سقوط الأقنعة(6) ورقة حزب الله

فتحي علي رشيد
2017 / 9 / 22

في معرض التعليق على ماقام به الحزب في جرود عرسال , قال أحد المحللين السياسيين : لقد حكم الحزب على نفسه بالانتهاء لأنه خالف الإرادة الدولية المتوافقة على محاربة الإرهاب . بينما قال آخر: لقد سقطت ورقة الحزب والسيد لأنه بتلك الخطوة بين أن مشغليه في سوريا وإيران هم حلفاء وشركاء مع الإرهابيين وليسوا أعداء لهم كما يزعمون . وقال ثالث : سيسقط لأنه فضح المشغلين الكبارللإرهاب في العالم .روسيا حامية رئيس النظام السوري الذي وافق على تلك الصفقة (استنادا لما قاله السيد حسن ) كانت على علم بتلك الصفقة وموافقة عليها . ولأنه كان بإمكان أمريكا القضاء على القافلة في الطريق الصحراوي .وقصة الخوف على نسائهم وأطفالهم ماهي إلا أكذوبة , لأن أمريكا قصفت بصورة عشوائية مئات المرات ,مناطق كان يتواجد فيها عناصر من داعش راح ضحيتها آلاف المدنيين والأطفال العزل .
وقال آخر لا لن يسقط الحزب لأنه بتلك الخطوة عندما فتح الباب للدواعش للخروج بسلام , يكون قد غيب الشهود الذين كان من الممكن بعد القبض عليهم أن يعترفوا بمن شغلهم وأدخلهم ومن قتلوا واين وكيف ..إلخ .وبالتالي يكون قد حمى نفسه ومشغليه الذين يجب أن يكافئوه على عمله هذا .وقال آخر على الأوربيين منذ الآن وصاعدا أن لايحملونا كعرب ومسلمين جريرة مايقوم به الدواعش في أوروبا . بل يحملوا حكوماتهم المسؤولية , لأنها سكتت على من هرب الدواعش الذين من المحتمل أن يقوم كل واحد منهم ( الستمائة والخمسون , نساء وأطفال ورجال ) بتفجير نفسه في أماكن وبأشخاص (قد يصل عددهم على الأقل إلى 6500 ) .
هذا صحيح وذاك وذاك صحيح . وكل ماذُكر, ينطلق من زاوية معينة ويعكس جزءا من الحقيقة . أما الحقيقة كاملة فلن تتضح إلا مستقبلا .وربما لن تكشف على الإطلاق . على كل حتى يحين ذلك الوقت أعتقد أن الحزب والسيد لن يسقطا بل سوف يستمران بالعمل حتى لو كشفت جميع أوراقهما .وأنا أعتقد أن مابناه الحزب خلال ثلاثين عاما لن ينهار بين يوم وليلة نتيجة لخطأ يمكن إيجاد مبررات مقنعة له . لهذا نرى أن إلقاء الأضواء على جوانب معينة من مسيرة الحزب وربطها بالأحداث الجارية في المنطقة والعالم ,قد تلقي الأضواء على كثير من الأمورالغامضة فيها , وقد تجعل صورة الواقع السياسي الراهن والقادم أكثر وضوحاً وكمالا .
1: السياسة والدين :
بداية أذكرالسيد حسن وغيره من رجال الدين الأتقياء والورعين بأن العمل في السياسة ليس في مصلحتهم , ولا يليق بهم. فالدين يفترض أن يستند إلى القيم والأخلاق .بينما السياسة ـ حتى لولم تكن كما أراد لها مكيافيللي أن تقوم على الغدر وارتكاب أقذر الأعمال ـ تستند إلى الدهاء والمكر ..
فسيدنا علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه لم يبرع في السياسة والحكم لأنه كان يستند إلى القيم والأخلاق أكثرمن الدهاء والمكر, بينما انتصر معاوية لأنه كان يستند إلى المكر والدهاء أكثر. لذلك فإن الجمع بين الأثنين وبين النجاح مستحيل إلا للأنبياء .وطالما أن النبوة انتهت مع سيدنا محمد (ص ) إذن لامجال لأحد في العالم بعده أن يجمع بين الدين والسياسة . وهذا ما أدركه معظم رجال الدين السنة وبخاصة الشيعة عبر التاريخ السابق كله فتركوا الحكم للساسة من بني أمية وبني العباس .حتى في وقتنا الراهن هنا كأسماء العشرات من آيات الله المعظمين ابتعدوا عن العمل المباشر بالسياسة . من هذه الزاوية أرى أن السيد وحزبه سوف يعانون الكثير لأن مقتضيات السياسة تتطلب منهم ( كما حصل في السيدة زينب القصير والجرود وغيرها من الأماكن) الكذب والدس والنفاق والقيام بأعمال تتناقض مع دينهم ومذهبهم .(1)
نقول للسيد حسن وللإمام علي خامنئي و تعلموا من الإمام جعفرالصادق وأتباعه الأفاضل أمثال السيد محمد حسين فضل الله .والذين تبحروا في العلم والدين أكثر من السيد حسن , ولم يستلموا أي منصب سياسي .وكان دورهم في السياسة أكبر من كثير من الساسة لأنهم لم يسكتوا عن قول كلمة الحق عند سلطان ,حتى لوكان جائرا. واكتفوا برسم الخطوط العامة لسياسة الحكام , وبنصحهم , دون أن يَقربوهم كيلا يَفسدوا .كما فعل السيد حسن بالتقرب من أحمدي نجاد وبشار الأسد .كما أذكرهم بإن الجمع بين المذهبية والدين الوطنية في سوريا أو لبنان هو نوع من المحال فأن يكون الشخص ذاته ,في ذات الوقت ( سواء السيد حسن أو غيره ) زعيما لغالبية شيعة لبنان , وزعيما على سنتهم ومسيحييهم محال .
وهذا مايدفعنا للبحث في
2: الأسباب والعوامل التاريخية التي دفعت الحزب والسيد حسن للعمل السياسي بل وتصدره ؟ :
من المعروف منهجيا حتى نقيم بصورة صحيحة أي حدث ـ خاصة إذا كان سياسيا ـ لابد من وضعه في السياق التاريخي للأحداث الجارية في الإقليم وفي العالم ومن العودة للجذور التاريخية لأية ظاهرة سياسية مثل ظاهرة تبوأ السيد حسن وحزبه صدارة المشهد السياسي اللبناني والعربي بل والعالمي . من هذه الزاوية نذكر المواطنين العرب .بأنه عندما قرر الأوربيين تقسيم تركة الرجل المريض في الوطن العربي ذو الغالبية السنية , خططوا ( استنادا لمؤتمر لندن عام 1840 ) لدخول المنطقة من خلال لبنان .استندوا على زعماء الطوائف اللبنانية المعروفين . ففرضت كل دولة أوربية حمايتها ـ والأهم رعايتها ـ على طائفة . فرنسا على الموارنة ,إيطاليا على الكاثوليك , روسيا على الأرثوذكس ,ألمانيا على البروتسنت الأنكليزعلى الدروز.السنة محميين أساسا من الأتراك (وبعد أن تخلوا عنهم تسلم رعايتهم الأمريكان ) . وهكذا تُرك الشيعة دون حماية أو رعاية من أحد , ولهذا لاقوا الحرمان والفقر والتهميش .وبما أن إيران الشيعية كانت يومها مستعمرة , وبما أن الشاه كان جزءا من التحالف الأمبريالي وعضوا في حلف بغداد وجنوب شرق آسيا لذلك لم يكن يفكر بأن يكون له نفوذ مذهبي بل سياسي وعسكري , وحسب ماترسمه له أمريكا . وهذا الأمر لم يختلف إلا قليلا بعد الثورة الخمينية . حيث كان المطلوب من إيران في ذلك الوقت فقط , أن تكون جزءا من حلف عالمي جديد معادي للشيوعية وحركات التحرر,حلف يستند إلى وعلى ولاء شعوب المنطقة للدين والعقيدة والمذهب ,وليس للوطن أو للقومية أو على التحرر والتقدم وذلك بهدف هزيمة الشيوعية .وهكذا تشكل حلف بقيادة الأمبريالية الأمريكية في نهاية السبعينات من القرن الماضي يشمل كلا من سوهارتو أندونيسيا ,برويزمشرف الباكستان ومجاهدي أفغانستان وخميني إيران وإينونو تركيا وسادات مصرونميري السودان .إلخ لمحاصرة الاتحاد السوفييتي والمد اليساري الوطني والشيوعي في العالم . ونؤكد هنا على أنه كان لهذا الحلف المقدس (المستند ـ في بلادنا ـ على الدين الإسلامي ) دور حاسم في هزيمة المعسكر الإشتراكي .وهنا كان لإيران الخمينية دور بارز جدا في هذا المضمار وكان لابد من مكافئتها على عملها بالسماح لها بالتمدد سياسيا أكثر في المنطقة ( وهذا ماسوف نتعرض له في بحث قادم ) من هنا أصبحت إيران قائدة لتيار سياسي إسلامي واسع استقطب كثير من النخب المعادية لأمريكا , لكنه استند أكثر على شيعة العالم ,خاصة المؤمنين بمذهب الولي الفقيه .لهذا أصبحت قوة إقليمية معتبرة يحسب لها حساب لايقل عن دور الباكستان ومصر والسعودية السنية بل ومنافسة لهما . ضمن هذا السياق الذي أعطته لها الأميريالية الأمريكية في الصراع بين الأمبريالية العالمية والمنظومة الآشتراكية كان لابد لإيران من أن تبدأ بشيعة لبنان وتمدهم بأقصى درجات الدعم الذي كانواـ وحدهم ـ يفتقدون إليه من بين سائر الطوائف اللبنانية . وكانوا ـ وهو الأهم ـ أغلبهم جاهزين لتلقي هذا الدعم بسبب ماكانوا يلاقونه من حرمان وتهميش . وكان لابد لآثار هذا الدعم من أن تظهر من خلال سيد ما , مثلما ظهر لكل طائفة لبنانية سيد ( مثل جنبلاط , شمعون , الجميل ,كرامي سلام والحريري مدعوم من جهة خارجية ) وهنا كان لابد لرجل ما أن يتبوأ هذه الزعامة الجديدة ( بعيدا عن الزعامة التقليدية على المجلس النيابي ممثلة بآل الأسعد وخليفتهم نبيه بري ) وكان يفترض لتلك الأسباب ـ أن يتبوأ تلك الزعامة رجل دين متفقه ومذهبي ( وليس سياسي شيعي محنك كنبيه بري ) كما حصل في إيران بالضبط .وكان يفترض بهذا الزعيم الشيعي أن يتبع ويتبنى مذهب ولاية الفقيه .وهنا دخل الشيعة اللبنانيون في مرحلة من الصراع المحموم (تحتاج لدراسة موضوعية )مازال يشوبها كثير من الغموض ونزاع على السيادة بين محمد حسين فضل الله وعباس الموسوي وصبحي طفيلي وهاني فحص , انتهى بتزعم الشاب السيد حسن نصر الله المتفقه جيدا والمتفق مع رؤية ولاية الفقيه في إيران. وهذا كان في تقديري مصدر قوة لإيران في تلك المرحلة ,كما كان الموارنة قوة لفرنسا . لكنه كان خطأ استراتيجيا على المدى البعيد كما سنبين .
3: العوامل السياسية المباشرة والقريبة :
من المؤكد أن أمريكا استخدمت الدين الإسلامي لمواجهة الخطر الشيوعي و السوفييت في أفغانستان وبما أنها نجحت في هذا فقد وضعت مخططها التدميري الشامل لمنطقة الشرق الاوسط من خلال استخدام الدين في المنطقة وبخاصة في الأحداث التي مرت بها المنطقة و لبنان والمنطقة بعدعام 1982 . وإذا ما ربطنا ذلك بما ما يسمى الصراع العربي الصهيوني فإنه سوف يسهل علينا معرفة لماذا كان محتوما مواجهة القوى القومية خاصة اليسارية التي كانت تتزعم المدالوطني في المنطقة ولبنان من خلال قوى دينية معادية للقومية والليبرالية واليسار . وهنا كان الإمام الوطني موسى الصدر المتحالف مع تلك القوى ضحية لمؤامرة خبيثة ( ماتزال خيوطها غامضة ) فغيب عن الساحة ليحل فورا مكانه الحزب ثم السيد صبحي طفيلي ثم السيد عباس الموسوي ثم السيد حسن نصر الله , وليصبح سيدا على شيعة لبنان .
فإذا كانت الطائفية ـ كما نعلم ـ شكلت القاعدة الذهبية لأمريكا وللغرب لتحويل الصراع في المنطقة ولبنان من صراع سياسي ( بين يمين ويسار إلى صراع بين طوائف ) فكان لابد لهاـ أيضا من تحويل الصراع السياسي من صراع بين العرب كقوم وبين الصهاينة كمشروع سياسي , إلى صراع ديني مذهبي بين اليهود والمسلمين والمسحيين , وكذلك بين المسلمين , السنة والشيعة .ولقد نجحت في ذلك نجاحا باهرا . من هذه الزاوية أرى أنها لن تتخلى عن تلك التيارات الدينية التي أوجدتها ( بما فيها إيران الإسلامية وحزب الله ) إلا إذا تم فضحها جميعها ,أو إلا بعد أن تفقد قوتها وتأثيرها على الناس البسطاء الموالية لها .
ضمن هذه الرؤية يكون الحزب وإيران وكثير من زعماء ومشايخ السنة في لبنان ربما دون أن يعلموا ( وربما بعلم البعض ,وعلى نطاق ضيق جدا ) قد جرى استيعابهم , كما تم استيعاب غيرهم من السنة في المشروع الأمبريالي الصهيوني لشمعون بيريز ( الشرق الأوسط الجديد ) .
ومن المؤكد أن ماجعل الشيعة في لبنان يتصدرون واجهة الأحداث في لبنان والمنطقة العربية , وما جعل حزب الله والسيد وطائفته يكتسبون تلك الشعبية الواسعة كان بسبب التضحيات التي قدموها في البداية ـ في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي تحت قيادة السيد حسن , وهو ما جعل من الطائفة المغيبة تاريخيا تحتل مكانها الطبيعي , بل وأزيد قليلا .وهذا حقها كونها قدمت تضحيات لايمكن إنكارها , مع أن تلك التضحيات تعود لأسباب جغرافية لاعلاقة لها بالطائفة أوبفكرها .بسبب أن غالبية ابناء الجنوب الذي احتلته إسرائيل عام 1978 هم من الشيعة .فكان من الطبيعي أن يكونوا في مقدمة وطليعة القوات المواجهة والمتصدية للإحتلال . دون أن نلغي الدور الحاسم للصفات الشخصية والاستعداد للتضحية للسيد حسن نصر الله وأتباعه .وعلى أنه كان لها دورا حاسما في تقبل المواطنين العرب للحزب والسيد . أكثر مما كان تقبلا لإيران التي لم تكن ظاهرة كما هي الآن .
ونحن لايمكننا إلا أن نعترف بأن ما حققه شعب الجنوب بكل أطيافه , وحزب الله من انتصارات في تلك المرحلة كان له دورا حاسما في انسحاب إسرائيل من الجنوب ,وتحول ولاء الكثيرين من المواطنين العرب من الولاء للعروبة ( ممثلة بالسعودية ومصر وسوريا والعراق ) إلى الولاء لحزب الله وإيران . لهذا يتوجب علينا كيلا نضيع أن نعود لنضع كل ماجرى بعد ذلك في الإطارالتاريخي والسياسي الذي مرت به المنطقة .بدءا من لاحتلال الصهيوني لفلسطين وأجزاء أخرى من مصر وسوريا ولبنان .
أ : تحول الصراع السياسي إلى طائفي :
إذا عدنا إلى أساس المشكلة في لبنان لابد أن نتذكر أن لبنان المسيطر عليه من قبل الموارنة بتحالف مع سنته المتأوربين ,وشيعته ( المتاولة )المغيبين , وخاصة في الجنوب مع أنهم لم يساهموا في معارك عام 1948 ولم يقفوا ضدإسرائيل , ولم يدخلوا في أي حرب خاضتها الدول العربية معها , إلاأنه استقبل عددا كبيرا من اللاجئين الفلسطينيين دون ذنب ارتكبه.والذين كان لابد لهم من أن يتحركوا للعودة إلى ديارهم التي طردوا منها . وهنا كان لابد لإسرائيل من الرد على لبنان المضيف والذي لاحول ولاقوة له في مواجهة إسرائيل . ونحن معهم كوطنيين ويساريين لا نعول كثيرا على لبنان في هذا الصراع , لأسباب عديدة لامجال لذكرها الآن .لكن هذا لايمنع أن نعرف لماذا زج بلبنان وأدخل في هذه المواجهة مع إسرائيل ؟ ولماذا اتيح لحزب الله أن يلحق بها هزيمة فادحة لم تلحقها بها جيوش الدول العربية ؟
ب ـ لماذا احتلت إسرائيل الجنوب ؟
لاأعتقد أنه كان لإحتلال مصارد ومنابع المياه في الحاصباني والوزاني ودان , دور في ذلك الاجتياح ومن ثم لإحتلال الجنوب . لأن المياه كانت وما تزال وستظل تتدفق عليها بأمان دون أي تهديد .وليس ثمة خطر مباشر أوفي المستقبل يهدد بمنعها عنها . بل كان من أجل ابعاد خطر المقاومة الفلسطينية, وليس اللبنانية التي لم تكن موجودة , ولا مبرر لوجودها لولا مشكلة اللاجئين الفلسطيننين اللذين طردتهم إسرائيل من وطنهم.والمشكلة ستظل قائمة إلى أن يتم حل هذه المسألة بطريقة عادلة أو ربما تنتهي بطريقة غير عادلة وبفرض الامر الواقع .من هنا أرى أن المشكلة بدأت في لبنان عام 1963 عندما قتلت المخابرات اللبنانية الفدائي المعروف "جلال كعوش " بعد أن قام بعملية فدائية من الجنوب فهب الفلسطينيون ضدالحكومة اللبنانية وتعاطف معهم أغلب اللبنانيين الوطنيين . وهذا ما مهد الطريق أمام توسع العمل الفدائي الحديث في مخيمات اللاجئين في سوريا ولبنان ( مع الإشارة إلى أن العمل الفدائي القديم لم يتوقف منذ بداية الغزو الصهيوني لفلسطين ) . خاصة من غزة والضفة ,وإلى حد ما من سوريا ولبنان . وكان لابد للبنانيين الوطنيين والقوميين واليساريين كبقية العرب ,المتمسكين بالشعارات القومية والوطنية , وفي مقدمتها القضية الفلسطينيية من التعاطف مع العمل الفدائي الشعبي الذي أخذ على عاتقه مهمة التحرير,من أجل العودة . ومع أن الأنظمة العربية سعت إلى استيعاب هذه الهبات العربية الشعبية من خلال تشكيل منظمة التحريرعام 1964 وفرض قيادة تابعة لها وجيش للتحرير , إلاأنها فشلت في السيطرة على المدالشعبي الوطني والقومي الجذري , ثم فشلت ثانية عندما فرضت قيادات للعمل الفدائي تابعة لها .( وستفشل طالما أن أساس المشكلة المتمثل باللاجئين لم يحل ) فكان على الأنظمة العميلة من القضاء على هذه القاعدة الشعبية وزجها في معارك عديدة ,مع الحكومة اللبنانية عام1968 ثم 1969 (ورغم التوصل إلى إتفاق القاهرة في ذلك العام ) . ومن ثم مع الحكومة الأردنية التي ارتكبت مجازر أيلول الأسود عام1970 .وبما أن النظام السوري بقيادة حافظ الأسد لم يكن بمقدره القضاء على الفدائيين الذين لجأوا إلى سوريا بعد إخراجهم من الأردن عام 1971 (كون حكومتها كانت ترفع شعار التحرير ودعم المقاومة ) بل قامت بترحيلهم فورا إلى لبنان (على أمل أن ينتهوا هناك من خلال حكومتها وجيشها وهذا ماحصل فعلا ) . لكن الأمورتعقدت أكثر خاصة بعد أحداث عام1973 ( حيث قام الكوماندوس بقيادة باراك بعملية الفردان في قلب العاصمة بيروت , التي راح ضحيتها كثير من اللبنانيين ,وثلاثة من كبار قادة المقاومة الفلسطينيية ) فسارت على عكس مايشتهون إذ تعاطف معظم اللبنانيين الوطنيين والقوميين واليساريين مع الفلسطينيين . وراحوا يمدون المقاومة المسلحة في لبنان بالرجال والمال والمعنويات أضيف له دعم معنوي من كافة العرب والثوريين في العالم . عندها برزخطر تسلم القوى الوطنية والقومية واليسارية الحكم في لبنان .لذا لجأت القوى الطائفية عام 1975 إلى تحويل الصراع الوطني إلى طائفي . عندها نشبت ماسميت الحرب الأهلية . وعندها تحقق التوافق كلا من فرنسا وأمريكا مع الحكام العرب وبخاصة السعودية , عام 1976 على أن تدخل سوريا تحت مسمى قوات الردع العربية لتوقف عملية تحول لبنان من دولة طائفية تابعة للغرب , إلى دولة مدنية وطنية .وفعلا أوقفتها لكنها لم تستطع ولم يكن بمقدروها , القضاء على المقاومة الفلسطينية ذات الجذور الأعمق . عندها أغمضت سوريا والأنظمة العربية أعينها وتركت المجال للإسرائيليين ولشارون لدخول جنوب لبنان أول مرة عام 1978 ثم ليقوم باحتلاله واحتلال عاصمته بيروت عام 1982 .حيث وضعت إسرائيل ـ يومها ـ شرط إخراج الفدائيين مقابل الانسحاب منها .لكن بعد انسحاب المقاومة عام 1983 بقيت سوريا في لبنان بسبب أنها لم تنجح ( لأنها لاتريد ) التصدي لجذور الحرب الأهلية لتبقى .
وهنا لابد أن نتوقف قليلا لنشير إلى أن المقاومة الفلسطينيية التي بدأت من لبنان عام 1963 انتهت فيها بعدعشرين عاما بعد خروج المقاومة من لبنان عام1983 وتشتيتها بعيدا عن فلسطين (في اليمن والجزائر وتونس ) مما مهد الطريق لقياداتها للدخول في تسويات انهت القضية الفلسطينيية في أوسلو عام 1993 .ما يهمنا هنا هو الإشارة إلى أن الجميع اشتركوا أو تعاونوا كل واحد منهم على طريقته لإنهاء هذه الظاهرة المشرفة ؛"المقاومة الوطنية والقومية الفلسطيينية والعربية في جميع البلدان العربية بما فيها في لبنان " و هوما مهد الطريق لظهور ماتسمى المقاومة الوطنية اللبنانية .ثم المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين ( ممثلة بحزب الله وحماس والجهاد ) .كأحد أشكال المقاومة .لمواجهة عقابيل الاحتلال الإسرائيلي للجنوب البناني والضفة وغزة . في حين انتهت مقاومة اللاجئين وتوقف دعم حكومات كل من مصر وسوريا والأردن لها .
ونحن هنا لم ولن نتهم أحدا بعينه بعملية إنهاء المقاومة الوطنية الفلسطينية والعربية .بل نشير إلى حقائق تم تجاهلها ليبني عليها الثوارالحقيقيين تصورا أدق لما جرى ولما يتوجب عليهم فعله مستقبلا لأن المشكلة الفلسطينيية لم تنتهي بعد . بل أوضحنا لماذا كان يجب أن تظهربصورة حتمية في لبنان مقاومة للإحتلال الإسرائيلي للجنوب .
ج : استنادا لاتفاق الطائف الموقع عليه بين سوريا والأطراف اللبنانية عام 1989 برعاية أمريكية وسعودية , وموافقة إسرائيلية كان يجب على سوريا أولا أن تسحب سلاح جميع الميشيات وثانيا أن تسحب قواتها من لبنان لتبدأ إسرائيل انسحابا مماثلا بعد ذلك . لكن غزو العراق للكويت ودخول سوريا الحرب عليه إلى جانب أمريكا عام 1991 . جعل أمريكا تسكت على الوجود السوري ( كما هو مع إعادة انتشار فقط ) والأهم هو أن أمريكا أطلقت يدالحكومة السورية ( ممثلة بخدام وغازي كنعان ) مستخدمة جيشها ومخابراتها في لبنان لتعبث به كما تشاء . مما فسح لها المجال لها لأن تغيب جميع القوى الوطنية واليسارية اللبنانية والفلسطينيية , وتظهر فقط المقاومة الإسلامية وحزب الله فقط . وتجعله يتصدرالمشهد النضالي في لبنان .وهذا طبعا أمر معيب بحق جميع الوطنيين اللبنانيين .
بما يفهم منه أن كل ماجرى في لبنان والوطن العربي وماقامت به سوريا بعد ذلك , وبخاصة دعمها ,وإظهارها لحزب الله , وتلقيه الدعم البشري والمادي والمعنوي من إيران . إنما تم بتوجيه وعلم الإدارة الأمريكية وموافقتها , مع بصمة عربية سعودية .( مع عدم رضى إسرائيلي)
ونحن إذا عدنا إلى الفقرة الأولى من اتفاق الطائف التي تؤكد على ضرورة نزع سلاح كافة المليشات اللبنانية بما فيها مليشيا حزب الله ,وغير اللبنانية(أي الفلسطينيين ) , لكن ماجرى على أرض الواقع كان خلاف ذلك . فالمخابرات السورية نزعت أسلحة جميع القوى اللبنانية بما فيها الفسطينية (خارج المخيمات ) وأبقت فقط على سلاح حزب الله بذريعة أنه يتصدى للإحتلال ( أمام العرب واللبنانيين ) .وهذا طبعا كان يجد مبرراته القوية .أولا بسبب منع كلا من أمريكا وإسرائيل للجيش السوري من دخول قواتها جنوب صيدا. (حسب التفاهم الضمني مع إسرائيل عن طريق أمريكا ) .وثانيا بسبب رفض كلا من أمريكا وإسرائيل اظهار أي شكل من أشكال المقاومة الوطنية أو القومية أو اليسارية . وثالثا بسبب رفض الطرفين تسليح الجيش اللبناني وهذا ما أعجب كلا من سوريا وإيران وحزب الله . و لهذا تمكن الحزب وحده من الاحتفاظ بسلاحه , وبالتالي أن يتصدر المقاومة في الجنوب ,ومن ثم في لبنان وليحتكرها ويتحدث باسمها وحده .وللأسف أقول أن ذلك تحقق بسبب هزال وعجز وتبعية الأخرين الذين قبلوا بهذا الأمر الذي يسئ إليهم وإلى جماهيرهم.على الرغم من أنهم , وبخاصة الشيوعيين والقوميين العرب والقوميين السوريين والفلسطينيين .هم الذين تصدوا للإحتلال منذ عام1978, بينما لم يظهر الحزب إلاعام 1987 ولم يمارس نشاطه العسكري إلاعام 1992 .بما يفهم منه أن الرعاية السورية للحزب ( تحت نظر ورعاية الإدارة الأمريكية وغض نظر إسرائيل لأنهما تريان أن الحزب يمكن السيطرة عليه من خلال كل من سوريا وإيران, لكن يصعب السيطرة على القوى الأخرى التي جرى كبتها وحظرها.وهذا ما جعل الحزب يستمد قوته بين جماهيره ,ثم مكنته ليصبح القوة الوحيدة المتصدية للإحتلال , والمناضلة والمضحية في سبيل حرية وسيادة وكرامة لبنان واللبنانيين والعرب .وهذا ماكان يتردد باستمرار على لسان السيد وقادة الحزب ومؤيديهم حتى صدقهم الآخرون . مع أنه أمر معيب بحق جميع اللبنانيين والعرب. لكن بما أنهم كانوا خاضعين لقوة العسكر والمخابرات السورية (عن طريق غازي كنعان الحاكم الفعلي للبنان بعلم وموافقة أمريكا ) . فلقد خضعوا للأمر الواقع وبلعوا السكين على الحدين.( الإستعباد أوالاستبعاد ) . وكان لابد لدورهم بعد كل ذلك من التراجع أكثر حتى وصلوا وأصلونا معهم إلى مانحن عليه اليوم كعرب وطنيين وقوميين من غياب وتهميش وتبعية لإيران .
وهنا أجد أنه لابد من أن نؤكد على أن مسعى الحزب والسيد هو فرض مزيد من التسلط والفوقية , على الطوائف والزعامات الأخرى بعد عام 2000 وهذا لا يعود إلى الانتصارات التي حققها , ولا إلى طباعهم وبنيتهم وأخلاقهم ولنقل الحميدة كشيعة عرب , بقدر ما يتوافق ذلك مع طباع الإيرانيين وميلهم إلى التسلط على العرب من خلال توسيع نفوذهم في لبنان والمنطقة ,وعلى بقية الطوائف والزعامات اللبنانية والعربية مستغلة طيبة الشيعة اللبنانيين . لذلك نعود لنؤكد على أن المشكلة مع الحزب بدأت من هنا . ومن هنا أيضا يمكن أن تنتهي . بدأت من الطائفية والمذهبية والتبعية لغير الوطن والعروبة , وتنتهي بانتهائهم .
وهنا لابد من التأكيد على أن الهيمنة الإيرانية على كل من الحكومتين السورية والعراقية أتاحت المجال للحزب والسيد للظهوروالتمكن والتسلط على بقية الشيعة العراقيين والشيعة العرب والعلويين السوريين واللبنانيين . وبأن هذه الهيمنة لن تنتهي إلا بانتهاء الهيمنة الإيرانية على الحزب أولا من الداخل ( من خلال محاصرة اللبنانيين والشيعة العرب الأقحاح لهذه النزعة غير العروبية (الشعوبية ) وهيمنة الحزب على الدولة اللبنانية . والمهم التأكيد على أن الهيمنة الإيرانية التي بدأت بالتوافق مع أمريكا على غزو افغانستان والعراق سوف تنتهي بقرار أمريكي عندما تزول مبررات هذا التوافق .لكنها لن تنتهي بصورة نهائية .إلا أذا اتعظت القيادة الإيرانية وعادت لرشدها وأخذ ت حجمها ومكانها الطبيعي . أو إلاً إذا نشأت قوة عربية تضع حدا لتدخلات إيران وغيرها في شؤونهم .
د : استنادا للوقائع التاريخية المثبتة ,والتي دعمها السيد صبحي طفيلي" مؤسس الحزب ( في مقابلة له مع خالد الرشد على فناة روسيا اليوم ) :فإن ما مكن حسن نصر الله من تسلم قيادة الحزب هو أنه أولا رفض الإنضمام إلى جبهة الإنقاذ الوطني التي تضم قوى لبنانية عديدة , وأصر على أن يعمل الحزب لوحده . ولأن تفاهم نيسان المبرم بين كل من سوريا وأمريكا وإسرائيل عام 1996 ,برعاية فرنسية بوساطة رفيق الحريري . ينص من جهة على حق اللبنانيين مقاتلة الاحتلال ضمن الحدود الدولية للبنان , بمافيها حزب الله . ومن جهة أخرى انتزاع اعتراف ضمني من اللبنانيين ـ بحق اسرائيل في التواجد على جميع الأراضي التي احتلتها من فلسطين عام 1948 وعام 1967 , ومن لبنان عامي 1948 و1978 ,و1982 , وهو مايشكل اعترافا رسميا ـ لكن غير معلن ـ بإسرائيل حتى كدولة محتلة لجزء من جنوب لبنان كما كان ومازال الجولان محتلا .وهذا باعتقادي أقصى ماتريده إسرائيل من لبنان في هذه المرحلة .طالما أن الحزب والحكومة اللبنانية ملتزمان بالخط الأزرق وبالقرار 1701 .
ه: لابد من أن نشير إلى أنه بعد أن قررت أمريكا تقديم السلاح للجيش اللبناني بأموال سعودية وتقديم الدعم اللوجستي له لمواجهة ما يسمى الإرهاب في جرود عرسال والقاع ورأس بعلبك . وجد الحزب ومن خلفه سوريا أن ذلك سوف يقوي من مركز الجيش والحكومة اللبنانية وفي الوقت ذاته يقوض مركز حزب الله السياسي والعسكري الذي حصل عليه في لبنان خلال السنوات السابقة . من هنا وجد الحزب , والسيد نفسه مضطرا للقيام بمغامرة خاسرة ومفضوحة كي ينزع نصرا كاد يتحقق على يد الجيش اللبناني ,فأبرم اتفاقتين (مع جبهة النصرة وداعش ) أي مع ما كانا يعتبرانها تنظيمات تكفيرية ,ووهابية, أصولية وإرهابية . وليخرجوهما بسلام من لبنان , قبل أن ينهي الجيش وجودهم أويأسرهم , وليسحب البساط من تحت أيدي كلا من الحكومة والجيش اللبناني المدعوم من أمريكا والسعودية . لكنه نسي أنه بهذه الحركة . فضح نفسه وحزبه ومن خلفه سوريا وإيران . ووضعهم أمام فضيحة التوافق والتحالف مع الإرهاب الذي يقولون به يوميا أن أمريكا والغرب وإسرائيل يقدمون له الحماية والدعم له . ووضعهم بالتالي , في مواجهة مع جماهيرهم التي ماتزال تصفق له .ولكنه بذلك ودون أن يدري وضع حدا لتلاعبه بالألفاظ وتناقض أفعاله مع أقواله , وبالتالي من هيمنته وفوقيته , وربما التوقف عن مخاطبة الجمهور من وراء حجاب دري .
وأخيرا نختم بالتساؤل : هل يراعي السيد حسن وحزبه وطائفته ويعرفوا حجمهم وحجم حزبهم الحقيقي , في الصراع الدائر في المنطقة بين قوى إقليمية ودولية أقوى منه ومن إيران حاميته , فيعود هو وحزبه إلى مكانهما الطبيعي بين اخوانهم العرب ,سنة وشيعة , دون غطرسة أو فوقية على اللبنانيين والعرب, ولا من فوق الوطن والأمة العربية بل على موازاتهما ,فيبعد عن نفسه وعن حزبه تهمة العمالة والتبعية لإيران ؟وبما قد يبعد إيران عن التسلط على العرب ومن استغلال ما قدمه ويقدمه جمهور الحزب من تضحيات خارج لبنان ؟ وبما يجعلنا جميعا نركز في السنوات القادمة على مواجهة الأخطار الأخرى خاصة الخطر الصهيوني الذي يزعم الحزب وإيران أنه يشكل الخطر الأول عليهم .بعد ذلك فقط . يمكن أن نفتح معهم صفحة جديدة . وهذا موضوع متروك لجماهير الحزب لتجيب عليه .
فتحي رشيد
22/9/2017