قصة قصيرة جدا جدا - ماتت -

هاله ابوليل
2017 / 9 / 18

قصة " ماتت "

كان يوما عاديا , لن يكون ليس أكثر بهجة من أي يوم آخر
كتب في جريدة الخليج الخبر التالي .
" قضى خمسة أفراد من بينهم امرأة تبلغ العقد الثالث من عمرها في حادث سير مؤلم على طريق ابو ظبي – دبي ".

يوم لا يشبه تلك الأيام الغابرة التي يذهب فيها عشرات الرجال والنساء والأطفال في غزة
أ يمكن أن يمر ذلك اليوم كأي يوم عادي فيما لو بقيت هناك تلك المسكينة - بين أهلها.
فيما لو - فقط - فتحت فمها واعترضت على تلك الزيجة التي دبرتها الخالة اللئيمة.
لأول مرة اسمع عن الخالات اللئيمات , فمديح الخالة كان خطأ اقترفه الراوي ومضى.
لو لم يحدث النصيب القاتل ببداياته لتزوجت هناك وأقامت بين أهلها ,ولكنه هاجس السفر لدول الخليج حيث الرفاهية و الراحة والأمن .
كان يمكن أن يحدث ذلك الشيء نفسه –الموت ولكن بطريقه أشد وقعا .
ولكانت قد تزوجت رجلا عاديا وأقامت بين أهلها و من ثم
حصدتها آلة الدمار العسكري الإ سرائيلي .
توقفت ساعة الزمن . وهي تتحدث عن زواج سيكون عاديا و ميتة أكثر درامية بقذيفة صاروخية – فسفور أبيض – جرح في الرقبة - شظية في القدم , جميعها ميتات مقترحة.
كل ذلك يسير وسهل في غزة.
أيكون لموتها طعم مثل تلك المرارة التي تخلفها الجثث في مستشفى الشفاء.
اكان يوما سيمر لو كان موتها حتميا جراء قذيفة ترمى على المدرسة التي تختبأ بها جراء القصف التي تلقيه طائرات الأباتشي , وأف 60 التي تهبها أمريكا –الأم الحنون لطفلتها الصغيرة - إسرائيل المحصنة , كل عام و بالمجان.
ماذا ستكون ردة فعل , من يعرفها ., عندما يصبح خبر موتها خبرا عاديا في جريدة الخليج ,
بدل أن يكون لموتها قصة تتردد على جدار المدرسة إياها بلوحة دم مرشوش بالعبث.
ماتت وهي في طريقها من دبي لأ بو ظبي لغرض كما كما قيل .
توقفت أمام شتلات النخل المليئة بالثمر الأصفر اللذيذ على الطريق السريع .
قالت بسرها : سأخذ لي قطفا للصغير . ولم يتسنى لها اطعام نفسها فذلك لم يعد ممكنا .فملاك الموت يحوم حولها . إنه يمضغ حبات البلح اللذيذة ويرقب المشهد - هو نفسه كان حاضرا في غزة قبل ساعة وحصد أرواح العشرات -دفعة واحدة وهاهو يحوم حول الفتاة التي هربت من مصيرها هناك لكي تذهب معهم في نفس الموعد .
قد تتغيّر اماكن دفن رفاتنا , وقد نحظى بجنازة مهيبة أو جنازة عادية , لكن الموت نفسه لا يتغيّر .فهذه هي حكمة الموت الأزلية . إنه موجود دائما ومتوفر ولا يأتي متأخرا أبدا عن موعده .
هل ركبتم مترو دبي إنه يشبه بوابة الخروج - الذي يتوقف بك في محطات بعينها وينزلك من قطار الحياة إلى مصيرك الحتمي .
ما إن استقرت تلك الثمرات - الذهبيات على مقعد السيارة الأمامي , وإذا بقوة عظيمة لم تعرف مصدرها , تطيخ بها جوا - حيث اختفت ..
سيارة من نوع هيونداي -فضية - قديمة لم تحتمل وقع الصدمة فأخترق جسدها اثير الفضاء ثم جثت فوق شجرة والسائق طار جوا من أية نافذة أو أي باب لا أحد يعرف ّ .
لا أحد –حتى الآن - يعرف أين ذهبت الجثة!!
الهيكل الخلفي السيارة المحترقة ينبطح أرضا و نصفها الأمامي فوق الشجرة .
على ذمة الشهود , وكما جاء في محضر الحادث .
انهم وجدوا خاتما ذهبيا مشبوكا به غصن جاف لثمار النخل الذهبية.
أيمكن ان يكون ذلك صحيحا -لطالما كان الموت مجانيا وسهلا , والخسارة للفقيدة إننا لن نرى لها أظافرا ملونة بعد ذلك اليوم ولا غرة متسكعه من خلف حجاب يدعي الحشمة لا التديّن .
اترى الحياة مدانة!! كيف تحصد الأرواح وحدها بدون جثث مع الموت , تساعده وتقويه وتهبه الضحايا.
من لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد.
كيف ماتت ! !
ببساطة لقد ماتت .
,هل يعقل ان يكون موتها عاديا هكذا في حين كان يتسنى لها أن تموت هناك تحت سنابك دبابة اسرائيلية قادمة لتدمير مدرسة أو مشفى أو برج .
حقا كان موتا شبيها بالفاجعة ومديح الخالة لا يليق لذكرى الأموات .
حقا كان موتا شبيها بالثمر المتساقط من أعلى فوهة الأرض التي تبلع ضحاياها.
انه موت لا ينتظر الحرب وآلة الحصاد والقتل - أن يأتي مباغتا كما هناك هذا ما لا تحلم به هنا .
بل هو يصنعها بيديه وهو يلهو
موت ناعم ...... طيران... رحيل نحو الغيوم
موت لا يشبه الموت الكامل
بل يشبه ظله الذي على الأرض .


ملاحظة متأخرة.
بعد عشر سنوات ونيف تم الكشف عن مكان الجثة الضائعة التي تركت خاتما ذهبيا خلفها في ذلك الحادث الذي حصد خمس أرواح بدون جثث معروفة .
وجدت الجثة بلباس بحر فاضح على شاطىء جزيرة ياس مع أثنين من الشبان الصغار أحدهم صديق ولدها - الذي - لم يتسنى له أكل قطف البلح الأصفر الذهبي لأن روح امه ماتت !! . وجثتها ما تزال تتسكع على الشاطىء .فعلى عكس الموت بدبي . الموت بغزة يقتل الجسد والروح إنه موت معلن وصريح
أما هنا فالموت مختلف - تذهب الروح و يبقى الجسد ذليلا .