فتاح فال لعا 2017 م !

صادق محمد عبد الكريم الدبش
2017 / 9 / 17

فتاح فال ...
قديما كانت هناك في قرانا ومدننا ... في موسم بداية الصيف تأتي نساء غجريات ( كاولية ) يمتهنون صناعة الأسنان الفضية ويقرؤون الكف ويبتاعون التمر والدبس وغير ذلك من قماش ومأكل وملبس ..
فأعادتني تلك الذكريات الى الزمن الذي أعتقد بأنه كان جميلا بالرغم من بساطة الحياة فيه !.. وحتى عسرها بعض الشئ... لكنها تتميز بالتماسك الاجتماعي نتيجة للنشاط الاقتصادي المبني على نفس القواعد ( من ظهور الملكية الخاصة لوسائل الأنتاج ) فمصالح الناس مرتبطة مع المالكين لوسائل الانتاج ، فهناك مالك .. وهناك الأيدي العاملة التي يحتاج أليها هؤلاء.
وكون المجتمع في القرى والأرياف تغلب عليهم السمة الزراعية والبستنة ، فمصالح الناس من المالكين والشغيلة مرتبطة ارتباط وثيق ببعضهم ، وهي التي تفرض عليهم نمط هذه العلاقة كمصلحة مشتركة .
الجميع كان حريص على أن تكون هذه العلاقات على أحسن وجه نتيجة للمصالح المشتركة .
وبعد تطور الحياة ودخول الصناعات الحديثة وانشاء المصانع والشركات في خارج الرقعة الجغرافية للقرية والريف ، تغيرت مصالح الناس ، نتيجة تغيير نمط الانتاج وتغيير المالكين ، وبدء شكل جديد من العلاقات !.. مختلف تماما مع ما كان سائد في القرى والأرياف !.. ومحدوديته في القرية والريف ، فلم تستمر تلك العلاقات التي كانت سائدة في فترات مختلفة ، من بدايات القرن الماضي وحتى نهاية العقد الخامس أو السادس منه .
وبدء التنوع في وسائل الانتاج والمالكين لها ، وخاصة في المدن الكبرى وكذلك اختلاف وسائل العمل وأدواته .. وأثر ذلك مكانا ... كمْاُ ونوعا .
بالوقت الذي كانت الشغيلة سابقا مرتبطة أما في الأرض مباشرة !.. أو بمالكين الأراضي والبساتين ، كونهم بحاجة دائمة الى الأيدي العاملة للعمل في الأراضي والبساتين ، وهؤلاء كانو يعملون كشغيلة وبأجر يومي ومن دون ضمان في حال العجز والمرض ، ولكن كلاهما كانوا بحاجة لبعضهما البعض لتدور الدورة الاقتصادية الطبيعية، ونتيجة لطبيعة الانتاج في القرى والأرياف .
ولكن بعد دخول المكننة والصناعات الحديثة وتطور وسائلها الى المدن ، زاد الطلب على الأيدي العاملة ، ولأسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية وأخلاقية ، ولعدم قدرة الدولة على استيعاب النشاط الاقتصادي للمكننة الحديثة ، وبما ينظم هذه العملية الجديدة ، ومعالجة مشكلة الهجرة العشوائية من القرية والريف الى المدينة ، والذي أثر سلبا على النشاط الزراعي في القرى والأرياف ، ولم تتمكن الدولة من تنظيم وتأهيل أيدي عاملة قادرة على العمل في المصانع والورش التي قامت حديثا في المدن ، وغياب الدعم المبرمج للفلاحين والمزارعين لمنع هجرة هذه القوى العاملة ، وتوفير فرصة لهم في مناطق سكناهم ، والذي أدى الى هجرة الألاف للعمل في هذه الورشات والمصانع ، فخلق غزارة في تدفق هؤلاء بما يزيد على حاجة تلك المصانع ، وخلق نقص في اليد العاملة في الزراعة والبستنة .
وقد تمكنت الثورة الصناعية الخاصلة من استيعاب الألاف من شغيلة الريف ، ليعملوا في شتى الحرف والمهن في هذه المدن ، ونتيجة هجرة الشغيلة غير المنظمة والعشوائية ... من الريف والقرية الى مراكز المدن وبالأخص العاصمة بغداد .
والذي أحدث أرباك شديد في توازن العرض والطلب على الأيدي العاملة ، وخلق مشاكل كبيرة من خدمات وسكن وتعليم وطرق ووسائط نقل وصحة وغير ذلك ، بالمقابل وكما ذكرنا فقد أضعف الريف والقرية ...انتاجا واصلاحا وتسويق للمنتجات الزراعية ... وأحدث اصطفافا اجتماعيا وطبقيا غير منظم ، مما أثر سلبا على العلاقات الاجتماعية وتطورها الطبيعي في عملية البناء الاجتماعي والاقتصادي .
فضعفت الطبقة الوسطى في القرى والأرياف ، من أغنياء الفلاخين والمزارعين وأصحاب البساتين ( الملاكين ) كونها الطبقة الحيوية والناشطة في ادارة عجلة الزراعة والبستنة ، وهي الملازمة لحركة المجتمع وريادتها وتصدرها للبناء الاجتماعي في القرى والأرياف .
أن محاولات التأثير السلبي على حركة المجتمع ، باتباع مجموعة من الوسائل المنافية لحركة الحياة ، بظهورأنظمة قمعية دكتاتورية ، ومتقاطعة تماما مع حركة الحياة كونها أنظمة قمعية إستغلالية جشعة ، فكانت عواقبها وخيمة في التطور الطبيعي للمجتمع العراقي .
لن يترعرع الجنين المجتمعي الذي يحمل الجديد ، ولن ينمو طبيعيا في رحم مجتمعنا ، والذي سيشكل نقلة نوعية الى الأمام في البناء المجتمعي ، لو سارت الامور بشكلها الطبيعي ، ولكن كل هذه الأنظمة أثرت سلبا في نمو هذا الجنين ، نتيجة لتلك الحالات القسرية والقمعية والمعوقات والموانع للتطور الطبيعي لنشوء هذا الجنين ، فولد هذا المولود مشوها وغير قادر على انتاج الجديد المفيد !.. ولا يتوافق مع شروط تطور ونشوء مجتمع أرقى ، وبمواصفات مختلفة عن سابقه ، وقد انعكس على الهيكل الهرمي للمجتمع من القاعدة الى القمة وبالعكس ، ومن كل النواحي السياسية والإقتصادية والثقافيىة والإجتماعية والأخلاقية ، وعلى الأعراف والقيم بشكل عام .
المجتمع وحركته ونشاطه هو المسؤول عن كل هذه المتغيرات التي ذكرناها بشكل سريع أو البعض منها ، والمتتبع للحراك الإجتماعي والمتغيرات التي حدثت بالجسم الإجتماعي سيلمس حجم الخراب والدمار الهائل نتيجة لتأجيل ومنع حدوث نقلة نوعية في مجتمعنا العراقي للظروف الموضوعية والذاتية للمجتمع ، وهي نتيجة منطقية لكل الأهوال والمصائب الذي مررنا به خلال العقود الخمسة الماضية .
والشواهد نلمسها اليوم في بلدنا العراق ، وما يعانيه شعبنا اليوم ، وما تعانيه المنطقة بشكل عام ، وسبب كل ذلك وما سوف يحدث مستقبلا هو الأنظمة السياسية الفاسدة والقمعية المتعاقبة على حكم العراق .
نحن في أمس الحاجة الى حركة نشيطة وواعية ومتبصرة ، للمهمات الواجب أن تضطلع بها قوى شعبنا الديمقراطية والتقدمية والوطنية ، وعلى بُنات الحياة والمتبصرين والواعين من شغيلة اليد والفكر، من الشابات والشباب والطلبة والمثقفين والساعين لعراق أمن ومستقل ، عليهم أن يعملوا بكل جد ونشاط للعمل بقيام نظام حكم ديمقراطي علماني إتحادي ، في عراق يتعايش فيه الجميع بأمن ومحبة وسلام ، تجمعهم خيمة العراق ، والوطنية والمواطنة وقبول الأخر ، ونبذ المحاصصة المقيتة ، والتصدي للطائفية وللطائفيين والعنصريين ، وللشوفينية وللتعصب القومي ولكل أنواع التمييز والتصحر الفكري ومعادات الثقافة والفنون والأداب ، وعلى هذه الشرائح الواعية ، بالتصدي وبمسؤولية أدبية وأخلاقية ، لكل الظواهر والممارسات والسلوكيات للسلطة وأحزابها ( قوى الاسلام السياسي الحاكم ) ومؤسساتها المختلفة ، المخالفة للدستور وللديمقراطية ، واللاغية للدولة ومؤسساتها ، وللحريات والحقوق وللتعددية الفكرية والسياسية والثقافية ولتنوع فسيفساء المجتمع العراقي .
وكذلك العمل على تنشيط عمل ونشاط مؤسسات المجتمع المدني ، والنهوض الواعي في تقويم كل ما من شئنه أن يحرف الحراك الأجتماعي عن مساره ، وعن أهدافه في الأنتقال السلمي والديمقراطي للسلطة ، وتعميق النهج الديمقراطي والمؤسساتي ، ونقل الدولة والمجتمع من مرحلة دنيا الى مرحلة أسمى وأرقى .
وحركة المجتمع ومسيرته وتطوره ، تحددها قوانين وضوابط محكمة الدقة والتنظيم ، وجوهرها الإنسان ، الناس هم صانعي الحياة ، وهم مالكين كل شئ وخالقي كل شئ وعليهم يتوقف التغيير ، وعلى وعيهم وإدراكهم للمهمات الواجب النهوض بها لبناء حاضر ومستقبل العراق الأمن والمتأخي ، المتعاون والمتعايش والسعيد .
.
صادق محمد عبد الكريم الدبش
16/9/2017 م