سقوط الأقنعة (4) ورقة - لعبة الأمم -

فتحي علي رشيد
2017 / 9 / 12

استخدمت عنوان المقال لعبة الامم من كتاب "ما يلز كوبلاند " اذ لم أجد أفضل منه للإشارة إلى اللعبة التي قامت وتقوم بها ضد شعوب البلدان العربية الثائرة . فهل انتهت اللعبة ؟
ثمة أمور لايجد لها المتتبع للشأن السياسي و لما يجري في العالم العربي تفسيرا مقنعا وشافيا , لأمور كثيرة جرت خلال السبع سنوات الماضية إلا بوصفها لعبة أمم قذرة تجيب على كل التساؤلات المطروحة من خلال معطيات الواقع ؟
فكيف سلمت القوات السورية أسلحة الفرقة 17 لداعش دون قتال وانسحبت من الرقة ؟ كيف سلمت ثلاث فرق عراقية أسلحتها لداعش وانسحبت من الموصل ؟ كيف سمح الجيش السوري والطيران الأمريكي لداعش السير حوال 250كم ليصل إلى تدمر ويحتلها دون قتال .ومن بعدها يطبق الحصار على محافظة دير الزور ؟ واليوم بعد ثلاث سنوات ازدادت الأمورغموضا . كيف سمحت المخابرات الروسية والسورية وقواتهما العسكرية للدواعش وعائلاتهم الذين كانوا في جرود عرسال بالخروج سالمين غانمين ومرافقتهم حتى حدودمحافظة دير الزور؟ كيف يقوم وبعد يومين فقط كلا من الجيش السوري والمليشيات الشيعية الإيرانية بدعم من الطيران الروسي بهذا الزحف السريع والوصول إلى دير الزور خلال 48 ساعة ؟ كيف فك الحصار عن دير الزوربسرعة فاقت سرعة حصار داعش لها ؟
لماذا لم يترك حزب الله والنظام السوري وروسيا وإيران المجال للجيش اللبناني لقتال الإرهابيين في الجرود اللبنانية ؟
لماذا قام الطيران الأمريكي بقصف الطريق الذي ستمر منه القافلة ولم يقصف القافلة مباشرة ؟ هل كان للإعتبارات الإنسانية دور في ذلك ؟ مع العلم أن الأمريكان قصفوا مناطق مكتظة بالمدنيين العزل تتواجد فيها عناصر من داعش . راح ضحيتها الألاف ؟
هل استقبال مطارموسكو لثمان نساء روسيات مع أطفالهم كانوا في قافلة داعش المتجهة إلى دير الزور, وانسحاب الدواعش الذين قيل أنهم كانوا يحاصرون الدير والذين تبين أن أغلبهم دواعش قادمين من روسيا , هو تطبيق عملي للإتفاق الروسي الأمريكي حول سوريا ؟
لماذا لم تتمكن قوات " قسد " المدعومة من قبل الطيران الأمريكي خلال ستة أشهر من دحر داعش من محافظة الرقة بينما استطاع الجيش السوري بدعم من الطيران الروسي وخلال 48 ساعة فقط ( يومي 6و8 أيلول ) من دحر داعش من مساحة لاتقل عن 35 ألف كم وقطع مسافة تزيد عن 250 كم وفك الحصار عن اللواء 137 وعن مطار الدير ؟ مع العلم أننا لم نر جثة لا داعشي واحد ولا جندي سوري واحد في تلك المعارك المزعومة ؟ لماذا حصل الجيش السوري على هذا الانتصار السريع والسهل في هذا الوقت ؟ .
ما العلاقة بين ما جرى من تقدم للجيش السوري وهزيمة داعش المزعومة في الرقة ودير الزور.( بما يشبه عمليات تسليم وإستلام المناطق المتفق عليها في الغرف المغلقة على غطاء دخان "بروبغندا " إعلامية صاخبة ) وبين تصريحات ما يقال أنه المبعوث الدولي "دي مستورا " من أن على المعارضة السورية أن تعترف وتقر بالأمر الواقع ؟ (بهزيمتها أو بأنها لن تحقق نصرا عسكريا على النظام ) كما لو كان من هزم أمام الجيش السوري وحلفائه كان الجيش الحروفصائل المعارضة وليس داعش ؟ بما يشير إلى أن دي مستورا يتبنى وجهة نظر النظام وروسيا (من أنهم في سوريا لايحاربون شعب ثائر على الظلم والاضطهادوالفساد , بل إرهابيين ) وطالما أن هؤلاء قد هزموا( انسحبوا أمام قوات النظام ) فما على المعارضة السورية سوى أن تستسلم وترفع الراية البيضاء وتستسلم ؟
ماالعلاقة بين تصريحات المبعوث الدولي وتوافقات كلا من وزيري خاجية روسيا وفرنسا يوم 9 أيلول من أنه لايشترط في المرحلة الانتقالية للسلام في سوريا رحيل الأسد , وبين تصريحات ترامب بأن الأولوية لمحاربة الإرهاب ؟
ما العلاقة بين هذه التصريحات وبين الإعلان عن موعد جديد لمباحثات أستانة . وموعد جديد للقاء المعارضات السورية في الرياض ؟ ( التي تحولت بقدرة قادر إلى مجرد منصات متشابهة ومتساوية .منصات للخطابة المجردة لايقف خلف كل منها موقف سياسي وجماهير متباينة المواقف ).؟ ما العلاقة بين هذا اللقاء المرتقب في الرياض وبين زيارة لافروف إلى الرياض يوم 10 أيلول ولقائه نظيره السعودي ؟ كيف يقبل إئتلاف قوى الثورة السورية مجرد الحديث مع ديمستورا بعد ذلك أو الذهاب إلى استانة ؟
ما العلاقة بين زيارة سعد الحريري لفرنسا ( يوم 9أيلول ) والتوافق مع ماكرون على تقديم المساعدة لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلدهم . وبين التشدد في بعض بلدان الاتحاد الأوروبي في عمليات استقبال اللاجئين ؟ أين الأممية الإنسانية وحقوق الانسان ؟
هل جرت مقايضة بين أوكرانيا ( لللأوربيين ) وسوريا للإيرانيين والروس والأتراك( معروف أن كل حرب تجري من أجل إعادة اقتسام مناطق النفوذ ثم إعادة توزيعها حسب الشطارة ) ؟ هل ستنهي هذه الصفقة غير المعلنة الثورة السورية وضحاياها والجرائم التي ارتكبت فيها بهذه البساطة ؟
هل انتهت داعش في سوريا والعراق ؟ هل أصبح الوضع في البلدين أوفي اليمن وليبيا ومصر سليما ومعافى وما على الناس الذين هبوا وثاروا على أنظمتهم ـ على الأقل لكونها فاسدة ـ إلا أن يرفعوا الراية البيضاء ويركعوا ويقبلوا بالأمرالواقع كما يريد المبعوث الأممي وترامب وبوتين وخامنئي ؟
أين ذهبت دماء وأرواح أكثر من مليوني إنسان أُزهقت ؟ هل عفى الله عمن استخدم الكيماوي مئة مرة وقضى به على ما لايقل عن خمسة آلاف روح ؟ من سيقتص من عذابات عشرين مليون إنسان هجروا من بيوتهم ؟ من سيعوض الناس عن مليوني بيت ومنزل هدمت أو دمرت ؟ وعن الأشياء والذكريات والأصحاب التي فقدت ؟ أين أختفى حوالي مئتي ألف معتقل هل ذوبوا بالأسيد أم احترقوا ؟ أين ...إلخ
تزامن القضاء على داعش مع القضاء على الثورات العربية :
بعد أن تم تحرير الموصل وتم تشتيت شعب الموصل والرمادي والفلوجة وتل اعفروالرقة ودير الزور وتدمر وريفي حلب وأدلب وتدمير بيوتهم ومرافقهم العامة وباب رزقهم من المؤكد أن النظامين العراقي والسوري تمكنا من إخماد أي هبة شعبية ممكنة أو محتملة في المستقبل .فأية مطالبة بالإصلاح يمكن أن يقوم بها الشعب المهجر والمشتت والمفقر في جميع المناطق العربية ذات الغالبية السنية ,ماذا سيحل بالشعب الذي أخضع لداعش وبات يبحث عن البقاء فقط , مجرد البقاء على قيد الحياة بأي شكل كان .
ألا تذكرنا الهدن التي حصلت في القطاع الجنوبي الغربي من سوريا مع سكان ومقاتلي دوما وحرستا وجوبر وحمص وحماه ...ألخ .والاتفاقيات المبرمة مع المحتل الروسي الذي انقذهم من همجية شَبٍيحة النظام والمليشيات الإيرانية والعراقية ؟. ألاتذكرنا هذه الهدن والاتفاقيات بالهدن والاتفاقيات التي أقامها المحتل الفرنسي بعد القضاء على الثورة السورية عام 1925 ؟
ألا تذكرنا دعوات الرئيس الفرنسي ماكرون ( الموظف سابقا لدى آل روتشيلد ) للشعب السوري بالخلود للسلام ,بدعوات حكومة فيشي أيام الاحتلال الألماني لفرنسا عام 1941 للشعب الفرنسي بالخلود للهدوء وتقبل الاحتلال ؟ كما لو أنه يقول أن مقاومة النازية واسقاط حكومة فيشي لم تكن شرطا لتحرر فرنسا , كذلك إزاحة الرئيس السوري بشار الأسد وإخراج القوات الروسية من سوريا ليس شرطا لإيقاف الحرب في سوريا وبناء سوريا جديدة .كون الأولوية كما قال ترامب يجب أن تعطى لمحاربة داعش ومن يتعاون معها .
وهنا نسأل بوتين وترامب وماكرون : لماذا لم تصدروا أي موقف ولم تقوموا بأي تصرف معاد للنظام السوري أولحزب الله بعد أن ثبت أنهم يتعاونون بل وينسقون مع داعش ويحمونهم من الموت والاعتقال ويسهلون لهم طرق الانسحاب والنجاة ؟؟ ؟
من الذي انتصر وعلى من ؟ :
هاهو بشار الأسد يخطب في المغتربين ويقول انتصرنا وقائد الجيش اللبناني يقول انتصرنا ,والرئيسان عون والحريري يقولان انتصرنا . وعباس ابراهيم ( الذي يمسك بملف الأمن العام في لبنان ) يطمأن مستمعيه الذين يجلسون أمامه كالتلاميذ ( وعلى رأسهم رئيس الجمهورية ) بأن الخطر قد زال أو بأن اللعبة انتهت بينما لانسمع من آل الجميل وشمعون وجنبلاط وسمير جعجع إلا جعجعة . وهاهو السفير الإيراني من قلب بيروت العاصمة يعلن بأن المؤامرة انتهت والخطر عاى لبنان قد زال ( المؤامرة على من ؟ وممن ؟ ), وقائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط يقول انتصرنا, وبوتين يقول انتصرنا وديمستورا يقول نحن على وشك الانتهاء والتوصل إلى اتفاق . وبوتين يطمئن نتياهومن قلب الكرملين بأن لايخشى من الوجود الإيراني في سوريا , ويعطيه الحق بالتصرف حينما يشعر بالخطر . وها هو نتنياهو فورا , يرفق القول بالعمل فيقصف معمل للذخيرة في مصياف يوم 9 أيلول .وهاهم المصريين الذين باتت الصناعات الإسرائيلية تدخل في صناعاتهم حسب اتفاقية الكويز بنسبة لاتقل عن 12% يقيمون جناحا لصناعاتهم في معرض دمشق الدولي . والأردنيين بعد أن أمنت الاتفاقية الروسية الأمريكية أمن الاردن وإسرائيل في جنوب غرب سوريا يقولون على لسان وزيرهم "إن بقاء الأسد ضروري في المرحلة الانتقالية " تمهيدا لفتح الحدود رسميا مع حكومة الأسد .مع التذكير بأن هذين البلدين هما البلدان العربيان الوحيدان المطبعان مع إسرائيل , واللذان يحاصران الفلسطينيين ,و في ذات الوقت اللذان يفتحان بلادهما للبضائع الإسرائيلية والسورية ويقيمان أفضل العلاقات مع النظام السوري ومع المحتل الإسرائيلي !!!!.
أليس هو ذات الطلب الذي طلبه السيد حسن نصر الله رسميا من الحكومة اللبنانية ( التطبيع العسكري والاقتصادي مع النظام السوري , مع أن سياسة النأي بالنفس لم تلغ رسميا من فوق الطاولة ورسميا كما هو الحال مع مصر والأردن ) .
هاهو نظام مبارك يعود إلى كما كان من خلال السيسي , بل وأسوأ .وهاهو علي عبد الله صالح يعود لواجهة الأحداث ليعوم . وخليفة حفتر ( خليفة القذافي ) يلقى الدعم من العدوين اللدودين روسيا وبريطانيا .رغم معارضة إيطاليا وأوروبا .
ألا يذكر هذا التوافق الذي حصل بين الشرق والغرب وما بينهما في جرود عرسال ودير الزور وجنوب غرب سورية , ومحافظة الحسكة ومابينهما وفي سوريا بالتوافق الحاصل بينهم عام 1258 م عندما غزى المغول بلادنا جارين معهم ( نفس من تجرهم اليوم روسيا وإيران) كل مرتزقة أواسط آسيا وشمال إيران والفرس وشيعة العراق من الشرق . ومن الغرب الصليبين جارين معهم كل مرتزقة أوروبا ( نفس من تجرهم اليوم أمريكا وروسيا من مرتزقة ومهمشين وحاقدين في روسيا وأوروبا ) ؟
ألا يذكرنا هذا بالتوافق بين جميع القوى الكبرى في مؤتمر لندن عام 1840 لاقتسام تركة ماكانوا يطلقون عليه مصطلح "الرجل المريض " ؟ ألا يذكرنا هذا بالتوافق بين كلا من روسيا وأيطاليا وبريطانيا وفرنسا على تقسيم الوطن العربي وبخاصة سوريا عام 1917 ؟ ألايذكرنا هذا بفيلم 11 أيلول الذي اتخذت منه أمريكا ذريعة لمحاربة الشعوب الثائرة على النظام الدولي الجديد الذي فرضته بعد الحرب الباردة . جارة ورائها كل الدول الحليفة لها في أوروبا والعميلة والتابعة لها في العالم تحت يافطة محاربة الإرهاب ؟
في الختام نسأل :
إذا كان كل هؤلاء قد انتصروا فمن هو الخاسر يا ترى ؟
هل داعش ؟ أم من يقفون ورائها ؟
ماذا قدمت داعش والدول الداعمة لها من ضحايا ؟ ألف ألفان ثلاثة بأعلى تقدير . هل تقارن هذه الأعداد بأعداد ضحايا الشعوب العربية في سوريا واليمن والعراق ومصر وليبيا (بما يزيد عن مليون) ؟ هل تقارن خسائرهم في الجرحى والمصابين والمهجرين والمشردين الذين تشتتوا في أصقاع الأرض , أوبالذين دمرت بيوتهم وسويت بالأرض ؟ اذن الشعوب العربية هي الخاسر الوحيد .
مشكلة النخب والمعارضات العربية , وبخاصة السورية أنها لم تقرأ التاريخ جيدا , ولهذا اعتقدت أوتوهمت ,أو خيل لها أن النظام السوري وبقية الأنظمة الديكتاتورية مرفوضة من أمريكا ومن الغرب فوضعت أغلب أوراقها في سلتيهما ( كمن يجلس في حضن عدوه) لتكتشف بعد فوات الأوان أن أمريكا وأوروبا ( ومن يدور في فلكهما ) بمافيها فرنسا بلد الحرية لايريدان الحرية إلالشعوبهم ويرفضونها للشعوب العربية .والحسرة كل الحسرة على الشعب الذي قدم وضحى وسوف يضحي .
هذا جزء من المشهد العام . أما الأهم فهو مابدأنا حديثنا به , والمتمثل بأن العدو لم يعد يأتينا من الخارج فقط , بل أصبح من وفي الداخل . فهاهي القواعد والمطارات والقوات والشرطة الروسية والأمريكية والبريطانية والفرنسية والإيطالية والمليشيات الإيرانية والأفغانية والشيشانية في كل مكان من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي بدعم من وموافقة أبناء جلدتنا .
ألا يذكرنا هذا بالوضع الذي عشناه بين القرن الثاني عشر والرابع عشر حيث تحالف شيعة بلاد فارس واتباعهم في بغداد والشام وحلب مع التتر والمغول والصليبيين ( راجع كتاب "أثر الحروب الصليبية على العلاقات بين السنة والشيعة لمحمد الشنقيطي )وتحالف المسيحيين الغربيين مع الصليبيين والعمل لديهم كأدلاء ( راجع ماكتبه المسيحي اللبناني فيليب حتي في كتابه "تاريخ لبنان والبلدان العربية " وحيث تحول كثير من العرب إلى أدوات بيد الدول الاستعمارية ؟
لهذا كان لا بد من يقظة وإعادة توعية شاملة .
هذه ليست نهاية التاريخ اذ نلفت النظر إلى أن جميع من احتلوا الوطن العربي قد هُزموا على يد العرب تحت قيادة الأيوبيين والمماليك والعثمانيين .
و ليس أمام شعوبنا سوى الاستمرار بالعيش والنضال وبناء ما تهدم وإعادة البناء ,والأهم إعادة بناء الوعي بما حصل كيلا تتكرر المآسي .

فتحي رشيد
11 / 9/ 2017