الرب لغفران الخطايا.

شئ آخر هو أن الموت في المعتقد المسيحي هو خاص فقط للمخطئين، وبما أن كل البشرية تخطئ فكلهم يموتون، أما يسوع فلأنه لا يخطئ فهو حي لا يموت، وقد صعد إلى السماء لينزل مرة أخرى يوم القيامة، وهذا المعتقد دخل التراث الإسلامي بالحرف وصار إحدى الثوابت الإسلامية..رغم أنه معتقد مسيحي خالص.

كذلك فالذبائح والقرابين هي في حقيقتها بدائل للموت، فالمسيحي يتصدق بالذبائح داخل الكنائس وتوزيعها للفقراء كي يؤخر موته ، وهذه فكرة القربان الأصلية مأخوذة من كل الأديان القديمة عند الفراعنة والسومريين وغيرهم ، ملخصها أن خطايا البشر هي أسباب موتهم، فكلما يخطئ الإنسان خطية يتقرب إلى الله بالذبائح تكفيرا عن نفسه ولإعطائه مزيد من الفرص، وقد أثار هذا المعتقد حِسّي النقدي بسؤال: أن الموت حقيقة كونية لا تخضع لدين أو لخلاص فما الذي يميت المسلم ..هل إنكاره التضحية؟..كذلك ما الذي يميت الحيوان هل لأنه لم يؤمن بإلوهية المسيح؟..أعلم أن السؤال بديهي جدا، طرحه ردا على إشكال كهذا يوضح مدى سخافة ذلك الإشكال.

أما بالنسبة للمسيحي فلا يلزمه الإيمان بالذبائح فدية للموت، أو أن موته بسبب خطيئة آدم، فقط يكفيه الاهتمام بفلسفة وجود المسيح كداعية أو حسب ما يوصف بأنه إبنا لله فحسب ، وبتوضيح أكثر أن الاهتمام بوجود المسيح يثير عدة أسئلة، هل الله بحاجة للتواصل مع البشر؟..وما كيفية ذلك التواصل؟..وهل البشرية ستضيع لو لم يأتِ المسيح؟..وماذا لو أجهضت العذراء حين ولادتها أفيتغير التاريخ أم هو مقدر ذلك كله في صحائف البشر قبل الوجود؟

وللعلم : قضية التجسد مختلفة تماما عن التضحية، فالصوفيون يؤمنون بتجسد الرب في بعض أوليائهم، نفس الشئ في الهندوسية، لكن لا يوجد إيمان بضرورة قتل الولي فداءً للبشر، أعلم أن أصل المسيحية قائم على تلك الفكرة وهي.."الخلاص"..أو فداء يسوع للبشر ولست بوارد نقدها أو التوسع في نقدها، بل هو استعراض حسب طبيعة المقال ، لكن ولأن المعلومة يلزمها فكرة مصاحبة للفهم آثرت أن أبدي رأيي المحدود للوقوف على طبيعة تلك المعلومات، وهو رأي لا يجعل من نفسه حَكَماً بل تناول شخصي لمسائل فكرية.

أضيف أن فكرة قتل الرب لإبنه للصفح عن البشر تصف الرب بأنه (إله سادي) يقتل أعز ما لديه للعفو عن أبغض ما لديه، وهي صورة غير منطقية تجتاح اللاهوت المسيحي، وكل شئ غير منطقي يعتريه مبالغة أحيانا ، فأنا وإن لم أطلع على كل آراء القساوسة في هذا الشأن لكن أستطيع التخيل كيف أنهم يبالغون في وصف انتقام الرب من إبنه على الصليب للعفو عن البشر، وكيف أن هذا الانتقام شديد جدا للحد الذي يخرج فيه عن المعقول وتصوير آلام المسيح الجسدية والنفسية بمنتهى العنف والقسوة، وكلما كان المطلوب إثبات أكبر قدر من رحمة الله بالبشر كلما بالغوا في تصوير مشهد الآلام.

المهم...ولأن الخطأ صفة أزلية للبشر، ولمحدودية القرابين.. أصبح مطلوب إيجاد قربان دائم تأثيره لا نهائي، فكان هذا القربان هو (الإبن يسوع) الأقنوم الثاني الذي فدى نفسه على الصليب قربانا لله كي يغفر للبشر خطاياهم ويمنحهم الخلود المؤقت وألا يأخذهم بجريرة آدم،..وفي تقديري هذه الجزئية بالذات هي ما أعطت للمعتقد المسيحي صفات حسنة كالسلام والرحمة، فالتضحية قيمة أخلاقية بالأساس ، بل هي لب المعتقد المسيحي..لذلك يمكن القول أن المسيحية بالكامل قائمة على الرحمة والحب لهذا السبب.

وبلمحة بسيطة هنا يمكن استنتاج كيفية ظهور النزعة الطوباوية في المسيحية، والطوباوية تعني المثالية والخيال، أي حياة لمجتمع فاضل رحيم، وهذا الاتجاه مؤثر جدا في المسيحية وبسببه دست كثير من الخرافات، بسبب أن الخرافة أصلا تنشأ عندما ينتصر الشعور والأمل على العقل والشك، فكلما طغت مشاعر الحب والرحمة دون مقاومة أو توازي لها من عقل نقدي تنشأ الخرافة والتقديس فورا..وهذا سبب لشيوع الخرافات بكثرة في الأديان والمذاهب الغنوصية..ليس اتهاما للمسيحية بالتخريف لديهم عقائد جيدة لكن الخرافة تملأ الديانة كحال أغلب ديانات العالم.

شئ آخر أن فكرة (تبتل) العذراء والمسيح خدمت سلوك الرهبنة والعُزلة والاستغناء، وطبيعي أن يمس هذا السلوك كل المظاهر الدنيوية التي تحقق مبدأ اللذة كالجنس والطعام والشراب والملبس..إلخ وهو المبدأ المضاد للتبتل..وشخصيا أفهم كيف أن قضية زواج النبي محمد بعائشة وهي بنت 6 سنوات أو من 12 زوجة هي قضية خطيرة مسّت الشعور المسيحي لحد الجُرح، فهذه القضية بالذات تمثل أقصى مشاعر الرفض للإسلام في الوسط المسيحي وبسببها اتهموا النبي محمد بالسعار الجنسي والوحشية وبالتالي (الدنيوية)

لا أبالغ إذا قلت أن العقل المسيحي يرفض (ويثور) على الإسلام من تلك الناحية تحديدا أكثر من النواحي الفلسفية والعقدية، فمسائل بعثة محمد وصحابته وآل بيته لا تشغل كثيرا الوسط المسيحي، بل يشغلهم محور تفكير المسلمين في تعدد الزوجات ونكاح الصغيرات ومؤخرا نكاح الميتة والبهائم..هذا أعطى زخم للحجة المسيحية على الإسلام، وشخصيا أدرك هذه النقطة وأتوقع تفاعلا مسيحيا أكبر يرفض هذه المسائل في الإعلام.

أما فكرة .."بنوة المسيح لله"..أعطت بُعدا أخلاقيا للديانة باعتبار أن كل البشرية هم أبناء الله، ففكرة الخلاص –رغم نقدي لها- تقول بتضحية أعز الأبناء..وليس كل الأبناء، فالمسيح وإن كان إبنا لله في الحقيقة، فكل البشر هم أبناؤه وأحباؤه في المجاز، وهذه كانت سبب في ارتفاع مشاعر الرحمة والمسئولية في الدين المسيحي، وكلما خاطبت مجتمع محافظ كلما لاقت قبولا أكثر باعتبار أن المحافظة الاجتماعية تعطي للأب – أو ولي الأمر- سلطة معنوية كبيرة، فالبنوة المسيحية هنا لم تختلف كثيرا عن بنوة الشعب لرئيسه أو لكبير العائلة والقرية..أو حتى في الشر بكبير العصابة، والمعنى أنها قيمة تنظيمية تسهل كثيرا من مسائل السمع والطاعة.

وفكرة الوجود ربما ترتبط بمسألة البنوة هذه، فالله هو الذي أوجد هذا الكون، والبشر جزء من الكون، فالبشرية إذن فرع لوجود الله بمعنى لو لم يوجد الله لن يوجد البشر، وهذه المسألة نوقشت في اللاهوت الإسلامي المسمى.."بعلم الكلام"..التي قالوا فيها بأن الله هو (واجب) الوجود، أما المخلوقات كلها (ممكنة) الوجود، بمعنى أن الخلق جميعهم صورة ممكنة عن الواجب، ومن هذه الرؤية صاغ بعض المسيحيين فكرتهم بأن بنوة البشر لله ليست مجازية إنما حقيقية، على أساس أن الله هو مصدر البشر..وفي تقديري أن الصواب جانبهم في هذا الاستنتاج لأمرين اثنين:

أولا: أن البنوة الحقيقية يلزمها طبيعة واحدة أو مادة واحدة، فهل مادة خلق البشر هي نفسها مادة خلق المسيح في الأقنوم؟

ثانيا: أن التجسد يصبح قدرة وليس منحة، بمعنى كلما كان الإنسان صالحا –بصلاح يسوع- كلما تجسد فيه الرب، ولا أعتقد أن المسيحيين قالوا بتجسد آخر دون المسيح، فلو قيل أن الرب تجسد في يسوع الصالح ولم يتجسد في بشر غيره صالحا لسألوا عن السبب وهل ينقض ذلك مبدأ العدالة الإلهية؟

لكن هذه قضية منطقية بالعموم والإيمان لا يلزمه المنطق دائما، وهذا يلزم السؤال عن أصل تلك المعتقدات في الإنجيل أولا ثم في بقية الرسائل وسائر العهدين القديم والجديد ثانيا، ربما يفضي بنا هذا الاتجاه في النهاية لأصول النقاش الكاثوليكي البروتستانتي منذ 500 عام، ونقاش أهل الرأي والحديث في الإسلام منذ 1200 عام، أو لأصول المذاهب في المسيحية التي سنستعرضها في ذيل المقال.

مع إيماني أن العقل مهم جدا لمناقشة المسائل الاعتقادية لوجوده كحد أدنى للاحتكام إليه وقت الخلاف، فالنص الديني نفسه لا يحل الإشكال بل يُعقده لخطابه فئة محدودة من البشر (زمكانيا) ولتغير الزمن تتغير اللغة والبشرية نفسها، وعندما يفشل الإنسان في علاج أو فهم المتغير الطارئ تتعقد مشكلاته، فإذا لم يحتكم للعقل هنا سيشرد ويتوه عن الحقيقة وتكثر الصراعات التافهة باسم الدين.

أشير أن فكرة التعددية الإلهية ليست محل جدل بين الإسلام والمسيحية، فالمسيحية دين توحيدي في أصله بفهم قضية الأقانيم الثلاثة يُحل الإشكال، لكن تبقى ألوهية المسيح وانبثاقه عن الأب – الأقنوم الأول- مشكلة فلسفية لم يتوسع فيها اللاهوت الدفاعي لعقلنته كما ينبغي، وفي رأيي هي قضية لا يمكن عقلنتها ومن يفعل يشطح كثيرا لمحاولته أن يعقلن ما لا يُعقل، وكان من الأجدى التوقف فيها أو الاكتفاء بمذهب كانط باستحالة إدراك العقل المحض للمسائل الغيبية، لكن يبقى في الأخير حق وصف تلك المسائل بالغيبية أم لا محل جدل، فلو فتحنا الباب لمذهب كانط لآمن أهل الأرض بالخرافة، وعليه فالعقل ضروري لمناقشة بعض المسائل وليس كل المسائل على الأقل.

ولإثبات حق المسيحي هنا فالعقل يقبل وينفي فكرة وجود الله، أتكلم عن العقل الكلي بشقيه (الصريح والاستدلالي) فالثابت أن للبشر عقلين صريح وهو المشترك بين كل البشر فيما يعرف بالمنطق الصوري وبه يؤمن الناس بالأخلاق وصور الأشياء..إلخ، أما الاستدلالي فهذا يعود للشخص نفسه حسب قدراته وأحواله الشخصية والزمكانية، فالاستدلالي عند الهنود قادهم لتأليه براهما وشيفا وفشنو، والاستدلالي عن المسيحي قاده لتأليه يسوع، والاستدلالي عند المسلم قاده لنفي كل ما سبق، والعقل الاستدلالي هذا هو محور الإشكال الديني في العالم كله..فبه تحدث الصراعات الدينية بكل أشكالها، لكن وجوده والاعتراف به مسألة تخطت حيز البداهة.

على جانب آخر توجد قضية خلافية ضمن المسيحية حول نسب يسوع، الأولى ليوسف النجار باعتباره خطيبا لمريم قبل ولادتها المسيح، لكن ولأنها عذراء - لم يمسسها النجار - فبَطًلَ ذلك النسب، الثاني لمريم وفيه قولين، الأول: أنها من سبط يهوذا ، الثاني لسبط لاوي، وقد أقر إنجيل لوقا بالرأيين قياسا على نسب.."أليصابات"..أم يوحنا المعمدان – النبي يحيى في الإسلام- التي أقر لوقا أنها من سبط لاوي، وأليصابات مذكورة كإبنة خالة لمريم، وبالتالي مريم لاوية..وإلى هذا الرأي يتجه المسلمون الذي أقر القرآن بنسب مريم لعمران اللاوي.

موضوع النسب لا أحب الخوض فيه كأصل ديني، فالمعيار ليس انتسابك لفلان بل لعملك الصالح، وذكر نسب يسوع هنا لكشف معتقد مسيحي هام يحرص الأغلبية على نسبه ليهوذا وصولا للنبي داوود، فالرأي هنا نسب مقدس من داوود وسليمان حتى المسيح، لكن النسب الآخر للاوي يعطي نفس المعنى كونه يصل لهارون النبي وأخيه موسى، فكلا النَسَبين قوامهما أنبياء..ولا أفهم حقيقة سر تشدد البعض في تلك الجزئية، فقد ناقشت بعض المسيحيين في صفحتي عنها ووجدت تعصبا لنسب المسيح ليهوذا رغم أن الإنجيل أعطى الرأيين بدلالة اختلاف كنائسهم في ذلك النسب.

في كتاب قصة الديانات لسليمان مظهر، أعطى لمحة مهمة عن علاقة المسيح بيوحنا المعمدان، الذي مثلما أثرت في المسيح صحبة يوحنا وتعميده إياه..أثر فيه أيضا مقتله على أيدي الملك، وقال مظهر بأن مقتل يوحنا كان نقطة تحول في دعوة المسيح بحيث ارتفعت رغبة التضحية ومشاعر الحب أكثر للعالم وأصبح يسوع أكثر جرأة في المواجهة، وفي تقديري أن تلك الملاحظة صحيحة ومهمة جدا في فهم المسيحية وكيف أنها قامت على الوفاء للصاحب والالتزام بالمبادئ عامة خصوصا مبادئ تلك الصحبة وأهمها التعميد.

أما في كتاب أديان العالم لهوستن سميث فيرى أن المسيحية دين تاريخي بمعنى أنها قامت على وقائع وأحداث ..وبالتالي هي ليست لها مبادئ واضحة، وفي رأيي هذا غير صحيح..فالمبادئ بالأصل صفة بشرية قد تكون ناتج لوقائع وأحداث، أي لا رابط بين الحدث ونفي المبدأ ولا أعلم علام استدل سميث بقوله ذلك، لكن بتصفح كتاب سميث أرى شدة ولغة عنيفة في الكلام عن المسيح، ربما استخلص رأيه ذلك ردا على انشقاق المجامع والكنائس أو على أحداث بعينها كانت سلبية في تاريخ المسيحية، ولا يعني هذا القول مني اعتراضا على تاريخية أحداث الإنجيل..بل هي تاريخية بالفعل كان لها زمان وانتهى، لكن لا تصلح لنفي المبدأ كما فعل سميث.

لكن ولأن النص الديني نسبي والبشر مختلفين باختلاف طبائعهم انشق المسيحيون لعشرات الفرق، لا يهمني منها سوى أربعة ناقشت وتمردت على الثوابت الفلسفية ، بمعنى أن مناقشة الخلاف الكاثوليكي البروتستانتي الأرثوذكسي ليس مهم بالنسبة لي، فخلافهم أكثره فقهيا وسياسيا وليس فلسفيا يمس الجذور، والإنسان يميل للفكرة الأكثر وضوحا وجرأة في حال رغبته الإصلاح، وأزعم أن هدف تلك الدراسة إصلاحي.

الأريوسية قالت: أن أقنوم الأب فقط هو الإله المطلق، أما الإبن والروح القدس آلهة مخلوقة من الأب وبالتالي هي غير مطلقة، من أجل ذلك تم رفض الأريوسية في المجمع المسكوني عام 325 م، وهذا بخلاف معتقد المسلمين عن الأريوسية..اعتقد المسلمون أن أريوس كان ينفي صفة الألوهة عن المسيح باعتباره نبي مرسل..وهذا غير صحيح.. أريوس كان يعتقد بألوهة يسوع لكن بشكل ما مختلف ، ومن فرط كذب مؤرخي الإسلام أعطوه اسما هو.."عبدالله"..وهو أيضا إسم وهمي لم يطلق على أي قس في هذا الزمن ، ، أما الآن فلا وجود لأتباع أريوس تقريبا مذهبهم انقرض عدا بعض المسائل التي كانوا يهتمون بها لا زالت تطرح للمناقشة.

أما النسطورية قالت: بأن أقنوم الإبن له طبيعتين إلهية وبشرية، لكنها أنكرت الأقنوم الواحد وقالت أن الإبن هنا بجوهرين مختلفين..وهذا ضد المعتقد المسيحي السائد وقتها الذي يقول أن أقنوم الإبن واحد بجوهر واحد، وكالعادة تم اضطهاد النساطرة وغلق مدارسهم فهربوا إلى إيران ومن هناك أنشأوا ما يعرف بكنائس المشرق المنتشرة الآن في العراق وإيران وآسيا الوسطى والهند..وهؤلاء من تبقى من النساطرة الأوائل، وقيل أن ورقة بن نوفل ابن عم خديجة زوج الرسول كان نسطوريا، لكن ردوده التاريخية وتنبؤه بنبوة محمد تضع علامة استفهام حول معتقده، حيث أن النسطورية مختلفة عن الإسلام بشكل كبير، يدعم ذلك سؤال إسلامه من عدمه، فكتب التاريخ توقفت مع ورقة إلى حد التنبؤ ولم تكمل.

شهود يهوه: وهي طائفة مسيحية حديثة لا تؤمن بالثالوث ولا بصلب المسيح على الصليب بل على خشبة عادية، ولا يهتمون بمسألة الأقانيم هذه طالما هي (اختراع) ثالوثي حسب رأيهم، ويمكن القول أن شهود يهوه في الوجدان المسيحي طائفة مشاغبة ثورية على غرار ظروف نشأة البروتستانت مع الفارق، فشهود يهوه متهمين بإنكار التجسد وألوهية المسيح والقول أنه مجرد (ملاك) أصبح بشرا بعد نزوله إلى العالم.

وفي رأيي أن هذه الطائفة ضعيفة فلسفيا وأفكارها خرافية جدا، مهتمين أكثر بالتنبؤ وأعمال الدجل، فمن الصعب إذن أن تعيش فرقة تعاني من تلك الصفات، شرط رئيسي للقوة هو منهج الحياة وفلسفتها دون الحاجة لفلسفة الدين، وشهود يهوه واضح أنهم يعيشون لأجل مبدأ واحد وهو تعريف الناس بيهوه الله الخالق الأزلي دون شرح لفلسفة وجوده أو طرق اتصاله بعالم البشر، لكن حسب الأخبار عنهم فهم نشطين جدا في التبشير ويكثر أتباعهم بفعل العامل الثوري الذي يميز مجمل خطابهم.

أما الأبيونية: فهي طائفة يهودية انشقت عن المسيحيين، وظلت تجمع بين اليهودية والمسيحية، يُطلق عليها أحيانا (النصرانية) ويسميها المسيحيون (بالناصرية) غير أن هناك خلاف حول إذا ما كانوا فرقة واحدة أم اثنين، لكن طبيعتهم واحدة وهي القول بأن المسيح بشر مرسل من عند الله وليس إلها، ولهذا الأصل ظهرت حركات استشراقية أوروبية تتهم الإسلام أنه حركة نصرانية بالأصل اتفقت تعاليمه مع كل تعاليم النصرانية القديمة، وأن القرآن نصراني بالأساس..من هؤلاء دان جيبسون وباتريشيا كرون ولوكسمبرح، فضلا عن طائفة كبيرة من مسيحيي فرنسا تجتهد الآن لإثبات نفس النتيجة.

حقيقة أن ذكر النصارى في القرآن أنهم طائفة مختلفة عن المؤمنين، بل أحيانا ذكروا في موضع ذم يطرح شك كبير حول رؤى دان جيبسون وغيره، فلو كان القرآن نصرانيا لماذا ذم النصارى؟..حتى رؤيتهم حول تطابق بيئة الشام النصرانية مع نصوص القرآن كلها تُطرح كظنون وليست أدلة علمية راجحة، فمن بين دعواهم مثلا أن النصارى تحالفوا مع عرب الشام لصناعة دين إسلامي يفتح بيت المقدس بوصفه البيت الحرام المذكور في القرآن، وحقيقة رغم منطقية بعض أدلتهم وصحتها تاريخيا لكن تبقى نتيجتهم في الأخير مجرد ظن، حيث أن أدلة كثيرة لديهم متهافتة حسب الميزان العلمي والعقلي..وهذا جانب آخر يجب أن تفرد له مساحة كبيرة للنقاش.

أخيرا: كانت هذه أضواء سريعة وعلى عجالة لمناقشة الدين المسيحي، بهدف تقريب فكرته لغير المسيحيين وهو المعنى من وراء كلمة .."أضواء"..فغاية الأديان التعرف عليها واعتناقها إرضاءً للرب، وبعد التعرف عليها تحدث مناقشات واحتكاكات أرجو أن تظل موضوعية كما التزمت في هذا المقال، وفي تقديري أن معرفة الآخر جزء من الإيمان به والتعايش معه، وبالتالي الجهل به يعني كراهيته قولا واحدا ، وما سر انتشار الفتن الطائفية إلا الجهل والأحادية في التفكير وشيطنة الآخر كليا، لكن بهذا المقال يتبين أن هناك مشتركات بين المسيحية وغيرها وأن الغالب عليهم صفات الرحمة والحب والزهد رغم إشكاليات العقائد التي لم أتوسع في نقدها خدمة للهدف الرئيسي وهو تقريب الأفكار.