هل ان جميع العراقيون عملاء ؟؟ تطور مفهوم (العميل) في العراق خلال مائة عام (1917-2017) (القسم الرابع والاخير)

سلمان رشيد محمد الهلالي
2017 / 9 / 16

(لو ان خمسين مليون انسان قالوا شيئا احمق فانه يبقى رغم ذلك احمق) اناتول فرانس
القسم الثاني : الاحزاب السياسية والتيارات الايديولوجية . اتهمت جميع التيارات والاحزاب السياسية في العراق بالعمالة والتبعية للخارج , بعضها ضمنيا وبعضها صراحة وبعضها اتهم بالتبعية الايديولوجية والفكرية . وترجع قوة الاتهام وفاعليته ليس من خلال الادلة او المواقف وغيرها , لانها منعدمة في الاصل ولاوجود لها الا في اذهان المجتمعات الشرقوسطية المتخلفة , وانما من خلال قوة الحزب والتيار ومقدار تاثيره في السلطة او تاثير السلطة عليه , فقد تكون الاحزاب الهامشية (او حتى القوية) اذا لم تتنافس او تدخل في الصراع السياسي او تزاحم الاخرين على السلطة فانها حظها من الاتهام يكون اقل من تلك الاحزاب التي تسلمت السلطة وتمتعت بمغانمها . ويبقى الصراع الايديولوجي والسياسي والحكم المزاجي والذاتي في تلك الاتهامات هو المعيار الاساسي في ذلك , وليس المعيار الوطني او الشعبي او حتى مقدار ماقدمه هذا الحزب او ذلك التيار من فوائد او تضحيات او خدمات في سبيل الوطن والمجتمع والصالح العام . ويمكن ادراج تلك التيارات الايديولوجية والاحزاب السياسية التي اتهمت بالعمالة والتبعية بحسب الاسبقية الزمنية :
1 . التيارات والاحزاب الليبرالية : وكان من اهم الروافد التي استمدت الانتلجنسيا الليبراية في العراق مصادرها الاساسية في الانبهار بالغرب وحضارته ومؤسساته والدعوة الى تقليده هو التنوير الفرنسي , الذي ارتكز على اسس رصينة من العقلانية والعلمانية والمساواتية ، واخذ بالانتشار والامتداد عالمياً بعد الثورة الفرنسية عام 1789 التي اكدت على حقوق الانسان والمواطنة والديمقراطية والحرية ، حتى قيل بأن (القرن التاسع عشر بأجمله ، ذلك القرن الذي قدم المدنية للثقافة البشرية كلها، هو قرن موسوم بسمة الثورة الفرنسية).. وهذا الرافد جاء متوافقاً مع القيم الليبرالية التي تحولت الى حركة فكرية موجهة ضد المؤسسات الاجتماعية التقليدية لقوى ما قبل الدولة والرواسب الاقطاعية والقرو- سطية المعرقلة لحركة التطور والتنوير ، والاعتراف بالدور الخاص للعقل والعلم , كطريق احادي للتغلب على جدار الجهل والخرافات والتعصب الديني والطائفي والاثني الذي يخترق المجتمع العراقي . وقد تاثر بهذا الرافد النهضويون العراقيون الذين تبنوا التحديث والثقافة والاصلاح قبل الاحتلال البريطاني وبخاصة خلال الفترة الزمنية المحصورة بين عامي (1875-1917) .
بعد الاحتلال البريطاني للعراق وتأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 حصل تحول من مطارحات التنوير الفرنسي الى النمط الليبرالي الانكلو- سكسوني، على اعتبار ان بريطانيا كانت هي الدولة الراعية لعملية التأسيس ، وكان من الطبيعي لها ان تعمل على ادراج المفاهيم الثقافية التي تنادي بها في المؤسسات التربوية والتعليمية ، من اجل تأصيل وترسيخ الهيمنة السياسية على المؤسسات الحكومية في هذه الدولة الفتية ، وكان للبعثات الدراسية والجاليات الانكليزية والارساليات التبشيرية والتجارة الخارجية دوراً في تعزيز عملية التغريب والانبهار بالقيم الليبرالية الانكليزية . وقد تجلى هذا النمط بصورة واضحة في النظام السياسي الديمقراطي الجديد ، الذي اسس على حكم النخبة والاقلية المتحالفة مع الاعيان والشيوخ والملاكين والاغوات وغيرهم . الا ان هناك نمطا ليبراليا اخر اخذ بالتنافس مع النمط الانكلو – سكسوني في العراق ، وهو النمط الليبرالي – الامريكي الذي اعتبرت البرغماتية المرتكز الدلالي الاساسي فيه . وشكلت البعثات الدراسية التي ارسلتها الحكومة العراقية للطلبة المتميزين الى الولايات المتحدة الامريكية عاملا اساسيا في ادراج هذا النمط في النظام المعرفي والثقافي للانتلجنسيا العراقية ، وتمظهر من خلال شخصيات عدة من ابرزها : محمد فاضل الجمالي وعبد الفتاح ابراهيم ومجيد خدوري ومتى عقراوي وعلي الوردي .
اتهم التيار الليبرالي في العراق والاحزاب التي خرجت من دائرته بالعمالة والتبعية للغرب - وبخاصة الانكليز – وهذا الاتهام اتخذ الجانب العقائدي والفكري من جانب على اعتبار ان هذا التيار يتبع في مرجعيته الثقافية الدول الغربية والمعسكر الليبرالي الذي كانت تقف على راسة المملكة المتحدة قبل الحرب العالمية الاولى والولايات المتحدة بعدها . ومن جانب اخر اتخذ الاتهام الصورة السياسية , اي العمالة والتبعية للغرب في المواقف السياسية الانية . وكان معيار السلطة او الموقف منها دورا اساسيا في قوة الاتهام وانتشاره , فحزب الاتحاد الدستوري الذي تزعمه رئيس الوزراء المزمن نوري السعيد وحزب الامة الاشتراكي الذي تزعمه رئيس الوزراء صالح جبر اتخذ الجانب الاكبر من الاتهام بالعمالة والتبعية للغرب بالقياس الى الاحزاب الليبرالية المعارضة مثل الحزب الوطني الديمقراطي الذي تزعمه كامل الجادرجي وحزب الاتحاد الوطني الذي تزعمه عبد الفتاح ابراهيم . وكان الجانب الاكبر من تلك الاتهامات قد روج لها اتباع التيار الماركسي في العراق , ضمن سياق الصراع السياسي والايديولوجي بين المعسكر الغربي الليبرالي والمعسكر الشرقي الاشتراكي ابان الحرب الباردة (1945-1991) . كما وجهت تهمة التبعية للاحزاب التي تشكلت خلال مرحلة الانتداب البريطاني (1920-1932) ذات التوجه شبه الليبرالي من قبيل الحزب الحر العراقي الذي تزعمه محمود النقيب وحزب التقدم الذي تزعمه عبد المحسن السعدون وحزب العهد الذي تزعمه نوري السعيد .
2 . التيارات والاحزاب الماركسية : ان اتهام التيارات والاحزاب الماركسية بالعمالة والتبعية للاجنبي هو اقل من غيرها , بسبب عدم تسلمها السلطة اولا , واعتبار الدولة التي اتهموا بالتبعية السياسية والايديولوجية لها - وهى الاتحاد السوفيتي سابقا (ورثتها روسيا حاليا) - لاتشكل ضمن المخيال الشعبي والسياسي عند العراقيين رمزا للشر والتعدي كما هو سائد في النظرة على الدول الغربية والليبرالية . وقد تجلى التيار الماركسي في العراق بصور عديدة من التنظيمات والشخصيات , الا ان اهمها صورة الحزب الشيوعي العراقي الذي اعلن تاسيسه الرسمي في عام 1934 . كان اول اتهام وجه الى هذا الحزب هو ان تاسيسه قد حصل بفضل الاتحاد السوفيتي , ومن خلال المنظمة الاممية الشيوعية الثالثة المعروفة اختصارا (الكومنترن)(1919-1943) التي كانت اهم الاذرع التي اعتمد عليها الزعيم البلشفي الثوري فلاديمير اليتيش اليانوف المعروف بالاسم الحركي (لينين)(1870-1924) والتي هدفها التمدد بالعالم الثالث من خلال تاسيس الاحزاب والمنظمات والخلايا الشيوعية , وقد اعترفت الكاتبة الماركسية سعاد خيري بدور (الكومنترن) بتاسيس الحزب الشيوعي العراقي ودعمه والاخذ بيده نحو النضج , حتى اصبح من اهم الاحزاب الكبيرة في البلاد . وقد تعرض الحزب الشيوعي الى الاتهام بالتبعية خلال مرحلة العهد الملكي , وخاصة في لقاءات وتصريحات وكتابات رئيس الوزراء محمد فاضل الجمالي . كما وصفتهم الحكومة بسبب دورهم الكبير في التحريض ضد معاهدة برتسموث عام 1948 بعملاء موسكو . وكذا الامر في العهد الجمهوري , فقد اتهم الزعيم عبد الكريم قاسم الشيوعيين بالعمالة للاتحاد السيوفيتي من خلال هامش كتبه بخط يده على احدى الوثائق الرسمية , وهو بالنص (انهم عملاء) .بل ان احد الكتاب اتهمهم بالعمالة للمخابرات السوفيتية على اعتبار ان (معظم إن لم نقل كل الشيوعيين العراقيين الذين حصلوا على بعثات دراسية في وعلى حساب الإتحاد السوفيتي والأخرين ممن درسوا في دول أوربا الشرقية الشيوعية دخلوا في دورات عقائدية ماركسية إضافة الى دورات إستخباراتية للعمل كمخبرين وجواسيس لصالح الإتحاد السوفيتي ولصالح انظمة الكتلة الشيوعية في أوربا الشرقية. الحزب الشيوعي العراقي كان ممولا ماديا ليس فقط من خلال تبرعات كوادره البسيطة , بل أيضا من قبل الإتحاد السوفيتي ووكالة مخابراته "كي.جي.بي" التي كانت تدفع لهم أموال ضخمة لإستمرارية بقائهم. وكانت القيادة الشيوعية العراقية تتلقى الأوامر المباشرة من موسكو والسفارة السوفيتية في بغداد) . كما ردد القوميون الناصريون اتهامات جمال عبد الناصر للشيوعيين العراقيين بالعمالة التي كانت تصدح بها اذاعة (صوت العرب) من القاهرة . واستمر الاتهام خلال مرحلة حكم الاخوين عارف (1963-1968) , ويبدو ان الاتهام الاخير ياتي في سياق الحملة التي قام بها هؤلاء الزعماء في قمع واضطهاد الحركة الشيوعية التي بلغت ذروتها في انقلاب شباط 1963 وتبرير مجازر ميليشيا الحرس القومي البعثي ضدهم . كما حصل اتهام ايضا للحزب الشيوعي العراقي في الستينات من قبل بعض التنظيمات الشيوعية المنشقة والمتاثره بالتجربة الصينية والماوية بالعمالة للاتحاد السوفيتي ووصفتهم بانهم ( مثل الببغاء يرددون ماتقوله اذاعة موسكو فقط )( وانهم منشغلون في مهاجمة الحزب الشيوعي الصيني الشقيق !!) . واذا كان قيام (الجبهة الوطنية والقومية التقدمية)(1973-1979) بين الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث الحاكم قد اجلت الاتهام بالعمالة بين الطرفين مؤقتا , فان الامر تصاعد بين الطرفين بعد انفراط تلك الجبهة البائسة التي استغلها حزب البعث لصالح تثبيت حكمه واستجداء مساعدة الاتحاد السوفيتي في قضية التاميم في السبعينات , ونجاحه في مواجهة الدول الغربية التي وقفت ضده , الا ان نبرة الاتهام تصاعدت بالعمالة ضد الحزب الشيوعي في الثمانيات ابان الحرب العراقية الايرانية (1980-1988) من قبل السلطة البعثية الحاكمة , وهذه المرة ليس للاتحاد السوفيتي – كما هو معتاد – لان هذه النغمة اصبحت غير مؤثرة في الشارع العراقي , وانما لدولة شكلت في النظام الثقافي السياسي الذي صنعته الانظمة القومية – البعثية والطائفية مثالا للخطورة على المصير العربي ونموذجا للتجاوز على التاريخ الاسلامي وهى (ايران) , واستندت تلك الاتهامات الى مساهمة تشكيلات (الانصار) الشيوعية الثورية التي كانت تخوض حرب العصابات - بالتحالف مع التنظيمات والبيشمركة الكوردية - بالهجوم على الاجهزة الامنية العراقية التي كانت تخوض حربا شرسة مع ايران , وتتلقى في نفس الوقت دعما لوجستيا واستخباريا من الحرس الثوري الايراني . والمفارقة ان اغلب هؤلاء الثوريون والمقاتلون ضمن حرب الانصار وبعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية عام 1988 قدموا طلبات اللجوء السياسي الى الدول الاوربية الراسمالية والليبرالية الامبريالية , وليس الى الدول الشيوعية الراديكالية مثل كوريا الشمالية او كوبا او الصين الشعبية , واخذوا يوجهون تهمة العمالة للاحزاب الاسلامية الشيعية لانها تعاونت ضد العراق اثناء الحرب مع ايران !!! .
بعد سقوط النظام البعثي عام 2003 ساهم الحزب الشيوعي العراقي بالعملية السياسية التي اسسها الاحتلال الامريكي , وشارك متزعم الحزب حميد مجيد موسى بمجلس الحكم الانتقالي عن القائمة الشيعية !! ومن اجل ذلك اتهمه خصومه الشيوعيون المتطرفون والبعثيون القوميون بالعمالة للولايات المتحدة او مهادنة الاحتلال والرضوخ لمخططاته على الاقل .
3 . التيارات والاحزاب القومية : ان الاتهامات بالعمالة والتبعية التي وجهت للتيارات والاحزاب القومية في العراق خلال المائة عام الماضية (1917-2017) هى قليلة بالقياس الى غيرها من التيارات الايديولوجية والاحزاب السياسية , والسبب هو انها مادة السلطات الحاكمة وهوية الدولة العربية وكينونتها الاساسية منذ تاسيسها عام 1921 وحتى سقوطها الدراماتيكي عام 2003 , فالدولة العراقية بتاسيسها الاول هى - على الاجمال - دولة قومية عربية , وان كانت تمظهرت بالاطار الليبرالي في العهد الملكي (1921-1958) والاطار الوطني في العهد القاسمي (1958-1963) . وهو السبب ايضا في فشلها وتصدعها وتشظيها وسقوطها . الا ان هذا لايمنع من توجيه الاتهام لها بالعمالة والتبعية من منافسيها الايديولوجيين واعدائها السياسيين والمتحزبين . فخلال عقد الثلاثينات وتصاعد التوجهات النازية والفاشية في اوربا تاثر القوميين العراقيون بتلك المطاراحات السياسية المتعصبة والشوفينية , وعبرت الكثير من الشخصيات والاحزاب والجمعيات عن انبهارها بهذا النمط الجديد من التعصب القومي ودعت الى تطبيقه او تقليده في العراق , فيما انتقدت الاحزاب والجمعيات الليبرالية هذا التوجه الخطير واتهمت القوميين بالتبعية الى النازية والفاشية حتى وصفوا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (ايتام هتلر) . وبعد قيام الجمهورية العراقية واسقاط النظام الملكي عام 1958 وتصاعد حمى الصراعات السياسية والايديولوجية بين التيارات والاحزاب العراقية , اتهم القوميين بالعمالة والتبعية للرئيس المصري جمال عبد الناصر والانقياد لسلطته وطموحه بالهيمنة على العراق , والسيطرة عليه واستداراجه الى صفه في مواجهة الغرب , والارتهان لمخططاته التامرية ضد الجمهورية العراقية الفتية وحكم الزعيم عبد الكريم قاسم . وبعد نجاح القوميين البعثيين بالانقلاب عام 1963 وتسلم السلطة اتهمهم خصومهم الشيوعيين بالتعاون مع الغرب في هذا الانقلاب , مستندين الى عبارة القيادي البعثي علي صالح السعدي الشهيرة (جئنا عام 1963 بقطار امريكي) . كما اعتبر الشيوعيين الماويين قدوم حزب البعث للسلطة في تموز 1968 هو تنفيذا لمخطط امبريالي ضد الكفاح المسلح في الاهوار الذي بدا عام 1967 (فقد ادى ظهور القيادة المركزية كتنظيم شيوعي مسلح مقاتل في العراق مدعوم من الحزب الشيوعي الصيني وقيامه بانتفاضة شيوعية مسلحة في اهوار الجنوب سنة 1967 ادى ذلك الى قيام دوائر الاستخبارات الامبريالية بتصعيد حزب البعث العراقي واعادته الى السلطة بانقلاب 17 تموز عام 1968 أي بعد سنة واحدة فقط من بدء القيادة المركزية كفاحها المسلح ضد الحكم القومي اليميني في العراق. فبدؤوا حملة منظمة لتصفية اليسار العراقي بدءا بالقيادة المركزية من خلال الضرب المباشر اولا ومن ثم التحالف مع الحزب الشيوعي العراقي اللجنة المركزية الموالي لروسيا ثانيا) . كما وجهت التهمة لحزب البعث بالعمالة للغرب من قبل الشيوعيين والاسلاميين خلال مرحلة حكم الرئيس صدام حسين (1979-2003) مستندين الى اقصائه الحركة اليسارية وحربه ضد النظام الثوري الاسلامي في ايران الذي جاهر في معاداته للغرب .
4 . التيارات والاحزاب الاسلامية : كان اليساريون الثوريون يضعون البرجوازية والليبرالية والاقطاع والشيوخ ورجال الدين في خانة واحدة وهى (الرجعية) وتجد هذا ظاهرا بافراط في كتابات المنظر الماركسي عزيز السيد جاسم , ولم تطلق او تدرج مفردة العمالة في العهد الملكي على التيارات والاحزاب الاسلامية , والسبب الاساس هو انعدام الفاعلية السياسية والاجتماعية لهم , فالمجتمع العراقي كان يعيش في العقود التي اعقبت تاسيس الدولة (العلمانية الجامحة) حسب تعبير فالح عبد الجبار , ولم تكن تشكل المتبنيات الدينية ذلك المعطى المؤثر في سياق الاحداث . فعند تاسيس الاحزاب الاسلامية في الخمسينات والمتمثل بتاسيس حزب الدعوة الاسلامية (الشيعي) والحزب الاسلامي العراقي (السني الاخواني) لم يتهما بالعمالة والتبعية طيلة العقود اللاحقة وحتى اندلاع الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 , حيث اتهم النظام البعثي الحاكم حزب الدعوة الاسلامية بالعمالة للجمهورية الايرانية , واتخذها مبررا لعمليات التصفية والتنكيل والابادة المنظمة للاغلبية العربية الشيعية , وارهابهم واخافتهم بهذه الحجة الطائفية . وكذا الامر مع الاحزاب والتنظيمات التي تاسست في ايران لاحقا واهمها المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في ايران برئاسة محمد باقر الحكيم وغيرها , حيث اتهمها النظام البعثي بالعمالة , رافضا اي سياق للتعاون مع الخارج ضده , وبما انه نظاما ديكتاتوريا استبداديا فان المعارضة في الداخل مصيرها الهلاك والابادة , ومن كانت في الخارج ايضا سيكون مصيرها الاتهام بالعمالة والتبعية , فان امام العراقيين الاحرار الذين يرفضون الظلم والطغيان اما السكوت والانسياق مع النظام وسياساته , او الجلوس في المنازل والبكاء على صاحب الزمان !!. وبعد التغيير عام 2003 واسقاط النظام الصدامي الحاكم وتصدي الاحزاب والتنظيمات الاسلامية للمسوؤلية السياسية في الدولة والحكم في العراق , اتهمت تلك الاحزاب من قبل الشيوعيون المتطرفون والبعثيون الهاربون والسنة الطائفيون والشيعة المخصيون بالعمالة الى الولايات المتحدة الامريكية والامبريالية العالمية , الا ان هذا الامر لم يستمر طويلا , فسرعان ماتلاشت قضية الاتهام بالعمالة للولايات المتحدة لان جميع العراقيين تقريبا – بحسب هذا المنهج المعتمد – هم بالضرورة عملاء , لانهم رحبوا بالاحتلال والتغيير واسقاط النظام البعثي على ايدي القوات الامريكية , اما صراحة او ضمنا , وحلت محلها تهمة العمالة لايران , بحسب القاعدة السائدة عند الطائفيون السنة ان كل شيعي يتصدى للعمل السياسي والحكومي او يواجه الاستبداد والطغيان فهو بالضرورة عميل ايراني صفوي , لاعتقادهم ان الشيعي العراق - المدجن تاريخيا من قبلهم - اضعف من ان تكون عنده هذه الروحية الثورية والنزعة المساواتية , ان لم تكن ذات تاثير خارجي ايراني , ولاحاجة الى القول ان النخبة المثقفة والمتعلمة الشيعية قد تبنت هذا الراي اوتوماتيكيا , كعادتها في تبني اراء الاب الحاكم والسيد الوهمي , ليس بسبب الخصاء الذي قام به الاب الميت لاعضائهم الذكورية والمتمثل بعدم السعي للسلطة او مواجهتها , والذي ذكرناه سابقا فحسب , وانما على قاعدة ان المخصي والمدجن الذي يعيش مع حريم السلطان يكن حقدا وكراهية شديدة للرجل كامل الفحولة والمتمثل بالانسان الثائر , لان السلطة والسعي للسلطة هو قمة الفحولة , والخضوع للاستبداد وانتقاد الثائرين والمتمردين بحجة العمالة وغيرها هو قمة الخصاء .
5 . التيارات والاحزاب الكوردية : شهدت الساحة الكوردية تاسيس العديد من المنظمات والاحزاب التي تطالب بالحقوق والمساواة والعدالة , الا ان اشهرها الحزبين الكرديين اللذين احتكرا العمل السياسي والنضالي ضد الاستبداد والحكم العنصري البعثي في بغداد وهما : الحزب الديمقراطي الكردستاني: وتأسس عام 1946 من قبل الملا مصطفى البارزاني الذي كان لاجئا في ايران . وتغلب عليه النزعة القومية، ويعتمد إلى حد كبير على العشيرة البارزانية، ويكثر أتباعه في محافظتي أربيل ودهوك من كردستان العراق . قاد الحركات المسلحة ضد السلطات المركزية في بغداد منذ تأسيسه ، وللحزب علاقات جيدة مع تركيا والولايات المتحدة والدول الغربية , إلا أن علاقاته مع إيران ليست على ما يرام غالبا . والحزب الثاني هو : الاتحاد الوطني الكردستاني : وأسسه القيادي جلال الطالباني عام 1975 إثر انشقاقه عن الحزب الديمقراطي الكردستاني. ويتبنى اتجاهات قومية كردية مع نزعات وميول ليبرالية , رغم أن زعيمه جلال الطالباني كان يساريا في السابق. ينتشر الحزب في معقله بالسليمانية على الحدود مع إيران التي يحتفظ بعلاقة جيدة معها . واتهم كلا الحزبين بالعمالة لامريكا واسرائيل وايران من قبل الحكومات القومية العراقية المتعاقبة بسبب تلك التحركات العسكرية المزمنة والمواجهات الدائمة ضد السلطات الاقصائية والاستبدادية .
القسم الثالث : الحكومات واصحاب السلطة والسياسيين . يمكن القول وبكل ثقة ان جميع الانظمة والحكومات والسياسيين الفاعلين والمؤثرين في العراق قد اتهموا بالعمالة والتبعية للدول الاجنبية . وصاحب هذا الاتهام تحولات عدة خضعت للتوجهات الذاتية والسياسية والايديولوجية , الا انها في المجمل توزعت على الدول الاتية (بريطانيا وامريكا واسرائيل وايران) وهى الدول التي ذكرنا سابقا ان العقل السلطوي السني الحاكم قد ادخلها في دائرة (المدنس) , فيما ادخل الدولة العثمانية سابقا - وتركيا حاليا - وباقي الدول العربية واهمها السعودية ومصر في دائرة (المقدس) الذي لايجوز نقده او التجاوز عليه . ويمكن تقسيم تلك الاتهمات بحسب المرحلة السياسية الحاكمة وهى :
1 . العهد الملكي 1921 - 1958 : كان الاتهام الاساسي الذي وجه للعهد الملكي هو العمالة والتبعية للانكليز . وهى في الاصل تهمة غريبة , لان الانكليز هم في الاصل من اسس الدولة في العراق عام 1921 وادارها بحسب قانون الانتداب الذي اقرته عصبة الام , واتهام السياسين بالعمالة او التبعية للانكليز شبيه باتهام الابن بالتبعية لوالده !! . ومن اهم الشخصيات الرئيسة والفاعلة في العهد الملكي التي اتهمت صراحة وعلنية بالعمالة للانكليز او غيرها من الدول والمنظمات هى (الملك المؤسس فيصل الاول الملك غازي (واتهم بموالاة النازية ايضا) والملك فيصل الثاني والامير الوصي عبد الاله وعبد الرحمن النقيب (اول رئيس وزراء في العراق) وعبد المحسن السعدون وجعفر العسكري (اول وزير دفاع ) وياسين الهاشمي واخيه طه الهاشمي وصالح جبر ونوري السعيد ومحمد فاضل الجمالي (اتهم ايضا بالماسونية) وعبد الرحمن الكيلاني (واتهم بموالاة النازية) ومحمود النقيب ابن عبد الرحمن النقيب وناجي شوكت (واتهم بمولاة النازية) ونور الدين محمود وارشد العمري وجميل المدفعي) . علما ان تلك الاتهمات جاءت من قبل ثلاث اطراف هى : اتباع الحركة الاستقلالية في العراق الذين اطلق عليهم لاحقا تسمية (الوطنيين). واصحاب التوجات الايديولوجية والثورية الماركسية والقومية. والاعلام العربي المصري بعد الثورة المصرية عام 1952 .
2 . العهد الجمهوري 1958- 2003 : في العهد الجمهوري حصل تحول في مفهوم العمالة , فبعد ان كان الاتهام للانكليز في العهد الملكي هو المتعارف عليه عند الانتلجنسيا السياسية والنخبة الثقافية في العراق والعالم العربي , اصبح الاتهام للولايات المتحدة الامريكية التي برزت كقطب رئيسي بعد الحرب العالمية الثانية هو النمط السائد عندهم . والاتهام بالعمالة لامريكا اتخذ الطابع المخابراتي المؤامراتي السري , اي ان التبعية تكون ضمنية والاتهام يتخذ صورة الالتزام السري , فيما كان الاتهام السابق بالعمالة للانكليز قد اتخذ الصورة السياسية والعلنية , اي مقولات تتخذ سطوتها ورسوخها من الواقع , او الاستناد الى احداث سياسية معينة وتاويلها الى نمط العمالة - او حتى الخيانة - مثل معاهدة برتسموث عام 1948 مثلا او ميثاق بغداد عام 1955 وغيرها . والاتهام الاول بالموالاة الى امريكا قد وجه لتنظيم الضباط الاحرار - ومتزعمه غبد الكريم قاسم - الذين نجحوا في اسقاط النظام الملكي واعلان الجمهورية عام 1958 . حيث اشاع بعض الباحثين والكتاب البعثيين لاحقا ان الوثائق المكتشفة حديثا اظهرت ان تلك الحركة الثورية قد تبلورت من خلال التاثير والدعم الامريكي من اجل انهاء الوجود البرطاني في العراق اولا , والخوف من عدم قدرة الملكية في العراق على مواجهة الشيوعية ثانيا . كما اتهمت ايضا السلطة البعثية التي تسلمت الحكم بعد انقلاب شباط 1963 بالعمالة للامريكان من قبل الشيوعيين المعارضين لهم , وسبق ان ذكرنا سابقا انهم استندوا في ذلك الى عبارة القيادي البعثي علي صالح السعدي (جئنا عام 1963 بقطار امريكي ) وشهادة الملك الاردني الحسين بن طلال للصحفي المصري محمد حسين هيكل حول علمه بادارة المخابرات الامريكي لهذا الانقلاب الذي اطاح بحكم الزعيم عبد الكريم قاسم . وبالطبع سيكون عندنا تناقض حول كيفية مساعدة امريكا للضباط الاحرار في اسقاط الملكية من جانب , ومساعدتها في نفس الوقت للبعثيين باسقاط الضباط الاحرار عام 1963 من جانب اخر, الا ان التناقضات الغرائبية لاتشكل هاجسا او تساؤلا في العقل العراقي المؤدلج والمتماهي مع النسق الاعلامي المهيمن على النظام المعرفي والثقافي .
واما مرحلة حكم الاخوين عارف (1963-1968) فقد وصفت بالتبعية والخضوع للتوجهات القومية والاشتراكية الناصرية نزولا عند رغبة الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي اشترط على الدول العربية التي ترغب في الوحدة مع مصر تبني تلك التوجهات الخاصة بالنمط المصري الثوري .
واما الانقلاب البعثي الثاني الذي حصل في تموز 1968 فقد اتهم ايضا بالعمالة والتواطوء مع الامريكان من خلال طريقين : الطريق الاول استغلال العلاقة السابقة مع القيادات البعثية التي قامت بانقلاب شباط 1963 . والثاني استغلال التذمر الامريكي حول خطوة الرئيس عبد الرحمن عارف في تقريب احدى الشركات النفطية الفرنسيىة . وقد ذكر تلك الاحداث احد الكتاب بقوله (لقد ألقت تداعيات الحرب الباردة بظلالها على دول المنطقة - وبضمنها العراق - ولازال حتى الان طي المجهول دور الأجهزة السرية الأمريكية في الأحداث والانقلابات الدامية اللاحقة في العراق - ومنها انقلاب 1968 - حين تسلم البعثيون السلطة من الرئيس عبد الرحمن عارف في انقلاب لم ترق فيه قطرة دم واحدة . آن شخصيات عراقية بارزة مثل حردان التكريتي وعبد الرزاق النايف وعبد الغني الراوي وغيرهم من جنرالات المؤسسة العسكرية في العراق كانوا على صلة وثيقة بالمخابرات البريطانية والامريكية بشكل او بأخر). فيما اكد قضية الشركة الفرنسية البعثي المنشق حردان التكريتي بالقول : (أعلن الرئيس عبد الرحمن عارف.. قبل انقلابنا بشهرين عن تعديل في اتفاقيات النفط لصالح شركة ايراب الفرنسية.. وقد طلبني احمد حسن البكر عشية إعلان الحكومة عن هذا التعديل.. وشرح ليً أهمية هذا الإعلان.. وأثاره السيئة على علاقات كل من العراق ـ ببريطانيا.. والعراق – بأمريكا.. وذكر إن علينا إن نستغل هذا الوضع الجديد للقيام بعمل ما.....وجرت بعد ذلك اتصالات بيننا وبين صدام حسين الذي كان إنذاك في بيروت.. وأخبرناه بضرورة إقامة حوار عاجل بينه وبين السفارة الأمريكية...) .
بعد نجاح الثورة الاسلامية في ايران في شباط 1979 حصل تحول مفصلي في المنطقة تمثل بارغام الرئيس احمد حسن البكر على التنازل عن السلطة لصالح نائبه صدام حسين (في تموز من نفس العام , اي بعد خمسة اشهر من نجاح الثورة) , وقد فسر ذلك التحول رغبة الادارة الامريكية في البحث عن زعيم ثوري يقوم بالهجوم على ايران وتهميش دورها وتاثيرها على الساحة الاسلامية . وقد ذكر ذلك احد الكتاب بقوله ( فعندما استولى آية الله الخميني على السلطة عام 1979، عملت أمريكا على تحويل صدام إلى "رجل أمريكا في منطقة الخليج". وقد قدمت واشنطن لبغداد معلومات استخباراتية، وأرسل الرئيس الأسبق رونالد ريغان مبعوثا رئاسيا خاص للتحدث إلى صدام حسين في عام 1981 . واسم هذا المبعوث هو دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الامريكي في عهد ادارة الرئيس جورج بوش الابن ) .
3 . العهد الديمقراطي 2003 – 2017 : التحول الاخير في مفهوم العميل حصل بعد سقوط النظام البعثي وقيام العراق الديمقراطي بمساعدة الولايات المتحدة الامريكية , حيث اتهم هذا النظام الجديد بالعمالة لدولتين متناقضتين وهما امريكا وايران , وكان القطاع الاكبر المشمول بهذا الاتهام هم المتصدين للعملية السياسية وهى الاحزاب الاسلامية الشيعية والكورد ومن رافقهم من العلمانيين المستقلين . (وربما حصلت اتهامات بالعمالة لاسرائيل على الكورد) .الا انه بمرور الزمن تلاشت قضية الاتهام الى امريكا , وبقيت مقولة الاتهام بالعمالة لايران فقط هى المتسيدة عند المعارضين للعراق الجديد من الطائفيين السنة ومن اتبعهم تلقائيا من المخصيين الشيعة . بل ربما تحول المتهمين بالعمالة لامريكا في السنوات الاولى بعد 2003 الى وطنيين . فنرى مثلا ان السياسي العراقي اياد علاوي ورغم اعترافه بالتعاون مع (16) جهاز مخابرات اجنبي ضد نظام صدام حسين وتحالف مع الاحتلال الامريكي للعراق , الا انه وبمجرد ان هاجم ايران تحول بقدرة قادر الى (وطني) , كما تم اخراج الاحزاب الاسلامية والشخصيات السنية العلمانية ايضا من خانة العمالة , رغم تعاونهم مع الامريكان ومشاركتهم بمؤتمرات المعارضة تحت الرعاية الغربية في لندن وغيرها , ومثال ذلك السياسي السني رئيس الحزب الاسلامي العراقي اياد السامرائي , وهو الامر الذي ذكرناه سابقا (ان السني وطني حتى لو ثبت عليه العكس والشيعي عميل حتى يثبت عليه العكس) و (السني بريء من العمالة حتى لو ثبتت ادانته والشيعي متهم بالعمالة حتى يثبت برائته) والسبب هو امتلاكه الحصانة التكوينية والتشريعية والذاتية من الاتهام بالعمالة , بسبب المركزية السنية التي تهيمن على العالم الاسلامي وتلقي سلبياتها دائما وابدا على الاقليات الاثنية والمذهبية اولا , والسلطة السياسية السنية الحاكمة في العراق التي رسخت مفهوم العمالة عند فئات معينة ثانيا , والادهى من ذلك ان تهمة العمالة لايران اصبحت اخطر من تهمة العمالة لاسرائيل عند الطائفيين السنة ومن تبعهم باحسان من المخصيين المثقفيين والمتعلمين الشيعة , ومثال ذلك عندنا هو السياسي السني مثال الالوسي , فرغم اعترافه بزيارة دولة اسرائيل مرتين والتي تشكل في المخيال العربي والعراقي رمزا للشر والحقد والخطورة , الا انه وبمجرد ان هاجم ايران ايضا تحول الى وطني (قحي) !! وكذا الامر مع التيار الصدري الذي اتهم بالعمالة لاايران خلال الحرب الاهلية عام 2006 , الا انه وبعد تصاعد الخلاف معها عام 2017 تحول ايضا عند النخبة المثقفة والسياسية الى (تيار وطني) . اذن اصبح الهجوم على ايران هو معيار الوطنية والعمالة في العراق بعد 2003 , وسبحان مغير مفهوم العمالة من حال الى حال .
الخاتمة :
ان جميع الحقول الفلسفية والسياسية والدينية تخضع في مساراتها وتحولاتها ومقولاتها الى قوانيين ثابتة او خاصة بها , والحقل السياسي هو واحد من هذه الحقول التي تتبع قوانيين خاصة قائمة على الجدل والحركة والصراع والتحول والاستجابة الانية للمظاهر الطارئة والاستغلال السريع للفرص وعدم الثبات على المواقف والمبادىء والقيم , الا اننا وجدنا ان العقل السياسي العراقي وبسبب هيمنة النزعة المثالية التي ورثناها – كما يقول الدكتور الوردي – من تراثنا الحضاري القديم وتوافد الايديولوجيات الثورية والنضالية وانبعاث العصابيات الدينية ضد الغرب , اصبح يخضع لمقولات وقوانيين مختلفة عن تلك التي تسير عادة الحقل السياسي الرصين , واعتقد ان سبب التماهي مع تلك النزعات والمثاليات والايديولوجيات هو تكاملها مع نظامه المعرفي والثقافي القائم اصلا على الذاتية والمزاجية . وقد عبر عن تلك الاشكالات السياسية الكاتب العراقي الاستاذ ثامر عباس بتساؤل مرير (إلى متى سيبقى العقل السياسي العراقي أسير الذهنية المؤدلجة ورهين السيكولوجية الانفعالية التي ما أن يحاول الخروج عن مسارها ويسعى للإفلات من سطوتها ، متوخيا” استطلاع رصيد قدرته في مجال عقلنة آليات السلطة واستشعار مقدار أهميته في مضمار أنسنة تفاعلات المجتمع ، حتى تستدرجه تلك المآخذ بغوايتها نحو الاهتمام بالأمور الهامشية والانشغال بالقضايا الفرعية ، لتسقطه مجددا” في حبائل الاستقطابات الأفقية والصراعات العمودية التي طالما استنزفت زخم تأثيره الرمزي ، واستنفدت مخزون تراثه الحضاري ، واستهلكت ثراء عمقه التاريخي ؟)
الخلاصة :
1 . ان مفهوم العمالة هو احد تجليات عصاب الغرب الذي اصيب به العقل العراقي السياسي .
2 . ان مفهوم العمالة لاوجود له في الحقل السياسي العقلاني والاكاديمي والموضوعي .
3 . ان مفهوم العمالة يتركز فقط في الايديولوجيات الشمولية والثورية والاحادية كالقومية والماركسية والاسلامية ولاوجود له في العقل السياسي الليبرالي .
4 . ان الاتهام بالعمالة في العراق يخصع الى ثلاث محددات وهى (الايديولوجيا , السياسة , الذاتية)
5 , لقد خضع مفهوم العمالة عند العراقيين للتحولات السياسية والايديولوجية التي مرت خلالها الدولة العراقية منذ تاسيسها عام 1921 وحتى الان .
6 . لم يقتصر الاتهام بالعمالة على الفئات الاجتماعية والحزبية والتيارات الفكرية والسياسية في العراق , بل شمل بها افرادا من الادباء والمفكرين مثل الرصافي والزهاوي اللذين اتهما بموالاة الانكليز وعلي الوردي الذي اتهم بالماسونية .
7 . انحصر الاتهام بالعمالة في العراق الى الدول والمنظمات الاتية : (بريطانيا وامريكا (الامبريالية) واسرائيل (الصهيونية) وايران والماسونية) .
8 . ان الاتهام بالعمالة هو السلاح الامضى عند الديكتاتوريات والايديولوجيات الثورية لتسقيط الاخرين وتبرير اقصائهم وتهميشهم وابادتهم .
9 . ان اقوى مفاهيم العمالة رسوخا في النظام الثقافي العراقي هو ماروجت له الدولة القومية البعثية الحاكمة خلال اربعين عاما (1963-2003) بسبب استعانتها بمقدرات الدولة المادية والاعلامية والامنية .
10 . ان الكاتب يرفض وجود مفهوم العميل المتداول الان عند العراقيين , ويعتبره من بقايا السياقات والصراعات السياسية والايديولوجية والاستبدادية , ونمطا انساب من ثقافة التخوين والالغاء والاقصاء السابقة .
11 . ان الكاتب توصل الى نتيجة مؤسفة وهى ان جميع الفئات الاجتماعية والتيارت الفكرية والتوجهات الايديولوجية والاحزاب السياسية والانظمة الحاكمة والسياسيين المحترفين في العراق قد اتهموا بالعمالة والتبعية للاجنبي , بعضهم صراحة وبعضهم ضمنا من خلال التلميح والايحاء .
12 . ان تبني هذا المناهج الذاتية والسياسية والايديولوجية في تحديد مفهوم العميل يجعل اي كاتب او سياسي عراقي يتبنى هذه المناهج في موضع العمالة من الاخرين , لانها لاتستند على اسس موضوعية محكمة .
13 . ان اغلبية العراقيين فرحين بهذا النمط المزاجي والسياسي من الاتهام بالعمالة لانه يوفر لهم مساحة في اتهام اي شخص او حزب او فئة او حكومة يعارضونها حتى لو كان هذا النمط الكيفي قد يتهمهم في وقت من الاوقات او حالة من الحالات بالعمالة , فهذا النمط مثلا يتهم الشيعة بالعمالة والتبعية لايران مثلا , الا ان الشيعة فرحين به لانه يتهم الكورد بالعمالة ايضا . وكذا الامر مع الشيوعيين والبعثيين والاسلاميين الفرحين بهذا النمط الذي يوفر لهم امكانية اتهام بعضهم للبعض باريحية وكيفية منقطعة النظير .
14 . ان العراقيين لايتصورون سياسيا او حزبا سيئا او فاسدا او استبداديا الا ان يكون عميلا , لانهم يعتبرون هذه الصفة هى اسوء الصفات والشرور والرذائل , فيما ليس بالضرورة ان يكون ذلك , لان هذه الصفات هى اسوء من العمالة بحد ذاتها حتى بمعناها العرفي والشائع .
15 . يقول محمد عابد الجابري (ان كل كتابة في السياسة هى كتابة سياسية متحيزة) وهذا الامر ينطبق بصورة كبيرة واساسية على مفهوم العمالة الشائع في مجتمعنا العراقي فهو يندرج ضمن الاطار السياسي المتحيز بطبعه وليس ضمن المسار المعرفي .