كِتابُ الشعرِ... جنون اللغة (ج1)

سامي عبد العال
2017 / 9 / 15

هل الشعر هو جنون اللغة ضمن وجودنا الغُفْل؟! إنَّه كذلك كعملٍّ استثنائي على قارعة الحياة. ربما لا نعبأ به وسط الزحام لكنه يراقب الأشياء عن كثبٍ. وحين يتكلّم ينكشف صمتُ العالم. فالصمت بمثابة المادة الخام لما سيقول. دوماً ينبغي للشاعر تعليم هؤلاء الواقفين عبر لغته: كيف يصمتون في أعماقهم. وهذه المادة بإمكانياتها الفنية تبني - بتعبير سلفادور دالي حول الفن- حواراً عبر أصداء لا متناهية. فالشاعر ينحت عباراته جاعلاً إياها نظماً مختمراً بالخيال دون قيود.

الجنون هنا ليس عملاً هامشياً غارقاً في المألوف. إنَّه قول الاشياء المألوفة بأكثر الأبعاد غرابة وإدهاشاً. الشعرُ خارج التَّوقُع لأنَّه يفيض بما يستحيل قوله. ولا يتدخل في طبيعة الموجودات بقدر ما يستنطقها بشكلٍّ مغاير. كأنَّها تتجلى في عملية تكوين متواصل. تختلف الآن وبعد الآن.. لأنَّها تصبح عملاً لآثار اللغة لا خارجها.

قديماً تفاخر شاعرُ العرب: إنّي وكلُّ شاعرٍ من البشر... شيطانُه أُنثى وشيطاني ذكرٌ. كدلالةٍ على فحولة الشاعر ونسبِهِ الابداعي. لكنه أيضاً يطرح تنويها بقوى اللغة ورغباتها اللا محدودة. قيل الكلام البليغ: ما كان لفظهُ فحلاً، ومعناهُ بكراً. أي يجمعُ جينات الذكورة والأنوثة في معجم واحدٍ. حيث الرغبات حروف هجينة تصوغ دفق الروح والمشاعر والوجود.

- 1 -

في كلمات الشعر تتفتح الكائنات، تحيا، تتلاشى. وتقف المعاني - وفقاً لرأي نيتشه- بأعلى الذُرى فوق السحاب أو بالأعماق مع نبض المصير. عندئذ المسألة البارزة: بأية طريقةٍ يحس الشعر نبضاً كهذا ؟....فقط حيث تعتبر لغته خالقةً لسواها. هذا " الطابع البدئي" لكلِّ عملٍّ أصيل. الشاعر ليس بينه وبين العالم إلاَّ ذاته القصوى. حيث يأخذه التيه في تكوينها على غرار الآلهة المشغولةٍ بأقدار المجهول ومساراته.

بهذا الإطار هل يُطلعنا الشاعر سعيد ابو الخير( شاعر وكاتب مصري) على الفكرة السابقة؟! كيف يستعير " كتاب الأماني" ؟ ( محمد سعيد أبو الخير، استعير من عينيها كتاب الأماني، سلسلة الابداع العربي، دار النابغة للنشر والتوزيع، طنطا- مصر، الطبعة الأولى 2016). وما هو كتاب الأماني ابتداءً؟ أهو الحب، القصيد، تجاوز الحدود النائية ؟! بأيَّة سطور جاءت عباراته ورسومه؟ وبخاصةً أنَّ الاستعارة واحدةٌ. إذ يطلبُ المعنى شيئاً نادراً كاللآلئ العجيبة أو صوّراً بلاغية لا تنضب.
"ملتصقاً أنا بالمستحيل
يا مدينتي الحزينة..." ( الديوان نفسه،29)

يصوغ الشاعر متون الحياة في حواشيه. إنَّه يفجر طاقة الكلمات لترسم الأحاسيس داخل لوحاته الفنية. وبالوقت ذاته يتجاوز فراغ الأشياء بلوغاً إلى قُواها الكامنة. فالانا عدسة مجمعة لأشعة التجليات النفسية وأوهامها. وريثما يمسك بها الشاعر لن يجد غير اللغة. هذا السراب المترهل تحت قيظ الآخر. لا مفر للأنا من آخر داخله دونما نهاية. ماء الشعر يبلّل الوجوه كالرسوم المائية. ويتسرب تحت الطباق المنتشرة تحت جذور الأفعال اليومية. المدينة الواردة بالمقطع هي الحزن، لم تخرج من دوائر الأنا بعدُ. "مدينة بلا قلب" كما يشير عبد المعطي حجازي.

قصائد سعيد أبو الخير تزرع النباتات المتسلقة والغنَّاء. ليس لها صنفٌ خاص بل القصيدة شذرات من الأحداث والأخيلة. وتتفرع في سيولة وتدفق فوق الجدران العتيقة وعبر الممرات والذكريات الغارقة في الماضي. لأنَّها تنهض من رقدتها بمجرد تركها للريح. في كل الاتجاهات والتواريخ هي تغوص. تعرف أسفار النفس وهوامشها قدر ما تموج كأمواج البحار. وشوشتُّها تنزف همساً منحوتاً كرسالة هيروغليفية من عصر قديم. وفوق ذلك تنضفر بمفردات حية قادرة على الحوار والحكي. ليس هناك نغمة مفردة تستوطن العبارات. لكننا نسمع كورالاً من المشاعر تتلاطم في دفقاته حيواتٌ مختلفة.

لأول وهلةٍ يبدو أثر الاستعارة خلف الكلمات معجوناً بأطياف اللغة. لأنَّ المعاني ظلال تترسب بعدما يُصاغ الكلام وقبله. فالاستعارة بلاغياً تزحزح صوراً لرسم دلالات أخرى أكثر انفتاحاً. ومن ثمَّ يصبح الفعل" استعير" (الذي يحمله عنوان الديوان) انكشافاً متواصلاً للقصد البعيد. ولا ننسى التقارب اللغوي بين" القصد" و"القصيد" و"القصيدة". وهو يرهص بزخم الشعر كحياةٍ ناقلاً القارئ من مضمونها المباشر إلى ميلاد اللغة الجمُوح.
" أمتطي جواد الخيال
وأمتشق سيف الاستعارة
وأخوض جغرافية عينيك..." ( الديوان نفسه،70).

فالشاعر إذ يستعير شيئاً - يبدو مادياً- يفتح النوافذ نحو الانطلاق. قال أحد الصوفية ذات مرة: " رب أدعوك أنْ تحررني... فاستجاب الإله إلى دعوته: سَلَبَ عقلَّه"... ليسير هائماً على وجهه. هنا لم يحرره الإله من وجوده فقط. بل من عالم الإله ذاته!! من كلِّ أسر ما دون نفسه. فالحرية تكسر القيود ولو كانت عقلاً. والأخير يأتي في معجم العربية من العِقال الذي يقيَّد به البعير خوفاً من الشرود. ونزع العقال وظيفة الشعر كدلالةٍ على التألُّه الخاص المختبئ داخل صياغاته. ليس شاعراً إلاَّ من يهجس بروحٍ متمردة على كافة الحقائق والمسلمات في قاعنا الثقافي.

- 2 -

ماذا تكون الكلمات سوى الرغبة الشاردة الآن... وبعد الآن؟ القصائد تروّض قوى المعاني كترويض الوحوش في الغابات، كترويض الأساطير في كهوف النفس. لتخرج دالةً في سياق النظم. باختصار هي تنحت عالمها الخاص...عالم الحياة والتاريخ. هذا لعدة اعتبارات ضمن عنوان الديوان:

1-" أستعير" ... دال حطم الحدود بين التناول المادي والاستعارة بمفهومها البلاغي. وجعل اللغة على أهبة الاستعداد لسلب العقل من صوره القاتمة. واللغة محط الاختلاف المرتبط بالتنوع والترحال. في العهد القديم: أنَّ الربَّ حينما غضب على شعبه " بلبل ألسنتهم". والبلبلة هي انسحاب الوضوح من معاني الخطاب. لكنها دعوه للتفكير الحر خارج المعتقدات والتقاليد السائدة. ذهب شعب الرب إلى كل مكان ناءٍ، نشأت الحياة وتفرقت على مساحة العالم.

2- " استعير"... أيضاً كدال لا يعني أخذاً إنما باعتبار العيون فضاءات لا متناهية للرغبة. وليس هناك مثل الشعر يفتح الأزمنة، الآمال، يقذف البدائل وراء بعضها البعض.
" سأنظر في عينيك كثيراً كثيراً
حتى أنسى لونهما "......
"أفكر في عينيك بعمق عينيك
إذاً: أنا مجنون"....
" نظرت في عينيك ألف مرة ومرة
فغرقت، وغرقت كل قراراتي...." ( الديوان نفسه، 44-45).

3- " استعير" ... فعلٌّ يمارس" عطاءً، تنويعاً. فالأماني لا حدود لها. وهي تتجسد بحالٍ سرعان ما تتركه لتأخذ غيره. الأمر يسمح بتدرج التعبيرات وانتقالها مع حركة اللغة إزاء مواقف الحياة.
" أنت الوجود
والرغبة الجامحة
أنت الوطن الواحد
والرحلة الناجحة
إلى جنتي وتنعيمي......" ( الديوان نفسه، 59)

4 - " أستعير"... تشكيل فني للوجوه المتخيلة. فإذا كانت العيون هكذا ملهمة فكيف بالوجه. الوجوه مصائر كما هي الروح منطبعة بمعالم غائرة. والشعراء يجيدون قراءة الوجه كصفحات مطوية من كتاب الشعر.
فالعالم وجه. الرؤية وجه. الحزن وجه. التاريخ وجه. الأمل وجه. لنلحظ في قصائد سعيد أبو الخير رسماً لملامح الوجوه: الرجال، النساء، الأطفال، الأمكنة، الأزمنة. وجه الوطن، وجه الحقيقة، وجه العالم، وجه الموت، وجه الأصدقاء، وجه الحزن. الإنسان في النهاية هو الكائن ذو الوجه anthropos كما يقول أفلاطون. يميزه عن سائر الأشياء الأخرى مانحاً الفائض الرمزي لوجوده.
حيث: " تعجز كل الكلمات على نقل الصورة
تعجز "كاميرات" الشعر
يتلعثم كل ملوك النحو...." ( الديوان نفسه، 52).

5- " أستعير" يوازي أكتب وأقرأ وأرسم. لأنَّ ايراد الكتاب يعوزه عمل من هذا القبيل. لعلَّ الشعر- ذلك الساري ضمناً- يؤكد المعنى ويرسم الملامح. سعيد أبو الخير يكتب- يقرأ بكيانه كمجمل التجارب الشعرية الأصيلة. فالشاعر بخلاف أيِّ إنسان سواه تكتبه القصيدة، تعجنه، تطرحه في اتون الحياة. لأنَّه كتلة حية من ذواته العميقة. هو يختصر كافة اللاوعي، كافة الأكوان، كافة الأسماء، كافة العوالم في أحاسيسه.
" وقفت عيني تفتش عن معنى في أقصى حدود قاموس الوصف" (الديوان نفسه، 52).

القراءة نحت فني للوجوه، تتحسس تفاصيلها. وهي الجانب المفهوم ضمناً في الكتابة. لدى الشاعر القراءة هي الكتابة. والرسم هذا الاستنطاق للمعاني داخل الأشكال، بلغة اللاهوت نفخ الروح في جسد العبارات.
" إلى أخر كلمة شوق من صفحة وجهك
فأعيد قراءة وجهك مرة أخرى
أسجل في هوامشي بعضاً من عباراته القديمة
أعيد فهرسته من جديد
من ألف الترنيم إلى ياء العبرات....." ( الديوان نفسه، 38 ).

وبالتالي ليست الأشعار نُسخاً لغوية لوجوه حية نصادفها في الحياة. بالأحرى الوجوه كائنات شعرية على الأصالة. تعيش فوق الأوراق، تعبث بين السطور وتنام طي الصفحات. تتغذى بالعواطف، تتألم، تتذكر داخل كتاب الشعر. يعبر كلام جبران في قصيدته" المواكب" على أنغام فيروز الهامسة.
... " أعطني الناي وغنِّ.. وانسَ داء ودواء
إنما الناس سطورٌ.. كتبت لكن بماء "....

إنَّ ماء الشعر هو ماء الحياة في الأساطير والأحلام. وهذا يفسر علاقة الشعر بالأسطورة وأسئلة الوجود الأولى. حتى أنَّ فيكو في كتابه " مبادئ العلم الجديد" لا يفرق بين الثلاثة. يعتبرهم شيئاً واحداً في الخيال البدائي. الشاعر يصوغ أسطورة الجماعة على نحو سردي. وربما أنه لم يذكر سبب هذا الارتباط. فهناك اللغة التي تشترك بين هذه العناصر. إنها كما في الفكر اليوناني اللوغوسLogos. الكلام الذي يجمع عناصر العالم في حالة حضور. برأي هيراقليطس هو القانون الكلي للكون، الأشياء، الانسان، الطبيعة. باختصار اللوغوس خطاب هذا القانون.

6- " استعير"... يُرهص بمجمل الأزمنة والأفعال. نظراً لاستمراريته على غرار الأحوال العرفانية.
" حين تسبح ذاتي في ذاتكِ
..............
أتعلم منها كيف يصير القلب مروجاً
في كل فصول الأزمان
أتعلم منك كيف يكون الصمت حديثاً
والعين المعصوبة تستبصر عاشقها
أكثر مما كان..." ( الديوان نفسه، 19 )

7- " استعير" ...مرآة لما يأتي خاطفاً. لهذا "القادم" الذي افتتح به الديوان جميع الأزمنة.
"لا يا سيدي...
تمهل قبل أن تقطع يدي
أنا ما سرقت شيئاً ممن غدي
لكنه هو دائماً
يأتي إلينا في المنام
وهل أسأل عن كمون رغبتي...." (الديوان نفسه، 7).

8- " أستعير" ... عودة ثانية وثالثة.... دون توقف. فهي تحمل ذاكرة. لأنَّ الاستعارة تأتي بدافع العودة الفائضة بالمزيد.
" ربما يكون لفجر عينيك علامات
إحداها...أنك أيقونة الوقت الأصيل
وكل المنى منك وإليك" (الديوان نفسه، 64).

9- " استعير"... دال ينطوي على مفارقة. لأنَّ الاستعارة ستصبح عيوناً. فإذا كان الشاعر يستعير( من عينيها) فالكتاب حالما ينقش القصائد سيوفر رؤى نافذة للمشاعر والعواطف. كأنه يعرض عيوناً ليست كالعيون بملء العالم والحياة لالتقاط المعاني غير المطروقة.
وتلك حيلة الشعراء: تفتنهم العيون ثم سرعان ما يفتنون القراء طوال الوقت. لأنَّ العيون لا تشاهد، لا تكون حيادية، ليست خارج ذاتها. بل هي الناظر والمنظور، الرائي والمرئي، هي العاشق والمعشوق. هي المرايا المتقابلة، فالقصائد بمثابة مرايا اللغة بطبيعة الحال. والاَّ فكيف يستعير الديوان كتاباً اسمه الأماني ثم يحدثنا عنها؟