الليبرالية دين العصر ..

سلمان رشيد محمد الهلالي
2017 / 9 / 21

الليبرالية : Liberalism التحررية او مذهب الاحرار وهو مذهب سياسي واجتماعي واقتصادي يسعى لتحقيق الحريات العامة والفردية في مجتمع ما ، واقامة الدولة الديمقراطية والدستورية من خلال الانتخابات الحرة والتداول السلمي للسلطة مع الحفاظ على حقوق الانسان والملكية الخاصة واحترام الاقليات وسيادة القانون وحرية الاعلام والاعتقاد والمساواة بين المواطنين . واشتقت مفردة الليبرالية من كلمة Liberal التي ترجع الى جذر في اللغة اللاتينية Liber ودلالتها (حر) وليس (عبد) والمفارقة ان اول من ادرج مفردة Liberal في الدستور هم الاسبان عام 1812 . من قبل حزب (الاحرار) الذي يعارض السلطة المطلقة للحكومة الملكية الاسبانية
تطورت الليبرالية خلال القرون الاربعة الاخيرة كنتيجة مباشرة للحروب الدينية التي اندلعت في اوربا خلال القرن السابع عشر ، لاسيما حرب الثلاثين عاما (1618 - 1648) التي انتهت بصلح (وستفاليا) (Westphalia) ومااعقبه من تسويات اكدت على حرية الاعتقاد والتسامح الديني في اوربا من خلال تنظيرات الفلاسفه الرواد لعصر التنوير امثال : توماس هوبس (1588-1679) وجون لوك (1632-1704) وجان جاك روسو (1712-1778) ومونتسكيو (1689-1755) وفولتير (1692-1778) الذين اكدوا على اهمية الحقوق الطبيعية والمساواة والعدالة بين افراد المجتمع ، والمناداة بالعقد الاجتماعي الذي يفترض ان هنالك التزاما عرفيا بين الحاكم والمحكوم . وان حرية الاعتقاد والدين ليست لها علاقة برضا الحاكم او معتقده او دينه . ففي خلال القرن الثامن عشر او ما عرف بعصر التنوير الاوربي (او الانوار بحسب التعبير الفرنسي) تجلت الليبرالية كحركة سياسية واقتصادية مستقلة بحيث اصبحت شائعة جدا بين الفلاسفة وعلماء الاقتصاد في العالم . فالليبرالية هي الاطار السياسي والاجتماعي والثقافي للتنوير الاوربي ، لانها اعترضت على افكار شائعة في ذلك الزمان وانماط خرجت من ارحام العصور الوسطى ، كالملكية المطلقة وحق الملوك الالهي في الحكم وتدين الدولة والاوتوقراطية (Autocracy) وغيرها . ويعد المفكر الانكليزي جون لوكJ. Luk المنظر الليبرالي الاول الذي طرح ارائه في اعقاب الثورة الجليله في انكلترا عام 1688 واصدار اعلان الحقوق عام 1689 التي عززت القيم الليبراليه في اوربا وانارت الطريق كصرح متعالي في العالم ومهدت الطريق بالتالي لقيام الثورة الامريكيه عام 1774 والثورة الفرنسية عام 1789 التي اعلنت الشعارات الليبرالية (الحرية ، الاخاء ، المساواة) وما اصدرته من اعلان حقوق الانسان والمواطن التي عدت جزءا من الدستور الفرنسي المعلن في ايلول 1791 .
ان الليبرالية تهدف لتحرير الانسان كفرد وجماعة من القيود السلطوية الثلاث (السياسية والدينية والاقتصادية) وهي لا تعني الانحلال او الانقلاب مطلقا (كما صور ذلك المعارضون لها) وانما تتحرك وفق قيم واخلاق المجتمع الذي يتبناها . اذ لها قابلية التكيف حسب ظروف وتقاليد كل مجتمع . من غربي متحرر الى شرقي محافظ ، الا انها – ومع مرور الزمن – تبرز القيم التحررية الايجابية وتلغي القيم الاستبدادية السلبية . كما ان الليبرالية ليست ضد الدين او الطقوس والشعائر الدينية ، لكنها من جانب اخر تعترض على تدخل الدين في الامور الشخصية بشكل عام . وهي بهذا تكون اكثر مقاربة للتنويرية العلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة . لذا فهي تتكفل حرية الاعتقاد والعبادة والفهم الخاص والشخصي للدين. ويقول المنظر الليبرالي العراقي الدكتور سيار الجميل بهذا الصدد : (الليبرالية لا تنفي الدين او تحاربه ولا تحجر عليه كالشيوعية مثلا . بل لا تكون الدولة ليبرالية الا حيث تكون العلمانية . والدين يصبح ركنا ساميا له خصوصيته كونه يختص بعلاقة روحانية بين الانسان وربه) .
ان اهم المكتسبات التي حققتها الليبرالية هي الديمقراطية الحديثة , رغم ان الاخيرة من جانب اخر قد عززت القيم الليبرالية واعطتها دفعة الى الامام من حيث الانتشار والتأصيل . لكن هذا لا يعني ان الديمقراطية والليبرالية في العصر الحديث والمعاصر هما متلازمتان . فهنالك انظمة سياسية في العالم تبنت الديمقراطية في الحكم والممارسة مثل الجمهورية الاسلامية في ايران من خلال اجراء الانتخابات والتداول السلمي للسلطة ، الا انها في المجمل غير ليبرالية . في المقابل لا توجد انظمة ليبرالية غير ديمقراطية ، الليبرالية تشترط الديمقراطية ، والعكس ، فالديمقراطية كنظام او صيغة للحكم لا تشترط الليبرالية كمرحلة اولى ، الا ان غياب الليبرالية على المدى البعيد قد يجعل من يصل الى السلطة افرادا او احزابا غير ديمقراطية ، وباسم الديمقراطية ، سوف يقومون بالاستحواذ على السلطة كليا ، كما حصل لهتلر في المانيا .
كما انتجت الليبرالية ايضا المفاهيم والمؤسسات السياسية العصرية التي تماهت مع الدولة الحديثة، كالانتخابات والبرلمان والفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية) وسيادة الامة والتعددية السياسية ودولة القانون وحرية الصحافة وفوقية الدستور وغيرها من القيم والمؤسسات التي اعتمدتها اغلب دول العالم في نظامها السياسي، او مازال بعضها يسعى في الطريق اليها .
لم تكن الليبراليه كتله صلده من المفاهيم والاهداف , او نسيج واحد من الميول والاتجاهات , بل كانت هناك ليبراليات متعدده من حيث الركائز والمنطلقات , كل ليبراليه استندت الى اسس محدده من من التنظير الفلسفي والفكري والسياسي , واهمها :
1 . الليبرالية الانكليزية الرائده : وتبلورت في بريطانيا في النصف الثاني من القرن السابع عشر , من خلال كتابات الفيلسوف الانكليزي (وابو الليبرالية الكلاسيكية) جون لوك , الذي يعد المنظر الاول للمذهب الليبرالي في العالم , معتبرا الحرية والفردانيه والحقوق الطبيعيه والتسامح الديني والمذهبي الركائز الاساسيه التي يجب ان تستند عليها الدولة الحديثة .
2 . الليبرالية الغربيه المقنعه : وظهرت في فرنسا النصف الثاني من القرن الثامن عشر, من خلال تنظيرات الفيلسوف الفرنسي مونتسكيوMantesquien , الذي رفض مقولة حياد الدوله المطلقه في الامور الاقتصاديه والاجتماعيه التي نادت بها الليبراليه الانكليزية الرائده , وطالب بتدخلها في توفير الامن والعنايه لجميع افراد المجتع , منتقدا الديمقراطيه الشعبيه اوالصرفه التي يعتقد انها ستؤدي الى الفوضى والاستبداد , مفضلا النظام الديمقراطي – الارستقراطي القائم على حكم النخبه .
3 . الليبرالية التعاقدية : وتبلورت في فرنسا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر , من خلال كتابات الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسوJ.J. Rausseau الذي افترض ان وجود الحكومه الصالحه التي تنهي الصراع والاستبداد والاقتال بين الناس, انما يكون من خلال الالتزام بعقد او ميثاق عرفي يتنازل بمقتضاه كل فرد عن بعض حقوقه وحريته الشخصيه للدولة او المجموع .
4 . الليبراليه الرافضه للثوره: وظهرت في نهاية القرن الثامن عشر من خلال تنظيرات الفيلسوف الايرلندي ادموند بيرك A.Peark (1729–1797), الذي رفض ألية التغيير الجذري للنظام السياسي , منتقدا الثورة الفرنسيه والتوجهات الثوريه في العالم على اعتبار انها ستؤدي حتما للاضطراب والفوضى .
5 . الليبراليه النفعيه : وتبلورت في القرن التاسع عشر من خلال تنظيرات الفيلسوف الانكليزي جون ستيوارت مل J.S. Mill (1806 -1873 ) الذي اكد ان الرغبه في تحقيق اكبر قدر من السعاده والمنفعه هو الدافع الوحيد للفرد , مؤكدا على الحريه الفرديه على حساب السياده العامه , لذا ابدى تخوفه من الحكم الشعبي لانه قد يعمل على تقييد الحريه الفرديه.
6 . الليبراليه البرغماتيه : وظهرت في الولايات المتحده الامريكيه في بداية القرن العشرين من خلال كتابات واراء وليم جيمس W. James (1848 -1910) وجون ديوي J. Dewey (1859-1952) اللذين اكدا ان قيمة الحقائق والافكار تكون بحسب النتائج والاثار المترتبه على ذلك. ونادوا بالنسبيه والمرونه السياسيه والتصرف بحسب المنفعه او الفائده المتحققه للفرد والمجتمع بغض النظر عن المبادىء او المثل او القيم التي اعتبروها مجرد ادوات يستغلها السياسيون والافراد للوصول الى السلطة.
تعرضت الليبرالية خلال القرن العشرين الى تحديات كبيرة وهائلة كادت ان تطيح بها وبالقيم والدول التي نادت بها ، لم تستطع التخلص منها والانتصار عليها الا في العقد الاخير من هذا القرن ، بعد اعلان نهاية الحرب الباردة وانهيار المعسكر الاشتراكي . وتنقسم هذه التحديات الى قسمين :
اولا : التحديات المباشرة :
1. الحرب العالمية الاولى 1914 – 1918 وما شكلته الامبراطوريات الرجعية الاربع (الالمانية والنمساوية والروسية والعثمانية) من تهديد صريح ومباشر للقيم الليبرالية . فضلا عن تدخل الدول الغربية في الميدان السياسي والاقتصادي وفقا لمقتضيات وظروف الحرب ، وهو ما عد تجاوزا على بعض الثوابت الليبرالية التي ترفض تدخل الدولة بهذه الميادين .
2. الثورة الروسية الشيوعية عام 1917 وما طرحته من نظام سياسي واقتصادي بديل عن النظرية الليبرالية ، استندت الى اسس الفلسفة الماركسية الثورية التي تطالب صراحة بازاحة الانظمة الليبرالية الديمقراطية واقامة الدولة الشمولية والاحادية وديكتاتورية البروليتاريا .
3. الازمة الاقتصادية الراسمالية عام 1929 التي عمت الدول الليبرالية الصناعية وما اعقبه من التشكيك في مفهوم التوازن بين الاستهلاك والانتاج الذي نظر له المفكر الانكليزي الليبرالي ادم سميث A. Smith (1723 - 1790) في كتابه (ثروة الامم) وما نتج عن تدخل الدولة في الشأن الاقتصادي المباشر .
4. صعود الانظمة الفاشية في ايطاليا والنازية في المانيا والعسكرية اليابانية والشيوعية الستالينية , وما اعقبه من اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939-1945) التي كادت ان تطيح بالقارة الاوربية في اتون الانظمة الشمولية والاستبداديه ذات الحزب الايديولوجي الواحد .
5. الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي الراسمالي والمعسكر الشرقي الاشتراكي (1945-1990) والذي كان من نتائجه ان سقطت الكثير من الدول والانظمة الليبرالية - ولاسيما في اوربا واسيا وامريكا الجنوبية - في احضان المعسكر الاشتراكي.
الا ان الانظمة الليبرالية في العالم استطاعت تجاوز هذه التحديات المباشرة بصعوبة كبيرة والانتصار عليها من خلال طريقين :
1. التحالف بين الدول الاوربية الديمقراطية والولايات المتحدة الامريكية في جميع تلك المواقف ابتداءا من الحرب العالمية الاولى وانتهاءا بالحرب الباردة , الامر الذي عزز الجبهة الغربية الديمقراطية في مواجهة الامبراطوريات الشريرة في العالم .
2. القيم الكونية والانسانية والعقلانية التي طرحتها الليبرالية , باعتبارها النظام السياسي الوحيد الذي يقدم البديل العملي للاستبداد والطغيان , من خلال مبادئ الحرية والمساواة وحقوق الانسان والتسامح وسيادة القانون واقامة المؤسسات الديمقراطية .
ثانيا : التحديات غير المباشرة :
1. التحدي السياسي : المتمثل بالانظمة والحكومات القومية والدينية والعسكرية والعائلية والاستبدادية والاحادية الحزبية والشمولية الاوتوقراطيه والقبائلية وغيرها ، والتي مازالت قائمة في العديد من دول العالم الثالث , لاسيما في منطقة الشرق الاوسط , والتي طرحت نفسها منافسا وبديلا للقيم الليبرالية والديمقراطية . وهذه الانظمة والحكومات هي الان عبارة عن جزر متفرقة هنا وهناك ، تقف امام حركة التاريخ وتفتقر الى مقومات الصمود بعد انتهاء الحرب الباردة , وانتفاء مبررات وجودها في اطار التوازن بين الغرب والشرق انذاك .
2. التحدي الثقافي : والمتمثل بالقيم والعادات والتقاليد والمفاهيم غير الليبرالية التي تتبناها بعض الديانات او الحضارات في العالم كالكونفوشسيوشية والاسلامية والسلافية والاورثوذكسية وغيرها , وهذه التحديات مازالت قائمه حتى الان , وهى في حالة صراع وتنافس محتدم مع القيم والنظم الليبراليه و تخوض معركه خاسره محسومة النتائج .
3 . التحدي الفلسفي : والمتمثل بالتوجهات البنيوية ومابعد البنيوية ومابعد الحداثة Post Modernite التي انتقدت السرديات الكبرى التي استندت عليها فلسفة الانوار والحداثة Modernisme كالديمقراطية والحرية والتنوير والليبرالية , وكانت تلك الهجومات النظرية والمنطلقات الفكرية مؤثرة جدا حتى وصف (الان تورين) هذا القرن بقرن (سقوط الحداثة) . وقد ظهرت تلك التوجهات بعد الحرب العالمية الثانية كرد فعل لظهور التيارات النازية والفاشية والشيوعية في اوربا , والاعتقاد ان الحداثة والليبرالية - كما انها انتجت التنوير والحرية والعقلانية والمساواة - فانها انتجت ايضا الفاشية والنازية والشيوعية , وان الوضع المابعد حداثوي – حسب تعبير ليوتار- يجب ان يتكز على انتقاد تلك المفاهيم والسرديات الكبرى التي انتجت تلك التوجهات الخطيرة والاقصائية . وقد كان رد فعل الفلاسفة الغرب امام تلك التحديات الفلسفية للحداثة قد انقسم الى مسارين : الاول , وتبنى تلك المنطلقات المعرفية والفكرية ودعا صراحة الى الى انتقاد الحداثة والهجوم عليها والتبشير بعالم اخر اطلق عليه مجازا عالم (مابعد الحداثة) وهذا القسم يشكل الاغلبية العظمى من اهم الفلاسفة الفرنسيين واهمهم فوكو وليوتار ودولوز وبورديو وغيرهم . والثاني : وهم الفلاسفة الذن اكدوا (ان الحداثة مشروع لم يكتمل بعد) وان من الممكن اعطاء المزيد من النتائج الايجابية ويقف على راس هؤلاء الفيلسوف الالماني هابر ماس . وبما ان الليبرالية هى الاطار السياسي للحداثة الغربية الحديثة , فان حظها من هذا الانتقاد والهجوم الذي قام به منظري مابعد الحداثة كان كبيرا جدا ومؤثرا , الا من حسن الحظ ان منظري هذا المنهج لم يطرحوا البديل السياسي المختلف عن الليبرالية , وبقيت وحدها في الساحة كمنهج عقلاني وموضوعي يمكن ان يطرح الحلول الواقعية للاشكالات المستعصية في البنى المتاخرة التي ترزح تحت ظلها المجتمعات البدائية والمتاخرة .
وصف القرن التاسع عشر بالعصر الذهبي للفكر الليبرالي، فيما اعتبر القرن العشرين قرن التراجع للتيار الليبرالي , والسبب هو تصاعد التوجهات الايديولوجية الثورية والشمولية كالماركسية والفاشية والنازية والحرب الباردة والازمات الاقتصادية وغيرها , الا ان هذا لم يستمر طويلا , فقد شهد العقد الاخير من القرن العشرين تحولا دراماتيكيا تمثل بانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 وتفكك المعسكر الاشتراكي وانتهاء عصر الفلسفات الشمولية والايديولوجيات الاحادية والتيارات الاقصائية والاعلان الحاسم بانتصار الليبرالية وانتهاء حركة التاريخ . وقد عبر عن هذا المفهوم الكاتب الامريكي والياباني الاصل ( فرنسيس فوكو ياما) في كتابه الخالد (نهاية التاريخ والانسان الاخير) الذي اصدره عام 1992 الذي اكد نهاية التاريخ – بحسب المفهوم الهيغلي - لان القيم الليبرالية كالديمقراطية والحرية والتعددية والمساواة والتسامح قد اكتشفت , وان جميع المجتمعات سوف تسعى اليها وتناضل من اجلها , وانه لابد في يوم ن الايام ان تصل اليها مهما طال الزمن , وان القوى الاستبدادية والدينية والعائلية والاقلية الحزبية والعسكرية تخوض معركة خاسرة امام حركة التاريخ , و لابد في يوم من الايام ان تسقط في احضان الليبرالية والتعددية السياسية . (وأن جميع أشكال الحكم عبر التاريخ البشري بداية بالملكيات المطلقة مروراً بالثيوقراطية إلى الشيوعية والفاشية تصعد وتسقط باستثناء الديمقراطية الليبرالية التي لا زالت سليمة ومستمرة منذ تبلور أفكارها في القرن الثامن عشر. بمعنى أن الليبرالية وإن لم تغلب على جميع دول العالم من حيث الممارسة، فهي انتصرت كفكرة. إذ لا توجد آيديولوجية تستطيع تقديم بدائل أفضل من مبادئ الديمقراطية الليبرالية، ولا توجد شرعية متعارف عليها عالمياً أفضل من سيادة الشعب) .
ان الانظمة السياسية الاحادية والاقصائية والاستبدادية والشمولية والعائلية في العالم الان والمتمثلة في النظام الشيوعي في كوريا الشمالية والنظام الاحادي في الصين الشعبية والنظام الاقصائي في كوبا والنظام الاسلامي الراديكالي في ايران والنظام الاسلامي القرو- سطي في العربية السعودية والنظام الاسلامي الاخواني في تركيا والانظمة العربية والعائلية والملكيات والامارات المطلقة في الخليج الفارسي , وغيرها من الانظمة التي تتبنى التوجهات الثورية والراديكالية والايديولوجيات الاسلامية والقومية والاشتراكية , اذا ارادت ان يكون لها مكان (تحت الشمس) في الالفية الثالثة , فعليها ان تقوم باصلاحات تدريجية وحقيقية نحو افق الليبرالية والديمقراطية حتى تقي نفسها صدمة التحولات التراجيدية والمفاجئة التي صاحبت الاحداث الدراماتيكية التي اعقبت الربيع العربي عام 2011 وتمنع نفسها الانزلاق نحو اتون الاحتراب الاجتماعي والاثني والحروب الاهلية والفتن الداخلية والانتفاضات الشعبية , فالليبرالية في عالم اليوم ليست اختيار ذاتي او مزاج فردي او اصلاح مرحلي او جدل سياسي عقيم بين المثقفيين , بل هى (دين العصر) وروحه المتسامية وقدر مفترض يجب التماهي معه كواقع لامناص منه والتكيف مع اطروحاته ومقولاته وقوانينه , والا فان عجلة التاريخ سوف تطوي في حركتها الشرسة تلك الانظمة والمجتمعات التي تسير عكس حركة التاريخ ومنطقه , او تلك التي لاتريد التكيف مع واقع الازمنة الحديثة والحقائق الجديدة الشغالة في العصر الحديث , وتطرحها مثل النفايات الكريهه التي يكون مصيرها الحرق في الساحات الخلفية او الطمر الصحي في المناطق النائية .(ففي نهاية التاريخ ليس ثمة منافسون ايديولوجيون للديمقراطية الليبرالية) .