بعدها لم نلتق ِ

اسحق قومي
2017 / 9 / 17

النزيف الأول:
كان عائداً، من كلية الآداب ،حيث يتقدم لامتحانات تكميلية،ودمشق في نهاية صيفها ،كلّ شيءٍ فيها يلتهبُ...الطريق طويلٌ ،مابين أوتوستراد المزة ، والمرجة، ومواقف باصات، باب توما.كلّ الأشياء توحي بالدوار، غثيانٌ هو الوقت ، والفكرة المركزية تقول: كيف ليّ أن أكون؟!! الفقر ،والحرمان، والشمال بكل همومه ،ومتاعبه ، الأهل، ومواسم الحصاد التي أصبحت ،وكأنها أحلام العابرين إلى مثواهم الأخير.توقّف الباص في ساحة باب توما ،نزل يتفقد بعينيه كلّ الموجودات تباعاً. لازال الطريق إلى غرفة ،أخيه جانب كنيسة حنانيا ،بعيدة ، يمشي الخُطا متثاقلاً . همومٌ ، وصور أهله في الشمال تراوده ، لاتفارقه أبدا.، والده ،ووالدته، أخواته، إخوته، الأقرباء ، قريتهم البعيدة، وغبار الدروب الترابية ، التي طالما كان قد مشى عليها ،وهو لازال في ريعان الطفولة، مشاهد من مدينته، ونهرها الخابور ، وأسماءٌ تمر في ذاكرته، ربّما لأنّ وجو حسناوات دمشق تذكره بهنّ ، ويمرّ أمامه شريط تتكامل عناصر الرغبة ، والدهشة، والانبهار، والندم لنهايات ،مع كلّ واحدة منهنّ، تذكّر حبّهُ الأول، على شطآن نهر الخابور، وها هو يعبر في موكب جنائزي إلى نهاياته ، لكنّه لم يودّعه ، رغم أنه يؤمن بأن الحكاية ،قد انتهت منذ زمن ٍ طويل..كلّها أحلام وردية، ربّما تقتحم عالمه الروحي، لتجلو( بقايا صورٍ) ،لاتزال عالقة، في ذاكرته، توقّف عند بائع ٍ للخضار.وتذكر كيف كانت، منى تُقدم له تفاحة تُشبه، هذا التفاح الذي يملأ الصناديق عند البائع هنا، على جانب من قوس باب توما الأثري والتاريخي اليتيم عبر الأزمنة ، والمتبقّي منه ،بعد ما اختزن تاريخ الغزاة، والفاتحين، والطفاة.لماذا مرّت منى في ذاكرته؟!!
عجيب أنني لم ألتقِ بها منذ زمان؟!..منى تلك الفتاة التي تنتمي إلى حضارة العاصي، بكلّ أبعادها، وربّما كانت إحدى حفيدات ملكة إيبلا..من يدري؟! فوجه منى يشبه ،وجوه الملكات الغابرات ، منى التي مشت معه قبل أكثر من عامين، شوارع دمشق العتيقة، وتلك الأزقّة التي أخفت عليهما بعض أسرارها، وهمسات زواياها، والأضواء التي تكاد تذبل ،لولا ذاك الشفق المنبعث من هنا وهناك.منى التي كانت يدها لاتفارق يده، بينما هو كذلك ،راح يتلمس تلك التفاحة ،ويطلب من البائع، أن يضع له كيلو غرام من ذاك التفاح الذي تفوح رائحته الزكية ، بينما هو على هذه الحال، وإذا بصوت ٍ يبدو أنه لازال بعيداً ،يُناديه، أيّها الشقي، توقّف لاتتحرك...حتى أصل إليكَ...صوت أنثى يعرفه ،لكن لم يعرفه تماماَ.في بداية الأمر خاف ،ربّما كان قد أخطأ لامرأة ٍ أثناء صعوده الحافلة ، لكون الركاب يتدافعون، ويتصارعون على من يدخل أولا ،ليجلس على المقعد .الله من هي؟!! سأل نفسه ،ورفع رأسه، بينما كان يُشارك البائع في اختيار التفاح. يكفي، يكفي قالها البائع...سلمه المبلغ، بعدما تفقد الدراهم التي ستبقى معه .وما هي إلا لحظات، حتى وصلت بجانبه أنثى ، تقف وتسلّم عليه . أجل هي هي ،قالها في نفسه ..منى..أنتِ .آهٍ منكَ أيها الشقي!!! أينَ أنتَ.؟!!تحتضنه ،دون أن تحسب للحضور، والشارع والعادات، والتقاليد، تعانقه، وأرادت أن تقبّله ُ.لولا أنّ قِواها خانتها.. فمها، لم يتماسك بكلماته ، فانهالت عليه، أهكذا نسيتني أيّها الشقي؟!! وأمام دهشته، واستغرابه كيف كان يفكر بها، منذ أقل من عشر دقائق ، تَفَقَّدَ ذاكرتهُ . أجل أجل منى تلك التي تعرفها ، وتعرفُ حدود دقّات قلبها، وولهها ،وحبّها لكَ.قالتها بكل ّ شوق الأنثى ، بينما راح وجهه يفضح كلّ شيء في دواخله ،وقلبه بدأ يخفق ،وكأنه أضحى طائراً ،وقع في شباك صياد ٍ لايرحم..أجل أنتِ، كما أنت رائعة...لم تتغيري، بل ها أنا أتذكر يوم التقيتُ بك، جانب بيت ذاكَ الصديق...آهٍ لكِ!! وكمْ من مرة ٍ ؟!!وأنا أرتب لكِ أحاديث العاشقين ،مع قوافل خجلي الجزراوي ؟!!...وكمْ من مرة ٍ؟ وأنا أودّع أفكاري خوفاً على كلمة تقتحم عليّ ،هدوء وسكينة الليل؟!!.
كنتُ دوما أشتاق . توقّف وتنهّد، وتابع قائلاً .أعترف بأنني فارس يهزمهُ الخجل الطفولي ، ربّما كان سببا في أنني فقدت حبّي الأول ،إلى الأبد..تركا كل شيء ،وراحا يسيران معاً. تعالي معي فغرفة أخي ليست بعيدة من هنا .. تعرفين أين تقع.!..ألم نسير َتحت جنح الليل، وبقايا أحاديث أهل البيوت، تدخل آذاننا عنوةً؟!!ألا تتذكر كم كنتَ طماعاً أيها الشقي؟!! ولاتزال شفاهي ها هي تعرفك، وتعرف وحشيتك وبوهيميتكَ ، ضحكا ضحكاً غريبا .. أجل قالتها :أنا الذي أذكرها أيها الشقي..
من المسبك البراني، كان اللقاء الأول. وها هو يرحّب بهما مرّة ثانية. وصلا الغرفة ، صعدا إليها على درج ،لم تتكامل صفوفه، لاتتعثري ، على مهلٍ، انتبهي..كانت الغرفة فارغة ،سوى خيالات ٍ، وأحلامٍ تجتازها عبر ذاك اليوم. أصوات ،وعبارات، أحاجٍ وقصص، وحكايات، وتفقّدٌ للنقود المتبقّية، حتى نهاية الامتحانات، رائحة الأكل تأتي من الجيران، لكنّه لايجرؤ على أن يقول ،معدتي خاوية.تركا كلّ شيء في تلك الغرفة، واتفقا على أن يخرجا حيث دمشق العاشقة القديمة ..
دعي كلّ شيء، سنعود إليها، فيما بعد. لا. لا ..الأمر ليس كما تتصوّر ،فهي ليست ثقيلة عليَّ...وأغلقا الباب ،ومضيا ، وما إن خرجا، من الممّر الضيق، الفاصل مابين بيت جيرانه، وذاك الشارع الذي كانت سيارة ابن عمه يوسف المجنّد الذي يعمل سائقا في مشفى دار التوليد العسكري ، تمرّ منه ،حتى أمسك بيدها، بينما راح يحسُ بإحساس غريب يجتاحه، وسألها هل أنت كما أنا ؟ ضحكت، وقالت: مَنْ قالَ لك َ كما أنتَ، بل أنا حريق يجتاحني ، أيها الشقي ، لقد أوجعت يدي أيها المتوحش ،كفّ لاتعتصر أصابعي ، لكنني أشعر بلذّة لهذا العنف الذي يصلني منك.وصلا إلى مكان ،كانت لهما فيه ذكريات ، جلسا على المقعد الخشبي، هناك بالقرب من مشفى الفرنسي في القصاع ، كان المساء، قد بدأ يُخيم على الوجود، جلسا على ذاك المقعد، ولكن يده لاتزال تمسك بيدها ،وأرادت أن تشدَّ يده وتقبّلها، وفعلت، احتضنها ،وراحا يتهامسان، بشوق الأنثى التي فقدت زوجها ،ولكن الشقي لايدري بكلّ ما جرى لمنى ، حتى الآن ، ولكونه من الرجال الذين يقدرون ،ما معنى شوق المرأة أحسّ بشيء غريب ،ولكن ربّما يكون على خطأ، تختلط عليه الأفكار ، هل سيدعوها إلى عشاء خفيف ،أو فنجان قهوة؟!! فقد أشتاق إلى أن يحتسي القهوة معها.ولكن أحواله المادية التعيسة، والتي لم تسمح له بالزواج ،ولابتحقيق رغبات عدة، هي التي تؤجل دعوته لها ،يُقسم في نفسه لو فقد منى بسبب الحالة المادية، التي كانت أساس فقده لحبه الأول .يعني أنه سيكره كلّ أنثى على وجه الأرض إلى الأبد ..تشعر بأنه يبتعد عنها ،على الرغم من أنه يلتصق بها بحرارة . أما هي فكانت تشعر بنشوة عارمة، همست له قائلة ً: ألا يكفينا هنا ؟!! تعال لنغادر المكان ، أجل كلّ شيء يوحي بالغثيان، بنشوة الروح ،والجسد لكن للمارة طقوسهم ، بعضهم، يهمسُ ،وآخرون لهم من الخطى المتثاقلة مايفسر حالتهم ، غرباء ،من مجندين، وطلاب جامعة ،وأهل الحارة تعرفهم من أصواتهم الشامية الرقيقة ، بقايا سُكارى هناك ..لكنهما وحدهما يعيشان نشوة اللقاء . أرادت أن يُقبلها، ضمت يديه إلى صدرها النافر، ليس للكاتب من قدرة على وصف صقرين، من صقور الجبال العالية، وبحنان فائق ومنقطع النظير . ها هي تقرّب شفتيها ينظران لا أحد ،ويستغرقا في قبلة ،لم يعيشاها من قبل معاً منذ أكثر من عامين . .
أنفاس متقطّعة ، تَلمّسَ شعرها ،وسألها، وماذا بعد أين تسكنين ؟!! هلميّ نعود
إلى غرفة أخي ربما تأخّر الوقت!!.
،صمتت ،وقالت له : سأخبرك بالحقيقة ،لكن لن أُبقي سؤالك لغزاَ محيراَ، ليس الآن، ليس الآن تعالَ معي... أسألُك هل ستأتي معي؟!! حيث المنزل الفخم، وغرفة منه تحتوينا أنا وأنتَ؟!!
وفيها مقومات، لنعيش كما قرأنا في القصص الخيالية. أجابها ،وليكن كل الليل لك ،ولي بقايا أمان ٍ . سأخبركَ بالحكاية حتى لا تتفاجأ .وأنت تعرفني مثلك فقيرة، ومنذ أن قررت أن أتوقف عن متابعة دروسي الجامعية، تزوجت مهندساً للبناء غنياً ملأ عليَّ حياتي، ووفر لي كلّ مستلزماتي المادية ،والروحية، والعاطفية، وأيقنتُ مع تجربتي معه ، بأننا نستطيع تجاوز عقد الحب الثابت الأفلاطوني .كان المتمرّد، يتلهّف لحديثها ، وأن تكمل ليصل إلى ميناء يستقر به ،فهو لايحب الإبحار في أيام العواصف، إي قالها :أكملي ،أكملي بالله عليك ِ ،أريد أن أعرف الحقيقة ، وماذا بعد أخبريني، كان يقولها بينما يده بشكل آلي راحت تعتصر يدها الغضة ؟!!...على مهل سأخبرك، بأنني عملت عند مهندس، أُعجب بي يوم تركتني أنت، وأخوكَ، وودعتما دمشق ،هل تذكر، دون أن تكترث لي وتودعني بكلمة واحدة ٍ ، أتذكر هذا ، فقد لحقتُ بكما إلى كراجات الباصات في البرامكة؟!! .في ذاك اليوم التقيت، وبالصدفة بشاب على موقف الباص، وأُعجب بي، و دعاني إلى عشاء في مطعم صحارى هناك على طريق بيروت ، فقبلت دعوته ،وأثناء الطعام تحدثنا مطولاً وقررنا أن نبدأ تاريخنا ، لا تسألني عن سرعة ،موافقتي لقرار أرعن ، فأنا كما تعرف بحاجة إلى نقود حتى أعيش أولا ً، وحتى أتمكن من تقديم كلفة الدواء لوالدتي ، وأبي لم يعد يطيق الحياة ، لهذا وافقته .في البداية اتفقنا على أن أعمل عنده ، كسكرتاريا .وربّما أقوم بدور ٍ في غيابه ،يُشبه معرفته بالقضايا الخاصة بالبناء.ولكوني لست غريبة عن اختصاصه، فقد بقيت عنده، لأمرين :لراتبه المغري، ولكوني بدأت أشعر، أنه بدأ يتقرب مني عاطفيا.وما هي إلا مدة قصيرة حتى بدأنا نعيش تجربة ،حبٍّ وتم زواجنا قبل عام من الآن.نظر إليها بعيون حزينة ، وهو يقول في نفسه أنني فقدتها إلى الأبد...إلا أنها راحت تتابع قائلةً: بينما كان زوجي يتفقد، إحدى البنايات العالية ،سقط من فوق.واعتصرت يدهُ.وبدأت تبكي...يندهشُ منها المتمرّد وراحَ يتلمّس شعرها، ويحتضنها، ويواسيها قائلاً . كفى منى ،أخبريني ،إي وماذا بعد؟!! لقد مات بعدما أوصلوه إلى مشفى المجتهد ، أنتَ تعرف مشفى المجتهد، وتعرف مدى الازدحام ،لقد سقط على رأسه ،من مكان عالٍ، في يوم اشتدت فيه الرياح، وتعالت الأتربة، فكان إن سقط ،ومات...أجل هذه قصتي يا أيّها الحبيب ،نظرت إليه، والدموع تُغرق عيونها ، وتتلمس منه عطفاً فقدته للأبد.. تعال معي سأريك بيتنا ،ليس بعيداً من هنا...وفي البيت أم زوجي ،فهي امرأة تقارب الستين لكنها جميلة ونشيطة ، أقوم أنا، وامرأة برعايتها وتدبير البيت ،ولايوجد لها سوى ابنة متزوجة، في الأرجنتين ، فهي أكبر من المرحوم زوجي.وليس لهم أقرباء، فجميعهم قد هاجر منذ منتصف العشرينات إلى الأرجنتين.
في هذه الأثناء أصابه الدوار، سألته ما بكَ.حالا دارت في رأسه ِ فكرة توارثها عن مجتمعه ِ، بأنّ هذه المرأة (قالوعة) أي تقلع من تتزوجه، همس في نفسه ياربي ماذا؟؟ لكنهما، وصلا أمام البيت ، ماذا يرى؟!! قصراً من القصور الدمشقية القديمة!! لم يرَ مثله سوى ما رآه بجانب منزل مدّرسته في الجامعة للغة الإنكليزية، الدكتورة جوليت عويشق، أجل تذكر يوم زارها ،وجلس معها، وبدأت تستشيره في أمور نفسية وسلوكية ،عن ابنها الوحيد (نيقولا) الذي يُعاني من معوقات سلوكية، وعقلية ، وتذكر ابنتها الدكتورة (…) التي كانت قد أُغرمت بأحد بائعي الأقمشة في سوق الحميدية ،والأخرى التي تتابع دراسة الهندسة في النمسا . في هذه الأثناء شعرت منى أنه غابَ عنها، وصاحت به ،ادخل أيّها الذي أحبه، أيها الشقي.....دخل، وإذا بتلك المرأة أم زوجها، تسأل كنتها، من معكِ أهو أخوكِ؟ لا لا صديقي يا أماه..صديقي المتمرّد من الشمال، من الجزيرة السّورية، هؤلاء يُقال عنهم أنهم يحفظون العهود، كأنهم رهبان ديورات طورعابدين، أو دير القلوبين. سَلَم َعلى المرأة،كانت تجلس على كرسيها الوثير ،رحبت به أجمل ترحيب ،ولم تتوقف.هاتي لي نظارتي من فضلك، حتى أرى صديقك، بشكل واضح ، وحين لبست نظارتها ، صاحت الله كم يشبه ….، ما أجمله يامنى؟!! وطافت عيونها بالبكاء..وضع يده على كتفها ،وأخذ يدها وقبّلها وقال: لو شئت، سأكون كما تشائين،أقسم بالرب ، وراحت تنهال عليه بالأسئلة ،وهو يُجيبها، بينما كانت منى، قد ذهبت لقضاء حاجتها ،وربّما لتحضّر لهما بعضا من الطعام.لقد تعشيتُ قالت المرأة أم زوجها ..كانت وديعة هنا قبل قليل ، وديعة المرأة التي تهتم بي وبنظافة المنزل والطعام وغيره ، ومنى ، لقد حققت كلّ ما أريده ، والآن أريد أن أذهب للنوم.
اعذرني ،سأراك غداً ، ولكي يُشعرها بتربيته راح معها إلى باب غرفتها ، ودعها بقوله تُصبحين على خير. قالت له: لا تذهب فالبيت واسع ،ولك أن تنام. أثق أنك ستحكي لي غدا قصتك كاملة.
ودعها ،وراح يغلق عليها الباب، بينما كانت منى ،قد أنهتْ تحضير الطعام ،ودعته ُإلى العشاء. ربّاه كيف له أن يُقارن ،مابين ما يأكله ،هو وأخوه ،ومابين ماشاهده من صنوف الأطعمة ؟ لايمكن أن يُقارن بين الحالتين، أحست منى بدهشة خجولة تجتاحه. لا . قالت: لاتفكر ياصديقي بشيء. كل هذا هو على مايبدو من نصيبنا. هكذا الأقدار.صدقني وأقسم لك أناس يتعبون ، وآخرون يحصلون على تعبهم ..
تنهّد وقال :لها وهل أنتِ واثقة من نفسك على ما تقولينه؟!.
أقسم لك بالله ،لقد أخذتَ كلّ شيء مني.يوم رحلت دون أن تودعني، روحي وكياني ووجودي ،وهيبتي ، أنا أنثى، كما تعلم، واليوم في هذه الليلة ،سأسترّد منكَ ،وجودي، وحضوري في أعماقكَ . لا عليكَ تفضّل، وراح يأكل معها، وهي تحدّثه كأميرة ٍ،تجلس على وثير من المجد.انتهيا من الطعام. السجائر، والقهوة، وأحاديث طويلة ،وعميقة، وبصوت خافت قالت له: تعال ألم يحن وقت النوم؟!! تعال ،لندخل إلى غرفة النوم.
ماذا؟! غرفة النوم. ؟!! أجل، وهل لديك أدنى شك بإخلاصي لرجل ،رحل، وماتَ إلى الأبد؟!!. لكنني أنا موجودة ،ومن حقي أن أعيش. وأنتَ كنتَ ،كالحلم بالنسبة لي .وكنتُ أتمنى أن تكون بيننا علاقة تؤدي إلى زواجنا . وها أنت َ كما أنتَ ، بكلّ دهشتكَ، واندفاعك الوحشي ، تُعجبني بوهيميتكَ ، وهذا أحبه بكَ .هل أنتَ مخطوب؟!! أجابها لا .هل تُحبّ غيري؟!! أجابها كنتُ أحبُّ ولكنها مع الأسف تزوجت وتركتني لكوني كنتُ فقيراً ،،،.إذا ما المانع ؟ أمسكته ُمن يده، وأدخلته إلى غرفة ،وكأنه في حلم من أحلام ألف ليلة، وليلة، أو إحدى ليالي هارون الرشيد ،مع وصيفات قصره ، وأيام العز..ماهذا يامنى؟!! قالت له انظر، وأنا يوميا أنام باكية لوحدي ،على هذا السرير الوثير، وأتفقد الرجال الذين لا ينتهي يومي، مالم يتحرشون بي آلاف المرات ، وأقف عند بعضهم ، ولا أحد يستوقفني سواك ،وأقسم ، أيها المتمرّد من الشمال.أتذكرُ يوم تعارفنا؟!. فلا تتركني أندم على الحياة كلها بعد اليوم ، تعالَ...كأس من ...النبيذ. ربما لا...هناك.. ويسكي. كما تشاء..بيرة..عرق ريّان ، أوعرق توما ،لا أفرض عليك لكنني على ثقة ستفعل.
سألها ،ومتى يعود إلى غرفة أخيه ؟!! قالت: له حرام عليك ،وتتركني لوحدي في هذا الليل ..حرام عليك يا رجل ،كفى.
وأخذت سجارتها، وأشعلتها، وأعطته إياها، وراحت تغرق كأسه بعرق الرّيان ، وليس هناك من لحظة ليتفقد فيها ما قبل هذه اللحظة، حين غبّت من الكأس نصفه دفعة واحدة، وراحت ترمي بكل ما كان عليها من لباس هنا، وهناك ،وولجت لغرفة صغيرة هي الحمام ،وبدأ الماء يغسل جسدها،ضحكاتها تعلو المكان، أصوات الماء المندلق ،تعال اسكب على جسدي الماء، تعالَ أيها الخجول، ..بينما كانت قد انتهت، وخرجت كأنها حورية، أو جنية ،من الجنيات اللواتي كانت نساء قريته، يحكين عن جمالهن في ليالي الشتاء، أيام قريته البعيدة.(تل جميلو ).تعال أدخل، وخذ من الماء مايغسل جسدك تعال... لكنه ينظر إلى فتنة مابعدها فتنة ، ليس الخمرمَن فعل به، بل تلك الأعطاف التي يتوقف عندها الشاعر طويلا ، فكم قصيدة، عليه أن يكتب لها هذه الليلة ، لربّما ولا قصيدة تشبه القصائد .؟...
امرأة شابة لم تتجاوز الرابعة والعشرين من عمرها ، طويلة القامة نحيلتها ،تعال كفاك تفكر أنا لكَ ، أقسم لن، ولن أدعك ترحل فيما بعد ، أقسم سأحرق الجسد ،وكلّ الأشياء...دعني أعيش، كما أرادَ القدر في هذا اليوم، حين التقيتُ بكَ!...
بينما كانت عيناه تنظران بدهشة،الله هل للكروم معاصر .همس قائلاً ؟!!، أجل أجل أجابته وأنت الكرّام ،وأنا الكرمة ،والخمر، والنبيذ الإلهي المعتق ، ألم تقرأ في الأساطير اليونانية عن حوريات البحار؟!! أنا على يقين أنني أخرس حين يكون حضورك طاغياً ،سيما في الجانب الثقافي...آه يامنى ،هل للصقور من أب ٍ أو أمٍّ يُطعهما؟!!أم للشفاه من يرشف من شذاها ؟!! ليس للكأس بعد، ولا للسجائر التي انتهت ،وراحت ترش على جسده بالماء وهو يضحك بخجل، لا لا.. تعال.كفى ... لم يعد للصوت غير أنفاسٍ تحرق ذاك السرير...من يدري متى ناما؟!!
لا أحد يُخبر عن سرِ الكاهن الجوعان القادم من الشمال ، أجل كراهب بوذي أنهى للتو صلاته، أو أحد كهنة معبد شمشو .في بلدته حين يوقظ الناس للصلاة قبل بزوغ الشمس ، لم ينم بل كان يحتضن جسدها بكلّ وداعة ٍ وحنان...
**
النزيف الثاني: :
ليسَ للفجر، قُبرة ،غير فَمكِ،وليس لأنفاسكِ، غير صدري، تعالي، سنملأُ جرارنا من الخمور المعتقة في عينيكِ، تعالي ،قبل أن تستيقظ السماوات، و نرحل إلى حيث، واجباتنا اليومية، كان يهمس على مقربة، من أذنها،وبهدوء ،يتلمس أطراف جسدها. لم يترك مكاناً ،إلا مرّه، والنشوة العارمة تجتاحه ،كالسيل العرمرم.
صرخ ،وكتم الصراخ ، يا الله ما هذا الحلم؟!! هل سيدوم؟!!
أيقظها ،فرمت بكلّ جسدها، بين أحضانه، صباحكَ الياسمين، وأنا أقول لكَ ،انتبه ،لاتوقظ كلَّ مشاعري ،فقد تسكر إلى الأبد.قالتها: وهي تبتسم، فَفهم منها ما أرادته، وكانت أغنية طويلة، حتى شعرا بجوع يجتاحهما، نومٌ آخر وزياراته لكلية الآداب تنتظر ذاك المتمرّد من الشمال، كلّ زميلاته اللواتي كنّ ينقلن منه خابت كلّ أحلامهنَّ..ربّما لايريدنا أن نذكرهنّ هنا..لكنّ واحدة منهنّ من حمص إلهام( غ) وطالبة من كلية الحقوق ، تعرفُ طريق غرفته في باب توما (جانيت،ل)...وأما بقية الزميلات فلا يعرفن له أينَ تستقر به الليالي.
، سها عنها ،وراح يلثم شفتيها، وصدرها.أيقظها من سُباتها العميق وحين أرادت أن توقظه للحقيقة بأن عليهما واجبات ، قال لها: دعيني في فردوسك وبحزن ، صمت وقال لربّما لا!! ماذا تعني بكلمة لربّما لا؟!! سألته قائلةً.
لن أترككَ ترحل ،وتعود للجزيرة أيها الشقي، يا فارسي، وحلمي العتيق. لست َابن جارنا الذي أحببته ،يوم جاءنا ، وهو يحمل عشاء للعيد ، وعندما شاهدته وأنا في سن المراهقة ، أتذكر أنني تحايلتُ عليه، ليضع صحن العشاء على الأرض، بينما رحتُ أقبّل وجهه، لن أتركك لو تفجرت الدنيا ..
أطلبُ منكِ أن تتركيني لأذهب إلى غرفة أخي، وبعدها أذهب للكلية فهناك أكثر من وعد مع زملائي وزميلاتي ؟!! سألها، وهو يبتسم ، لاتأتمن جانبه، ليس لأنه غير مخلص لها، ولكنها أحست بشيء من الحيرة تجتاحه.
الأنثى لديها من الأحاسيس لايمتلكه الرجل.
أوافقك الرأي على أن أذهب معك، إلى غرفة أخيك..وبعدها أرافقك أينما تذهب . هل أنتَ موافق؟! أجل لا بأس .!!.
خرجا من الغرفة ،بينما صوت المرأة أم زوجها ،يُناديهما، تعالا ، تعالا إليّ أنا بحاجة إليكما، منى يا ابنتي تعالي ، لقد جاءت وديعة ،ورتّبت لي جميع أموري ، يبدو أنكما أطلتا السهر بالليلة الماضية، يبتسم ويقول لها: ياعمتي كل ما تقولينه صحيح. تفضّلي ماذا تريدين؟ سألها المتمرّد ..قالت له: اليوم مساء أريدك َ هنا ،وأمامي وعلى مسامعي أريدك، أن توافقنا الرأي بموضوع زواجك من منى.لا تكابر ،وأنا أفهم الرجال، وكلّ حركة كما أفهم منى.
منى بحاجة ،إلى رجل مثلكَ..ماذا تقول؟!
اندهش ولم يُصدق ،هذه اللحظات التي يمر بها. البارحة اللقاء مع منى ، واليوم هذه تقول ما كان يُكلفه الملايين حتى يستطيع قوله، وهو الفقير ؟ّ، تأتي منى، وتؤكد على ما قالته حماتها ...أجل سنعود يا أمّاه قالتها منى. قبّلتها من وجنتيها ،وقبّلها من رأسها ،ومضيا خارج القصر ،وبّوابته التي زيّنتها عرائس الياسمين الدمشقي.
في الطريق، سنمرّ على مكان نحتسي فيه قهوتنا أليس كذلك؟!! سألته لكنه صمت ، أنتِ تعرفين حالي، ضحكت وقالت له: هل أنت أنتَ؟ وهل وصلتك الفكرة، منحتك أغلى ما أملك ،وأنت تقول لي هذا؟ ! أنا لست زانية، أنا أحببتك قبل هذا ، هل نسيت ما قلته لك؟!! والله لو أريد رجلا للجنس سأشتري كلّ يوم أجمل الشباب . سامحك الله، لست عاهرة، نامت بين أحضانك َ،وإن كررت ذلك، أقسم سوف لن تجدني بعد اليوم ،لكن أرجوك تحمل غلاظتي، وعليكَ أن تثق بي وبحبي لك لربّما أنتَ لم تُحبني وهذا حقكَ ، هناك على مقربة من القصاع مقهى ، دخلا إلى آخر المقهى ،جلسا وطلبا قهوة ،وبعضا من الحلوى...سجائر تحترق، وكلمات عاشقة تزيّن ذاك المكان، بينما راح يتلمّس أصابعها الرقيقة قائلا: لها ما أجمل يديك؟!! ما أروع وجهكِ ؟!! ما أروع حنانك يامنى؟ لن أكذب عليكِ لقد أُعجبتُ بكِ في هذه الليلة ، كم شعرتُ بنشوة غريبة لم أعشها من قبل؟!!، بينما راحت تقول له: وهل كنتُ أقل منك شعوراً حيث ملأت عليّ بمشاعرك الرقيقة كلّ كياني ؟!!، !!!
وبعد أن شَربا القهوة ،وانتهت السجائر خرجا باتجاه غرفة أخيه ، وهما في الطريق إليها لابدّ لهما أن يمرّا ببائع الخضار ، توقفت وقالت: أريد أن أبتاع بعضا من الخضار ،لي ولك، وفي غرفة أخيك سنأكلها ،البارحة اشتريت تفاحاً أليس كذلك لابأس سأشتري من الكمثرى ، أجل لابأس ،حمل بدلا عنها الكيس ،وهما يسيران باتجاه غرفة أخيه ، امرأة من مدينته تسلّم عليه، وتعاتبه، وهل نسيتنا يا أستاذ ؟!! قالتها بحزن عميق، وببعض من السخرية؟ هذا عنواني ،لا أريد أن أنزع اللحظات الجميلة، التي تعيشها مع هذه الإنسانة الرائعة.
مضت سميرة ، وكم لعن اللحظة التي التقى بها.؟! فهذه المرأة تعشقه لكنه لا يريد أن يتقرب منها.
لحظات ،والصمت يُخيم على المشهد، سألته ما بكَ ،ومنْ هذه ؟ أو أقول لكَ لايهمني فليست جديرة بأن أضيع وقتي من أجلها.
أجل أجل ، أقولها لكِ هذه تعشقني وأنا لا أريدها...هذه خلاصة القول.
وكيف جاءت إلى دمشق، هل تعرف ذلك؟ أقسم بالله لا أعرف شيئاً عنها منذ سنوات ويبدو أنها تريد أن تصطاد بالماء العكر. دعيني منها رجاء.
وصلا إلى باب الفناء (الحوش) الذي توجد فيه غرفة أخيه، ها هي أم فادي ،تلك المرأة الصدية الرائعة...أهلا بك أيها المتمرّد كيف حالك ؟!!منذ البارحة لم نُشاهدك هنا ، شكراً يا أم فادي، أنا بخير، أعرفُكِ على صديقتي منى...طالبة جامعية كانت معي .أجل أجل إذا أردتما أمرا ، فأنا هنا يا أيّها الرائع ،قالتها أم فادي.
صعدا درجا يتّجه للشرق ،وبعد الانتهاء يأتي باب الغرفة ،فوق السطح ،وتشكل الطابق الثاني،هنا أضع مفتاح الغرفة .وبصوت فيه الجديّة ،قال لها: يامنى لا تعرفي مكان المفتاح، وتأتي وتسرقي، محتويات غرفة أخي!! فضحكت ،وضحكَ طويلا. غسلا بعض الفواكه وأكلا...وطلبت منه الخروج وقبل أن تخرج ،وضعت على الطاولة، وتحت الكتاب الذي عليها، خمسمائة ليرة سورية كهديّة للغرفة.عاتبها ، قالت له لا عليك .هذه هديتي للغرفة ،سكت وقال: لها شكرا، يامنى..
اقتربت منه منى ،وقبّلته ، قبّلة من شفتيه.
هل هذا يكفي يا حبيبي؟!! الله قالها في نفسه، هذه تقول حبيبي !! إنها على مايبدو قرّرت، وانتهت كليا من قرار زواجنا ،وعلى ما أعتقد أن المرأة حماتها، هذا ما كانت تقصده عندما قالت : أريدك في المساء. هنا عندي .
منى...منى سألها، ما رأيكِ بكأس من الشاي، أحب الشاي الدمشقي ، فماء الفيجة صاف ٍ؟!!، سأقوم أنا أعمل لكِ ولي،قالها : لا لا أنا سأعمل الشاي ، أقسم سأشعل البابور قالتها : وهل تظنّني أنّي نسيتُ ماضيّ ،ونسيت بأنني ابنة العاصي...لستُ على استعداد أن أنهي حياتي في شخصية غير شخصيتي . تأكد تماماً أنا منى التي تعرفها من قبل ..
أشار بيده إلى خارج الغرفة ،وقال هناك تجدين البابور وكلّ شيء .. أجل أجل، وبعد فترة جاءت بإبريق من الشاي، وقد وضعت السكر في داخل الإبريق كما يصنعه أهل العاصي والجزيرة ، بينما راح يُشعل سجارته ويُفكّر.
ماذا ،ولماذا، وبماذا تفكر أيّها الشاعر الحبيب والكاتب الأريب ؟!!!ا !!!!!
في المساء ستكون غير ما أنتَ عليه الآن. انتظر.
شربا الشاي ،والسجائر يلتهمها ،كأنه لم يشربها في حياته، إنه يفكر في أمر خطير.كيف يريد أن يتخلص منها، ومن كابوس أنها امرأة يموت أزواجها، أوبتعبير أهل الجزيرة ، إنها امرأة( تقلع أزواجها ).
.ضحكت ،وقالت له: لايهمني بماذا تفكر ، ورغم أني لستُ على استعداد لأصادر أفكاركَ إلا أنني أُحبُّكَ حُبي للحياة...
كان يفكرُ كيف له ُ أن يتخلّص من( ف ) القادمة من روما،؟ لكونها ستأتي وتزوره ، وعليه أن يتخلص منها.، يفكّر، كيف سينشر قصائده في الجرائد، والمجلات،؟!! وعندما عجزت منى من أمره ،طلبت منه أن يخرجا ،حيث بيتها، وهناك ربّما أخذا دوشا ،فالحرارة والجو لايرحم من التعرّق،الذي يصدر عنه رائحة كريهة ، هل نذهب رجاء إلى بيتنا قالتها منى ؟!! أشار لها من الأفضل الّا نبقى هنا..
سارا باتجاه بيت منى . وعندما وصلا ،إلى البيت ،كانت حماتها في استقبالهما .تحدثا قليلا ،وطلبا منها المعذرة، أن يدخلا إلى الحمام، لكون الجو خارجاً يلتهب بنار الصيف . لا عليكما سأنام قيلولتي.
أجل، أجل سأرافقك، يا عمتي قالها :المتمرّد من الشمال، لا تهتمّ فوديعة هي ها هنا ، ونادت على وديعة..ماذا يرى؟! امرأة فارعة الطول ، شعرها الأسود الطويل، لباسها المحتشم ،عيونها الواسعة، يا الله ما هذه؟!! نظرت إليه ،وبدأت عيونها تحار في النظر، وهي ترافق المرأة حماة منى ، تتلفّت وراء ظهرها وكأنها جُنّتْ.
الحمد لله منى في الحمّام، تأخذ دوشاً. قالها: في نفسه..
وبعد أن أوصلتها جاءت إليه مسرعة، ما أروعك!!!!أنا وديعة غير متزوجة...أهلي من درعا ، أعمل عند هذه المرأة ، ولكنها قمّة في الأخلاق، وكريمة علي.
ومنى امرأة ،رائعة وشريفة...هل أنت باق ٍ ،ومن أين أنت ؟!!من الجزيرة . أهلا بك وبأهل الجزيرة ، جاءت السيدة منى لاعليك…
لو سمحتَ اذهب ،وخذ دوشا وتعال ، سترتاح قليلا من المؤكد.
أجل أجل، ويبدو أنني بحاجة ،إلى شراء بعض اللباس الداخلي ،وغيره، لماذا هناك لباسا داخليا موجودا ، فقد اشتريته لك خصيصا..تعال معي حتى تعرف مكانه، لكن وديعة تلاحقهما، لابأس وديعة ،لستُ بحاجة إلى أيّ شيء، اذهبي لبيتكم وخذي ما شئت لأهلك من الطعام والخضار ..
دخل الحمّام ليستحمَّ ، بينما كانت منى تحضّر لهم الغداء الذي طبخته الفتاة وديعة.أنهى حمّامه وجاء ، تعال لنتناول الطعام ما رأيكَ؟!!!
وأنا فعلا، بحاجة إلى أن آكل، حتى أتمكن من شرب السجائر...ومتابعة الحديث معك لكن توعدينني ،أن تتركيني ،أنام في هذا الوقت ،ولو ربع ساعة، حتى أتجدد.
قالت له لا عليك ،البيت بيتك، وأنتَ سيده ،وأنا من المؤكد سأكون شريكة حياتك ..
وبعد حديث وغداء ، أخذ سجارته ، وأشعلها لمنى...وأشعل لنفسه الأخرى...اذهب لترتاح، وحضّر نفسك مساءً للحديث مع أم زوجي.
أجل أجل ،الله يسترنا قالها: ضحكتْ منى وقالتْ: لماذا تقول الله يسترنا. قال: هكذا
يقولون عندنا في الجزيرة..
**
النزف الثالث والنهائي:
الأسبوع الثاني من شهر آب ، ودمشق تغدو روعة مع اقتراب شهر أيلول.
الشمس تميل للغروب، والمتمرّد من الشمال لازال هو ومنى يتبادلان الحديث.المرأة حماة منى،تقترب بقامتها الفارعة ولباسها الغالي .تسأله عن حاله ، وتسأل منى نفس السؤال.
لكنها ليست كما يجب، سألها ما بكِ ياعمتي أراك على غير عادتكِ.لاتتحدّثين ، أليس الليلة ستسأليني أسئلة حول وجودي معكم؟!! قالها وصمتَ ،وصمتت المرأة ..
دعني الآن ، دعني...كما تشائين ، تقترب منى وتسألها ما بكِ يا أماه؟!! هل آخذك للمشفى أم أجلب الطبيب نيقولا إلى هنا؟!! لا لا ليس لهذه الدرجة لكنّني أرى في هذا الشاب ما فقدته منذ ثلاثين عاما . كأنّه هو هو...وبدأت تبكي.
كانت منى تُظهر رباطة جأشها، لكنها غارت كثيراً من أمّ زوجها الراحل، كيف لها أن تبتدع هذه القصة ؟ وهل هي صحيحة؟!! وكيف يشبه عشيقها الذي لم تتزوّجه يا الله؟!!!
أخذ زاوية من الحديقة ، هناك راح يترنّح ،وتماسك حيث جلس، وهو يُشعل سجارته ويسأل نفسه، لماذا تقول هذه المرأة قصة عشقها في هذه الليلة.نادته حماة منى قائلةً: تعال إليّ ستسهر معي ،وأريدك أن تكون وحدك دون منى لي ما أقوله لكَ .
نظر إلى منى ، كانت منى ،ترتجف ،وبدأت تبكي ،وكأنها أدركت مكيدة تلك المرأة التي تبلغ أكثر من الخمسين عاما..
اقتربت منها منى قائلة ، يا أمّاه على أساس أنّك ستضعين الشاب في صورة زواجه منّي.؟!! أليس كذلكَ…
بينما هو لم يُصدّق ما تقوله المرأة .كما أنه بدأ ينظر إلى منى بنظرات تكاد تقول لها ما هذه المرأة التي فقدت عقلها، فأنا لم أتجاوز الخامسة والعشرين من عمري ، كيف لي أن أقبل إهانة هذه المرأة لي؟!! ...
قولي كلمة يامنى.أرجوك..قالت له منى أرى أن نخرج قليلا إلى الحديقة ،وحدنا ونعود بعدها.
كانت المرأة تسمع حديثهما ،ردّدت قائلةً: لا تتأخر أيها المتمرّد ،أريدكَ ليلا هنا معي .أجابها سأعود مع منى ياعمّتي. قالت: لاتقل عمّتك..
صمت..وخرجا.
لم يتحدّثا ، سارا معا. كلّ الكلمات لا تفي بالغرض، منى ،أدركت أن حماتها تريده لنفسها .وهو أدرك نفس المعنى، وليس هناك من معنى آخر.نظرا، وإذا بذاك المقعد الخشبي ، جلسا، وكلّ منهما أشعل سيجارته ، بدأ الليل يُّخيمُ وكلّ شيء باهت ويدعو للدوار والغثيان .لكن حديثا غريبا يدور في صدره ، وهكذا أحّس بأن منى تخبّىء أمراً خطيراً. .
سألت منى وقالت: ما الذي تفهمه من سؤالها، وقولها يا أيها الحبيب؟
صمت ،ولم يجبها، وبعد فترة سألها منى أريد أن أسألكِ، ما تفسيركِ أنتِ ،؟ قولي كما تشائين، لكن أؤكّد لك ِ أنّ مال العالم لايهمّني على الرغم من أهمّيته.
قال لها: أسألكِ . هل هناكَ أملاكاً مسجلة باسمكِ ؟
لماذا تسألني يا أيها المتمرّد ؟ في هذا اليوم بالذات؟
أُعيد سؤالي ،هل هذه الأملاك مسجلة باسمك، أمْ باسم حماتكِ ؟
بكت منى ، ولم يعرف لماذا.اقترب منها، وبدأ يمسح دموعها، ويعتذر. قالت :له لم أبكِ لكونكَ سألتني.
أبكي لكوني، لم أسمع كلام زوجي يوم طلب مني ،أن يُسجل هذا البيت باسمي...آه ٍ لي.
لالالا قالتها: وراء بعضها ، كلّ الأموال مسجلة باسم أمه….ولايوجد وكالة مسجلة باسمي.
عادا إلى البيت ، شربا القهوة معاً ، ودعها بقبّلة طويلة ، كانت المرأة تنتظره ، نادته قائلة: تعال إليّ كفى...التفت إلى منى وقال لها:
أقسم لكِ، سأكتب باسمك كلّ قصائدي..سأرى ماذا تريد هذه حماتكِ ...وعندما قرأ ما بداخل عيون منى من أسى..قال لها .وإن لم نلتقِ فسوف أكون أكثر إخلاصا ،لو نحن تزوّجنا ، أنا أعُجبتُ بكِ ،وأنتظر موافقتها على زواجنا ..لكن ربّما ...ستستغربين لو دخلتُ مع تلك المرأة التي تدعي أنني أشبه عاشقها.
قبّلها مرة ثانية، وضمها إلى صدره، ونادها منى، لك أن تنامي ،فالليل كما تعلمين سيتلوه الفجر.
لوّحت له بيدها، وبكلّ اليأس رفع يده، وقال لها: ….كلمة واحدة...لم تسمعها منى..بكت ودخلت غرفتها ،بينما أكمل طريقه إلى غرفة تلك المرأة .
كانت قد ارتدت لباسها الشفاف ، وجلست على سريرها الوثير
ودعتهُ لتتحدّث معه ، ورغم خجله الجزراوي، إلا أنها قالت له أمامك أمرين .إما أن تقترب مني، وسأطرح عليك مشروع زواجنا ،أو لك ماتريد….نظر إليها ...بكلّ أسى وحزن وقال لها : كنتُ أظنك ِ أنكِ ستطرحين عليّ مشروع زواجي من منى.
بدأت تضحك ، وتسخر منه، كيف؟! وهل رأيتني قد فقدتُ عقلي؟!! فمنى ليست سوى خادمة ثانية عندي.
ماذا قلتَ؟!! هل تتزوجني؟!! وكلّ هذه الأموال ستكون لك َ ولابنتي ؟!!....
أشعلَ سيجارته ،ونظرَ إليها وقال:::
دعيني أفكرُ ،وأعودُ إليك ِ . خرج من عندها، وهي تناديه، صاح منى، منى سلاما يامنى..لم تجبه منى ...دخل غرفتها لم يجدها، أخبر حماتها بأنَّ منى ليست هناك...خرج يبحث عن منى ولكنه لم يجدها فتابع طريقه البيت إلى حيث غرفة أخيه، وهو في أشدّ لحظات الحزن. في اليوم الثاني، أرادَ أن يعرف مصير منى،توجه إلى بيت منى وحماتها ، دخل البيت نفسه ، كانت وديعة هناك بينما المرأة تجلس بجانب النافذة ، سأل وديعة هل عادت عنى ؟!!، قالت لا : منى لم تعد من البارحة.ويبدو أنها تعرّضت لموقف قاس ٍ تحدث مع وديعة بكلّ إيجاز، وقال لها: معلمتك تريد مني أن أتزوجها، وضعت وديعة يدها على فمها ، بينما المرأة تناديه.تعال...ذهبَ إلى قرب النافذة ،وهو في الخارج فألقى عليها التحية ،وسألته هل فكرت وانتهيت إلى قرار؟!! أجابها ليس بعد ،ولكنني أسألك عن منى ، منى غير موجودة في البيت ، أين يمكن أن تكون؟!!..قالت: المرأة لستُ أدري ولستُ مسؤولة عنها..ودّعها ،وودّع وديعة ،ومضى يجوب الطرقات، والشوارع وحي باب توما ،وهو يفكّر، أين يمكن أن تكون منى.؟!!..في اليوم الثاني، وإذا به أمام بائع الجرائد كعادته ،وإذا بخط عريض امرأة كانت تسير في وسط الشارع فضربتها سيارة ،وعلى الفور فارقت الحياة منى (…….) ...وصورة الحادث ، لايعرف ماذا حدث له لكنّه بعد فترة لايعرف كم طالت ؟ أيقن أنه في مشفى الفرنسي في نفس الحي ، أين أنا سأل الممّرضة التي كانت للتو تريد أن تعرف متى يستيقظ من غيبوبته.؟!!.قالت له لاعليكَ أنتَ بخير ما هو اسمكَ ؟!! أجابها ،وأين تسكن؟!! وسألته أسئلة عديدة ،وجاءت بالجريدة وسألته ، هل قراءة هذا َالحادث الذي كان سبباً فيما أنتَ عليه ؟ حتى لانصوّرك بالأشعة لدماغكَ. فوفّر عليكَ وعلينا...قال لها أجل..
وماذا تعني لك هذه المرأة؟!!..قال كنّا على أبواب أن نتفق على الزواج ...والقصة طويلة. أسألكِ هل أستطيع الخروج من المشفى؟!!. قالتْ: له يلزمك أن تبقى يوما تحت المراقبة وبعدها تخرج.
انتهى اليوم، وخرج ،وذهب حالاً إلى بيت منى ، وهناك وجد مجلس عزاء ، تقدّم وعزّى الجميع ، وفي اليوم الثاني علم من وديعة ،أنّ المشفى أفرجت عن جثة منى واليوم سيوارى جثمانها الثرى.رافق المشيعين ،وهناك في المقبرة ودعها الجميع بحفنة تراب ، أمسك ورقة كان قد كتب عليها، واستأذن الجميع ليقرأ ما كتبه على عجل.
.لم نلتقِ يامنى.
أعرفُ أنني التقيتُ بكِ صدفة ً، وكنتُ أرتّل في حضرتكِ تراتيل صمت الغرباء، أعلمُ أنكِ أحببتني إلى مالا نهاية، وكنتِ ترسمين حدود الخيال.وأعلمُ أنكِ ضحية مجتمع ٍ تمّيز بالفقر، وعدم اكتراثه لأحلامنا ،نحن أبناء المدن المّهمشة.أعلمُ أنني كنتُ سأحبّكِ لولا حماتكِ التي أفسدت علينا حياتنا وكلّ شيء.
منى إن نستكِ دمشق، فأنا لن أنساكِ، وسأكتبك قصة عشق ٍ أبدي ..
وداعاً أيتها العاشقة ….كمْ رسمتُ للحلم تخوماً ؟!!، وللعيش معك أجمل المسارح والملاعب، منى يا طفلة الوهم عودي إلينا ،فنحن في انتظارك إلى الأبد...
أجل يامنى وحق روحك ِ …... لم نلتقِ....…
بقلم اسحق قومي
9/9/2017م.