حين تقع في غرام الرئيسة

علي دريوسي
2017 / 9 / 20

للعقول الحُرَّة

كنت أقف على ناصية الحارة عندما مرّت تلك الرائعة، تعرّفت لحظتئذ إلى الرئيسة، أدركت فوراً أنّها الرئيسة، كانت ترتدي بنطلوناً رمادياً وبلوزة ليلكية، أحاط الحُرَّاس والمرافقة بنا من كل مكان، شعرت بأنّها تضمني والكل يراقبني والأسلحة موجَّهة إليّ من كل صوبٍ، من السماء، من الأرض، من الجدران، من النوافذ والثقوب.

دعتني لمرافقتها، صعدت معها درجاً عالياً، وصلت معها إلى الطابق الأخير، شقة كبيرة بشكلٍ لا يُصدّق، عندما تدخلها من جهة الشارع يُخيّل إليك أنّها صغيرة ومتواضعة، لكن عندما تصل إليها وترى اِمتدادها إلى الجهة الأخرى تجدها كأنّها صارت مسرحاً يطل على المدينة، شقة كبيرة تسكنها العشرات من البنات والنساء اللواتي يقمن على الخدمة اليومية على مدار الساعة، شقة كبيرة يسكنها العشرات من الحُرَّاس الذين يراقبون كل شاردة وواردة في البيت.

دخلنا إلى غرفة نومها، قالت لي: لقد أغلقت ثقوبي كلها منذ زمنٍ، ولا أريد أن أفعل شيئاً فأنا الرئيسة في نهاية الأمر. ثم أضافت: دعنا ننام في السرير كي أهنأ بجوارك. فوق سريرها عُلِقَتْ لوحة فريدة من نوعها، سألتها عن اسم اللوحة والرسّام. قالت ضاحكة: دعنت نسميها اليوم خيانة لطيفة. وافقتُ على اِقتراحها، وقلتُ: ومن هو مبدع هذا الغموض؟ أجابت: الرسّام الإنكليزي الشاب الغامض بانكسي من مدينة بريستول الإنكليزية، اِلتقيته هناك وأهداني اللوحة. كان سريرها كبيراً عجيباً، جلسنا فيه، بدأت تقبلني. قلت لها: اِنزعي الأغطية عن ثقوبك فأنا لا أرضا أن أنام معك وأنت مغلقة معلّبة كعلبة سردين. قالت: دعك من هذا، لعلنا لن نصل إلى حالة دخول الثقب، وهذا أكثر راحة لي.

فجأةً رأيتها تفتح ثقوبها، كانت أغطيتها صفراء، دخلتْ إلى الحمام، عادتْ ترتدي بيجامة، تبادلنا القبل ثم نامتْ على بطنها، أمسكتُ مؤخرتها براحتي يدي، كانت بيضاء مطاطية، دخلتُ بها، بدأت تصرخ وتتأوه سعيدة، كنت فرحاً مهتاجاً، رحتُ أضاجعها وأنا في قمة الخوف، قذفتُ في داخلها ثم استلقيتُ على ظهري، غيرتْ وضعيتها، شكرتني، وضعتْ رأسها على صدري وأخذتْ تخبرني عن همومها ومشاكلها اليومية، مع زوجها ومع السلطة. ختمت حديثها القصير قائلةً: الزواج كالزجاج يا أحمد، هذه تجربتي في الحياة. لقد فعلتُ من جهتي ما ينبغي عليّ فعله.، لكن لا فائدة تُرجى مع زوجي العاق.

شعرتُ أنني لم أبلغ الذروة كما أشتهي، أخبرتُها أنني أرغب أن أنيكها ثانية، اقتربتْ منه حشرتْه في فمها، كنتُ مسحوراً. فجأةً وصلتها رسالة، دخلتْ إحدى خادماتها، أبلغتها أنّ عليها أنْ ترد على مكالمةٍ هاتفية لزوجها. لعلّها فعلتْ ثم عادتْ، تضاممنا ثم دخلتْ فيّ أكثر، أدخلته فيها كانتْ شبقة لكنني لم أبلغ الذروة، فجأةً حدثت حركة غريبة في البيت، علمتُ أنّها ينبغي أن ترافق كلبها لست دقائق. سألتها: ستتأخرين؟ أجابت: لا، لا، فقط ست دقائق كما في البرنامج، ثم أرجع إلى حضنك. اِرتدتْ ملابسها وغادرت بصمتٍ يرافقها الحُرَّاس.

كنت وحيداً ونساء كثر حولي، نساء يرتبن البيت، ينظفنه، يجمعن الغسيل ويتحدثن بصوتٍ خافتٍ، كان الوقت حوالي الرابعة صباحاً، خرجتُ وجلستُ على درج البيت في الجهة الأخرى حيث الحديقة الفارهة التي كثيراً ما قالوا عنها في الإعلام بأنّها مجرد جنينة صغيرة.

انتابني هاجس قوي بأنني صرت مريضاً بمتلازمة الشعور بالضياع الجغرافي. المرض الجديد الذي اِكتشفته لتوي جعلني أبتسم. في الطرف الآخر رأيتُ جبلاً صغيراً وأشجار خضراء وافرة الثمار، رأيتُ عائلات قد جلست على الرمل قرب بحيرة اِصطناعية، عائلات راحت تتسامر وتلعب و تغني، رأيتُ كل هذا وأنا بانتظارها وكان الطقس بارداً والسماء غائمة، فجأةً جاءت إحدى الخادمات وبيدها غطاء لي، دثرتني به، لكن البرد والصقيع أجبراني على النهوض، النهوض الذي لم أجرؤ عليه في البداية، ذهبتُ إلى غرفة النوم، نومها، كنت أهجس أنّه ليس من حقي، السرير عريض والنوم يغازلني، وددتُ أن أغرق في يم النوم والخادمة خلفي، الخادمة تشبهها وأنا لم تكتمل الذروة عندي بعد، الرئيسة قد تأخرت.

سألتها: أيسمح لي أن أنام في السرير يا ترى؟ أجابت: أنصحك أن تنام على الكنبة قرب السرير، حيث اعتدت النوم أنا، هي لا ترغب أن ترى أحداً عندما تنتهي من فعلتها ويهاجمها تأنيب الضمير، أو عندما تعود قبل أن يحدث هذا، إذ غالباً ما يكون مزاجها سيئاً، نم هنا، سأغطيك، سأدفئك وأحنو عليك كما أحنو على الرئيسة عندما تحتاجني. سمعتُ من الخادمة واستلقيتُ على الكنبة فوق غطائها الحريري، وقفتْ قربي، كانت تنبعثُ من مثلثها الذهبي أنغام رائحة لا يمكن للأنف أن يخطئها، مددتُ يدي إليه، حضنته بأصابعي الباردة، ابتعدتْ عني وهمست: ستعاقبني الرئيسة إنْ تورطتُ معك. قلت لها: لتعاقبنا معاً إذاً.

اِقتربت مني، دفنتُ وجهي بين فخذيها، شممتُ ما رغبتُ ثم أزحتها عني، أنزلقتْ على جسدي كصابونةٍ، عرتني، أمسكتْ بغصن الليمون وراحتْ تشمُ قشرته، تلسحها حتى نزّت الشهوة من كل مسامها، رمتْ بسروالها أرضاً، أدخلتْ الغصن إلى مركز توازنها، إلى الشرج، شهقـتُ من هول المفاجأة، شعرتُ أنّ الله يبتسم أخيراً لطعم النار الذي تغلغل بجسدي، مددت يدي كغريقٍ اِشتهى التعلق بحلمة نهد، أبعدتْها بيدها اليمنى وصفعتني بيسراها على وجهي كأنّها تأمرني بعدم الحركة.

مرتْ دقيقتان أو ثلاث أو أكثر، دخلتْ الرئيسة، رأيتُ وجهها منزعجاً لأنني أنام على الكنبة، اعتذرتْ مني وقالت: لا عليك هي الحياة هكذا ثم دعتني للنوم في سريرها. بقيتْ الخادمة حيث هي قرب السرير. نمتُ على بطني وهي فوقي، راح مثلث الرئيسة يبحثُ عن فتحة شرجي، ما أن شعرتُ بنزوعها حتى غيرتُ وضعية مؤخرتي لأسهّل عليها خدعة الاِحتكاك، وأنا أعيشُ بهجة الحالة ابتعدتْ عني لتخترقني إصبعها الوسطى، صرختُ بلذةٍ من وقاحةٍ لم أتوقعها، أحستْ بي أدخلتْ إصبعها أكثر، في تلك اللحظة دخلتُ في دوامة الذروة ودخلنا معاً في دوامة العناق والتَّضَام، انتشرت رائحتنا حتى وصلت إلى أنوف الحُرَّاس، هاجوا وماجوا ودخلوا إلى غرفتها دون اِستِئذان، أمرونا نحن الثلاثة بالنهوض.

قالوا لها: أنّ عليها أنْ تذهب. أذكر أنني حاولت تقبيلها وهي ترتدي ملابسها، قبلتني بدورها وعانقتني ثم سألتني: ألن تغضبْ زوجتك التي تنتظرك في البيت؟ هل ستخبرها بما حدث ويحدث و سيحدث لاحقاً بيننا؟ أجبتها: لا عليك، لكني أشعر أني سأموت هذا الصباح قبل أن أغادر بيتك، هناك من سيقتلني قبل أن أغادرك، لعلنا أقدمنا على فعل أكثر مما يسمح به الحُرَّاس.

في كل زاوية من البيت هناك حَرَس برفقة أسلحتهم المتطوِّرة، وأنا أسأل نفسي: ما الذي أوصلني إلى هذا البيت؟ ما الذي أفعله هنا؟ قالت لي: لا تخف أنت معي، خرجنا من البيت أشارتْ إلى خادمتها أن تأتي وهمستْ لها: انتبهي إليّ، أنا خائفة أن يغتالوني، أنت الوحيدة التي تعرف أسراري. مشينا نتحدث، أذكرُ أنّها قد سألتني عن طفلي وأضافتْ أنّها ترغب أن تصير عشيقتي إذ لم تمانع زوجتي.

كان الحُرَّاس بلباسهم وقاماتهم الرياضية وأسلحتهم يشبهون الغطاسين الخارجين لتوهم من عالم البحار، كانوا مجهزين بنظارات واقية وأحذية جلدية على هيئة زعانف وبذلات غطس بلون القصدير مقاومة للرصاص والماء وكذلك بأجهزة تنفس ضد احتمالات استخدام المواد الكيميائية المُلَوَّثة.

الأسلحة مصوبة تجاهنا، أنا أتساءل: هل نحن ماضون في مهمة سرية؟ لماذا أرافقها؟ لعلها ستنفصل عني في الخطوات التالية لتتابع رحلتها السياسية وحيدة كما اعتادت وأعود أنا بيتي، إلى نومي و سريري برفقة زوجتي. فهمت أن هناك سيارة خاصة ستقلني إلى حيث أشتهي، لكن الرئيسة تراجعت عن الموافقة على الفكرة خوفاً عليّ، لعلّ السائق سوف لن يتعرّف على الطريق الموصل إلى بيتي.

مشينا و مشينا، فجأة توقفنا تعانقنا وتخاصرنا دفعتها باتجاه جدار قريب استندنا إليه، تبادلنا القبل، شدتني من شعري، كانت دائخة، كانت ترتدي تنورة وقميصاً خفيفاً، كانت منهكة من فرط السعادة، مددتُ يدي تحت تنورتها، أمسكته، تنهدتْ وكأنّها تطلبُ مساعدة الحَرَس ورجال الإطفاء، مرتْ ثوانٍ معدودات، نظرنا حولنا، كان هناك حوالي ثمانية رجال مُدَجَّجين بالبنادق الكهربائية، صوبوها تجاه رأسي.

قال كبير الحَرَس بلغة فرنسية وبلهجةٍ مغربية: ما تفعلانه مع بعضكما البعض هو شيء مشين، يفوق حدود الحالة المسموح بتجاوزها. وأضاف: ستهبط الآن طائرة الهليكوبتر التي ترافقنا منذ البدء، لقد قام الكابتن بتصوير كل ما حدث حتى هذه اللحظة مستعيناً بتقنيات الليزر. سينزل الكابتن ليتكفل شخصياً بتصويركما عن قرب وفحص الأدلة التي قد تدين فعلتكما.

تكلمتُ مع نفسي: لعلهم اعتقدوا أنني أحاول اِختطاف الرئيسة، أو ظنوا أني مبعوث حكومة شرقأوسطية لاغتيال الرئيسة عن طريق حقنها بالقبل والعناق وإلا لما قرروا أخذ البصمات. وبينما أنا سارح في تهيؤاتي وتحليلاتي تعكّر شيء ما، هبت ريح، اهتز الموكب وتبعثر، علا الصراخ، هبطت الطائرة، طارت تنورة الرئيسة، أمسكها الحُرَّاس خوفاً على ساقيها من اللحاق بها.

فجأةً وفي خِضَمّ المشهد التاريخي ضربني أحدهم بأخمص بندقيته على كتفي ولحقها بضربة أخرى على خاصرتي، فجأةً لمحتُ صديقة قديمة كانت تقف بالقرب مني، لعلها تعمل في طاقم خدمة السفينة أقصد الرئيسة، أو لعلني لم أر أحداً. سألتني الرئيسة: من هذه السمراء؟ أجبتها: صديقة من الماضي. قالت: عليها أن تذهب بعيداً، سمعتهم ينوون قتلها. قلت: لعلهم سيقتلونني قبل أن أراهم يقتلونها. قالت: لا تقلق، الصحافة صارت في كل مكان، تراقبنا، تراقب كل شيء، الصحافة ترافقني في كل خطواتي، أحياناً عن قرب وأحياناً عن بعد.

مشينا قليلاً برفقة من يحمونها، ثم صعدنا إلى بناية عالية، وكأنّنا درنا دورة إهليليجية، دخلنا إلى عرينها من الضفة الأخرى، الجهة الغامضة من شقتها. كانت المفاجأة كبيرة بالنسبة لي. قالت لي للمرة العاشرة: لا تخف، لن تتأخر هنا، لن يقتلوك، لقد اتخذوا قرارهم بإجراء عملية جراحية لك، عملية صغيرة فقط، لقد وصل طاقم الأطباء قبل وصولنا بقليل.

سألتها: ما هو نوع العملية المُرادة؟
أجابت: سيجرحون لسانك، سيضعون في داخله مادة النسيان ثم يخيطونه.

وأنا في ذروة الخوف سألني أحد أبناء الحَرَس الخنازير عن اسمي. قرفصت قربه وسألته بدوري: وما يكون اسمك أنت يا صغيري؟ تدخّل أبوه وقال: اسمه إيليا. قلت: اسم جميل، حماه الله. كان من أهم ما لفت انتباهي أنّ الخنازير يتكلمون اللغتين الإنكليزية والفرنسية بطلاقة، لكنهم لا يتكلمون أو يفهمون الألمانية كي لا يتجسسون على الرئيسة إذا ما كان في ضيافتها شخص ما.

اقتربتْ الرئيسة مني، أمسكتْ يدي برفق، دبَّتْ حرارة حب في ذراعي، قالتْ لي بصوتٍ رخيم: الأطباء جاهزون، اِدخل إلى تلك الغرفة ذات الباب الأحمر، لن يطول الأمر، سيقصون لسانك كما أخبرتك، لا تقلق لن يصيبك معهم مكروه، إنّهم يتقنون عملهم، سيضعون بين شقيه مادة كيميائية خاصة على هيئة شريحة كومبيوترية، ثم يخيطونه، ستجعلك الشريحة تهبط في حالة اِسترخاءٍ سأحسدك عليها، بعدها ستبدأ مركبات الشريحة بالتَحَلُّل والذوبان لتأخذ طريقها إلى منطقة الذاكرة المركبة في المخ حيث تُخزّن المعلومات وليدة الحواس الخمسة معاً، دقائق وستنسى أنك تعرّفت يوماً إلى الرئيسة، ستنسى أنّها قد فتحت لك ثقوب التهوية في جسدها، دقائق وستنسى رائحتها وصوتها وشكلها وسريرها ومذاق جسدها وطراوة ملمسها.

نظرتُ إليها بعيون فتى دامعة وهززتُ رأسي أسفاً. جائني صوتها: هل أخبرتَ أهلك بشيء؟ قلت: لا، أبداً. قالتْ: هل اتصلتَ بزوجتك؟ هل تواصلتَ مع زملاء العمل؟ قلتُ: لا، لم يحدث. تابعتْ أسئلتها: هل ودّعتَ طفلك؟ قلتُ: لا، ما الأمر معك، بدأتُ أخاف، هل سأفقد ذاكرتي إلى الأبد؟ أجابتْ: لا، بل ذاكرتك المؤقتة، ذاكرتك معي، معي وفي بيتي وحسب. رفعتْ جسدها الرهيف على رؤوس أصابعها وطبعتْ قبلة ساخنة على فمي ثم أسندتْ رأسها الجميل على صدري، ضممتها، شممتُ رائحة شعرها للمرة الأخيرة في حياتي. اِنزلقتْ من بين ذراعيّ ورحلتْ.

بعد بُرهة رجعتْ الرئيسة، في الحقيقة لم ترجع، لم تكن هي، بل رأيتُ اِمرأة ثانية تشبهها، من رائحتها عرفتُ على الفور أنّها ليست الحقيقية، فاجأني المشهد، لم أقل شيئاً، استسلمتُ لترتيباتهم، لعلهم بدؤوا مرحلة استبدال الشخوص الحقيقية بشبيهاتها، لعلني لم ألمح حتى شبيهتها، لعلني لمحت زوجتي بابتسامتها الطيبة وملابسها المتواضعة!

أعدّوا لي فطوراً بسيطاً شهياً، فنجان قهوة، شرائح خبز طرية، عسل وبيض مسلوق. قدّموا لي كأساً من الزيكت، رفضته بتهذيب، ثم طلبت منهم السماح لي بتدخين التاباغ في غليوني البني، سألني كبير الحَرَس عن رأييّ في الرئيسة والسياسة. أجبتُه: لا يوجد مثيل لها في عالم النساء، ستبقى شهيَّةً مهما كبرت، أما السياسة فهي لعبة من لا عمل لديه. اِقترب الصحفيون مني، وكل منهم يحلم باِلتقاط صورة لي قبل فقدان الذاكرة، صورة تشهره، تقدَّم أشجعهم خطوة مني وقال بصوتٍ شبابي: سيدي البروفيسور هل ترغب بهذه المناسبة أن تضحك للكاميرا؟

كان قلقي الداخلي من فقداني لذاكرتي يفوق الوصف، فقد كنت أنوي أن أروي لكل من أحبهم ويثقون بي، بل للعالم بأجمعه، كنت أرغب أن اخبرهم ما حدث معي في الساعات القليلة الأخيرة، كنت أتمنى في الحقيقة أن أكتب للناس قصة تشهرني في الإعلام، قصتي التي ستحكي عن مشاعري الغريبة التي عشتها مع الرئيسة. لكن من أين لي حين أفد الذاكرة؟

ذهبت إلى الحمّام، نظفتُ أسناني، مضمضتُ الماءَ في فمي، وصل الأطباء، فتحوا الباب الأحمر، أدخلوني إلى الظلمة، أسقطوني في الغيبوبة، فتحتُ لهم فمي على مصراعيه، مددتُ لهم لساني إلى أقصى ما استطعت، إلى أقصى مما فعل العبقري أينشتاين في عيد ميلاده، مع اختلاف الأمزجة، فقد كان في ذلك اليوم بمزاجٍ عالٍ، بينما أنا اليوم في حالة مزاجية لا أُحسد عليها. أعتقد أنّه في تلك اللحظة بالذات تمكّن الصحفي الطموح الذي رافقنا إلى غرفة العمليات من اِلتِقاط صورة لي، لعله سيقارنها لاحقاً مع صورة صاحب القانون الفيزيائي الشهير: الطاقة هي حاصل ضرب الكتلة في مربع سرعة الضوء.

ساد الصمت، أمسكوا لساني بأدواتهم الباردة وراحوا يقومون بعملهم. لم أعد أذكر ما فعلوه معي وما حدث لي. هل ما حدث معي كان حقيقة؟ أم كان حلماّ؟ أم مجرد قصة؟ لكن عندما نظرتُ في المرآة وأخرجت لساني من فمي لأتفحصه وجدتُ وكأنّ مقدمته قد قُصَتْ سابقاً إلى نصفين متناظرين ولُحِمَتْ بإحكام.