الرصيف مكتبتي

محمد الذهبي
2017 / 9 / 16

الرصيف مكتبتي
محمد الذهبي
كانت أصابعنا تتشابك عند بداية الرصيف
المارة جميعهم أصدقاء الشارع
هي لا تتحرج
ربما سحبتني إلى عرض الشارع تتحدى المركبات
ليتها تراني حين أسير على الرصيف خائفا أترقب
هنالك عربة وحصان
بالاتجاه المعاكس (ستوتة) تحمل جوقا من المراهقين
يهزجون بلوازم بذيئة
وهناك امرأة تصعد في ( التكتك) يميل بها وهي تتذكر آخر
مرة ركبت فيها حماراً
كنت أراها في البساتين القريبة
عندما كانت مراهقة
كانت تثير الحمار بحركاتها على ظهره
هي أيضا وقفت على الرصيف تنتظر مركبة تأتي مسرعة عكس السير
الضجة التي يثيرها صاحب المطعم
تجلب الزبائن
(شيش الكص ) المتعرض لدخان المركبات كان أكثر نضجاً
ولونه أصبح يميل إلى السواد
جميعهم يأكلون
هناك الكثير من (الخضراوات) المرمية على قارعة الطريق
منتصف الشارع صار مكباً للنفايات
في آخر جولة لي على الأرصفة
كانت أغلفة الكتب في شارع السعدون والرشيد تستهويني
الآن لا تجذبني اللحوم الموضوعة
حتى الذباب صار لا يميز بين رائحة الدخان ورائحة الشواء
في مرة من المرات أكملت قراءة مجموعة السياب ( شناشيل ابنة الجلبي)
وأنا أقف بقرب بائع الكتب على الرصيف
فاعترضني وهو يقول: هذه ليست مكتبة عامة
نحن على باب الله
واتفقنا أن أعطيه نصف ثمن الكتاب
لا ادري لماذا أعجبني السياب على الرصيف
ولم يعجبني في المكتبة العامة
تصورته فقيراً معدماً في كل الأحوال
وليس منتشياً جالساً على الرفوف تحيط به المجلدات الأنيقة
الرصيف كان يليق بالسياب والبياتي وحسين مردان
ربما مجاميع الجواهري كانت أكثر أناقة
لكن ديوان الحصيري أشرعة الجحيم كان أيضاً من رواد الرصيف
يا لذاكرة الرصيف كم تختزن من الكتاب والشعراء
اغلب كتبي في البيت اقتنيتها من الرصيف
اكره أن ادخل إلى المكتبة وارى سعر الكتاب مكتوباً بالدولار أو الليرة على حافته الأنيقة
ويضطر البائع أن يجلب حاسبته ليحوله إلى الدينار العراقي
أحب الكتاب الذي أرخ له كاتبه بإهداء بسيط إلى صديق له
ولم يتحرج الصديق في ساعة عوزٍ أن يعرضه على الرصيف
اشتريه مع إمضاء الكاتب وخيانة الصديق
ما أتعس أن تجتمع الخيانة بالوفاء
حينها فقط اعرف أنني لن أتنازل واضع قدمي في وسط الشارع
لان الرصيف حياً يرزق
وأنا لم أتعلم قيادة السيارات
بعد أن انتحرت الأرصفة
لم تعد هناك من نزهة خارج البيت