هل ان جميع العراقيون عملاء ؟؟ تطور مفهوم (العميل) في العراق خلال مائة عام (1917-2017) (القسم الثالث)

سلمان رشيد محمد الهلالي
2017 / 9 / 12

(حتى نفهم حقلا ما ... لابد من معرفة وضعه في مجال السلطة) بورديو
يمكن تقسيم الفئات السياسية والاجتماعية في العراق التي اتهمت بالعمالة تصريحا او ضمنا الى ثلاث اقسام :
القسم الاول : الطبقات الاجتماعية والمكونات الاثنية والمذهبية والدينية .
القسم الثاني : الاحزاب السياسية والتيارات الايديولوجية .
القسم الثالث : الحكومات اصحاب السلطة والسياسيين .
القسم الاول : الطبقات الاجتماعية والمكونات الاثنية والمذهبية والدينية . وهى ظاهرة انفرد بها المجتمع العراقي والنخب السياسية الحاكمة فيه قبل عام 2003 وهى اتهام مجموعات اثنية ومذهبية ودينية تشكل اكثر من 80% من مجوع عدد السكان بالعمالة للاجنبي والتبعية للخارج . بل هناك الاسوء اذ في حالات معينة لايجري اتهامهم بالعمالة والتبعية , بل يجري الاعلان صراحة انهم اصلا ليسوا من اهل البلد , وانما من قومية او مجموعة او اثنية , او ليسوا مسلمين ويتبعون حتى ديانة اخرى . وهو الامر الذي حصل مع الاغلبية العربية الشيعية في العراق . وسنبدا باستعراض تلك الجماعات بحسب قوة الاتهام :
1 . الشيعة : تزعم الشيعة الحركة الاستقلالية الوطنية بعد الاحتلال البريطاني للعراق بين عامي 1914-1921 , وادرج الباحثون رسالة لعضو جمعية العهد جعفر العسكري (اول وزير الدفاع في العراق) الى المرجع الشيعي محمد تقي الشيرازي في كربلاء عام 1919 يطلب منه حث العراقيين للعمل على نيل الاستقلال , ولاحاجة لبيان سبب عدم ارسال العسكري هذا الطلب الى احد اكبر علماء اهل السنة في العراق وهو محمود شكري الالوسي او مسوؤل الروضة القادرية عبد الرحمن النقيب او غيره , اذ كان يعلم جيدا انهم كانوا من المهادنين للاحتلال البريطاني والحكم الماشر , وراغبين بزوال العهد الثماني الذي اعطاهم امتيازات لاحصر لها . الا ان هذا لايستمر طويلا فقد دخل الصراع على السلطة بعد تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 والرغبة بالاستئثار والهيمنة على مقدرات تلك الدولة على خط الاحداث , فيبنما رأت الاغلبية الشيعية في العراق والمتمثلة بالزعامات الروحية والدينية من جهة والقيادات الوطنية من جهة اخرى , عدم الجدوى في المشاركة في الانتخابات وانشاء المجلس التاسيسي عام 1923 تحت الانتداب البريطاني والهيمنة غير المباشرة على مقدرات الدولة، رأت النخب السياسية ذات الاصول والميول العثمانية والتي تماهت مع الاقلية السنية في العراق, ضرورة المشاركة والمساهمة في عملية بناء الدولة وتاسيسها من اجل الحفاظ على المعادلة السياسية السابقة في الادارة والحكم, وترسيخ المكتسبات التي حصلت عليها بالتعاون مع جميع السلطات الحاكمة على مدى التاريخ الاسلامي، فحصلت من جراء ذلك عملية تحالف (صريح او ضمني) بن هذه الفئة الاجتماعية والنخب السياسية التي تقودها وبين سلطات الانتداب البريطاني يهدف الى تهميش واقصاء الاغلبية الشيعية عن الادارة والحكم, والايحاء بان وقوفها ضد العملية السياسة وتاسيس الدولة في العراق , لم يكن لاسباب تتعلق برفض الانتداب والوصايا الاجنبية ، وانما بسبب عدم حرصهم على هذا البلد وبناء مؤسساته الدستورية ، فكان اجدى هذه الوسائل هو استحضار الموروث العدائي او (المتخيل) الذي صنعته السلطة العثمانية ضد الاغلبية العربية الشيعية وتوظيقه لاغراض سياسية واعتبارها ذات ولاء خارجي عابر للحدود، وان ابناء البلد الاصليين والمدافعين عن سيادته وحقوقه ليسوا هم القبائل العربية في وسط وجنوب العراق, وانما الطبقة السياسية ذوات الاصول الجورجية والمملوكية والشركسية والتركية والكيلانية الحاكمة في العراق التي هيمنت على مقدرات السلطة والحكم من خلال التحالف مع الدولة العثمانية سابقا والادارة البريطانية لاحقا . وقد قاد هذه الحملة احد خريجي المدارس العثمانية وهو محمود النقيب نجل رئيس الوزراء عبد الرحمن النقيب الذي اصدر صحيفة (العاصمة) وشن فيها هجوما على التيار الوطني الاستقلالي في حزيران 1923 بقولها (ان الدعوة الى مقاطعة الانتخابات هو التحول الاخير في مؤامرة الاوساط الفارسية ... تلك فكرة مستوحاة من مصالح اجنبية عن البلاد تخشى القومية العربية) .واما والده عبد الرحمن النقيب فهو اكثر صراحة اذ قال للمس بيل (ان هؤلاء الشيعة الذين قاوموا الرجل الانكليزي لا شرف لهم ولا سمعة) . فيما عبر مزاحم الباجه جي عن مشاعره بوضوح عندما ذكر للمندوب السامي البريطاني برسي كوكس بانه (يشعر بالاسى كون حماقة قلة من العرب ستربك مهمة الامة البريطانية ، ان الحركة الحالية ليست عربية (يقصد ثورة العشرين) ، بل هي ممزوجة بعناصر اجنبية ، ارجوكم ان لا تعتبروا الثورة الحالية حركة وطنية خالصة تسعى لتحقيق الاستقلال في البلاد) . وقد تطور الامر بعد تصاعد التوجهات الفاشية والنازية المتطرفة في عقد الثلاثينات وتاثر القوميين العراقيين بها . فقد نشر احد الطائفيين الشركس من خريجي مدارس اسطنبول يدعى عبد الرزاق الحصان العاني كتابا بعنوان (العروبة في الميزان نظرة في تاريخ العراق السياسي) عام 1933 ، هاجم فيه الاغلبية الشيعية في العراق بالاسم الصريح بقوله (ان الشيعة هم فرس بالاجماع ، وهم من بقايا الساسانيين في العراق ويرجعون الى المزدكية والمانوية والسبئية ، ولا حق لهم في سلطة او في تمثيل في السلطة) ، وهاجم ثورة العشرين بمقولات غريبة لاتلازم فيها بالقول (لو كان الايمان بالعروبة قويا وكانت العقيدة بالقومية العربية خالصة لله وللعرب لما خابت ثورة 1920 ولما وقعنا به من الارتباك في السياسة والانحطاط في الاخلاق والتدهور في الاداب العامة !!) واكد الاعجاب بالتوجهات الفاشية والنازية بالقول (ان العراق بحاجة الى رجل كمسوليني) , واذا عرفنا ان هذا الكتاب قد وضع بتحريض من ياسين الهاشمي واخيه طه الهاشمي وهما من الشخصيات التي تنتمي الى الاصول التركستانية ، ومن خريجي مدارس اسطنبول، لعرفنا مقدار خطورة استغلال القضية الطائفية في مجالات احتكار السلطة من قبل النازحين من اواسط اسيا ، في مقابل اهالي البلد الاصليين . وقد استمرت قضية الاتهام بالعجمة والفارسية والتبعية حتى انقلاب 1963 حيث شهدت البلاد نمط جديد من الاتهام استحضر التاريخ الاسلامي السلطوي والعصابي وهو (الشعوبية) , الا ان مقولة الولاء الى ايران والتبعية لها لم تطرح بعد ذلك الانقلاب , لان الشاه الايراني محمد رضا بهلوي كان ابعد الناس عن التصور المذهبي , ولم يطرح نفسه زعيما للمسلمين الشيعة , لانه يعتبرها احدى التصورات الدينية التي تجاوزها المجتمع الايراني انذك , ناهيك عن النظام السياسي العلماني شبه الليبرالي الذي يستند اليه .
تصاعدت الاتهامات للشيعة العراقيين بعد الحرب العراقية الايرانية (1980-1988) والانتفاضة الشعبية في اذار 1991 وبلغت ذروتها في المقالات الستة الشهيرة التي نشرها صدام حسين في جريدة الثورة بعنوان (ماذا حصل في اواخر عام 1990 والاشهر الاولى من عام 1991 ولماذا الذي حصل حصل ؟) هاجمت فيها الاغلبية العربية الشيعية في العراق ، باقسى العبارات المباشرة ، وبالاسم الصريح ، واعتبرتهم اشرارا ومنحطين بالسليقة ، وليسوا عراقيين او عربا ، وانما هم من سلالة العبيد الوافدين من الهند . ويطيعون ديانة وضيعة لا تحتوي اي مبدا اخلاقي , وغيرها من العبارات الطائفية والعنصرية المنحطة .(ويمكن مراجعة مقالنا في الحوار المتمدن – من كتب مقالات جريدة الثورة عام 1991 ؟) . وبعد سقوط النظام البعثي الطائفي عام 2003 وقيام النظام التعددي والسياسي في العراق توقع الكثيريين ان صفحة الماضي الكئيب قد طويت , وان التعايش بين الفئات الاجتماعية والغاء المفردات الاقصائية والتخوينية ستكون احدى اهم سمات المرحلة , الا ان الكثير من الطائفيين والبعثيين السابقيين من الاقلية السنية والعديد من الكتاب المخصيين الشيعة والشيوعيين والكورد وغيرهم , اعادوا انتاج نفس مفردات السلطات السابقة في اتهام الاغلبية العربية الشيعية بالعمالة والتبعية لايران والولايات المتحدة وغيرها وبدون اي تغيير او تعديل . واتهام الشيعة بالعمالة والتبعية لايران او الولايات المتحدة او غيرها , فان اكثر من 60% من المجتمع العراقي يكون قد دخل مقدما في خانة العمالة بحسب المنهج القومي والطائفي المعتمد عند الانتلجنسيا السياسية والثقافية , وهو تبرير صريح ليس للاستبداد والاقصاء والتهميش فحسب بل وحتى تبرير للارهاب والتصفية والابادة التي حصلت بعد 2003 على اعتبار ان البلد تحكمه ايران او عملائها الشيعة على الاقل , ويبدو ان المخصيين – كما قلنا – يرددون مفردات الاب الميت ومفاهيمه دون علمهم او وعيهم , حتى لو كانت تؤدي الى مقتلهم وابادة ابنائهم وتفجير مدنهم واغتصاب نسائهم , فالمهم اولا واخيرا ارضاء السيد الوهمي الراسخ في وجدانهم وضمائرهم المدجنة .
2 . الكورد : اذا كان الشيعة في العراق اتهموا بالعمالة لايران وامريكا فقط فان المساكين الكورد اتهموا بالعمالة لايران وامريكا واسرائيل , وهى تهمة فظيعة بحسب العقل السياسي العربي العصابي والموتور . واشكالية الشيعة والكورد في العراق هى احدى اهم الاشكاليات التي واكبت تاسيس الدولة عام 1921 والتي كان من المفترض انها تجمعهما من خلال خاصيتين اشترطت توفرهما في الجماعة من اجل ادراجها في مؤسسات الدولة ونسيجها السياسي والحكومي وهما (القومية العربية والمذهب السني) , فالشيعة العرب يمكن ادراجهما في الدولة ومؤسساتها والاعتراف بهم بسبب القومية العربية التي يرجعون اليها , سيما وان المنظرين العرب قد اعتمدوا المنهج الالماني في القومية القائم على اعتبار اللغة (اس الاساس) في اشتراط التلاحم والانتماء , وبما ان الشيعة في العراق يشكل العرب اكثر من 90% منهم , فان هذه الخاصية يمكن ان تجمعهم مع الاسس القومية التي استندت عليها الدولة العراقية , الا ان هذا لم يحصل لعدم وجود الاشتراط الثاني وهو المذهب السني , فكانت حجة اساسية لاقصائهم عن الادارة والحكم والاستئثار بالدولة ومقدراتها . فيما من جانب اخر يمكن ايضا قبول الكورد في نسيج الدولة ومؤسساتها ايضا ضمن الاشتراط الثاني المذكور ضمنيا في تلك الدولة وهو المذهب السني , بصفته الركيزة الاساسية التي ورثتها الدولة من سلفها الدولة العثمانية , على اعتبار ان اكثر من 90% من الكورد يتبنون المذهب الشافعي السني , الا ان هذا لم يحصل من قبل النخب التسلطية الحاكمة , لعدم تواجد الاشتراط الاول في المعيار المعتمد للانصهار في بوتقة الدولة ومكاسبها وهو القومية العربية . فعاش كلا من الشيعة والكورد مغتربين عن الدولة العراقية . واذا كان الشيعة قد تعايشوا مع الدولة وتكيفوا مع هذا الواقع المعاش على امل الاصلاح البطىء والتدريجي والاندماج السياسي الذي قد يوفر حلولا بعيدة المدى , وبالتالي فانهم لم يرفعوا السلاح ضد الدولة طيلة ستين عاما (1920-1980) , الا ان الكورد لم يستسلموا لهذا الواقع الاقصائي او التهميش السياسي والاقتصادي , فحملوا السلاح في فترات مبكرة من تاسيس الدولة العراقية , انعكست في مطالبات الشيخ محمود الحفيد في العشرينات , وانتفاضات ال برزان في الثلاثينات والاربعينات والثورة الكوردية الرسمية في الستينات , وهكذا استمرت تلك التحركات العسكرية في العقود اللاحقة في السبعينات والثمانينات وحتى حصولهم على الاستقلال الذاتي الحقيقي في عام 1991 والفدرالية في عام 2003 . وتعرضوا خلال تلك المراحل المتعاقبة الى انتهاكات جسيمة في مجال حقوق لانسان . فمن العنف الرمزي القائم على التخوين والتشوية والسخرية والمكافحة الثقافية الى العنف المادي القائم على القمع والتدمير والتهجير والاعدامات والسجن , تصاعدت ابان الحقبة البعثية الصدامية الى الابادة المنظمة والاغتصاب والتطهير العرقي وتدمير المدن والقرى وقصفها بالكيمياوي , فكان من الطبيعي ان يحاول الكورد حيازة الدعم الدولي لقضيتهم والتفاهم الاقليمي لترسيخ قوتهم واستجداء او الاستعانة بالمساعدات الاجنبية ضد النظام الديكتاتوري فجميع التيارات الفكرية الليبرالية والانسانية اجازت حمل السلاح ومكافحة الطغيان باي وسيلة او طريقة, فالكورد لايخفى انهم حصلوا على دعم ايران والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة من اجل ادامة قضيتهم ونيل حقوقهم المشروعة في الادارة الذاتية . ولكن السؤال : هل ان من الجائز لهم استلام تلك المساعادات ام لا ؟ اليس من المفترض القاء اللوم على تلك الحكومات الديكتاتورية التي الجئت الكورد الى الاستعان بالاجنبي بدل من التفاهم معها كما حصل في تنازل صدام حسين عن نصف شط العرب لايران في اتفاقية الجزائر عام 1975 بدل التفاهم مع ابناء شعبه ؟ فليس من المعقول ان تقوم حكومات معينة بتلك الاعمال المشينة ضد جماعة اثنية محددة دون رد فعل , والاغرب ان نطالبها بعدم التعاون مع الاجنبي في مقاومة النظام الديكتاتوري والعنصري . فهل نطلب منهم بدلا من ذلك الاستعانة بالملائكة مثل النبي محمد ؟؟ وهو مصداق قول الشاعر :
القاه في اليم مكتوفا وقال له ...... اياك اياك ان تبتل
لذا كان من الطبيعي ايضا ان تقوم السلطات القومية والبعثية الحاكمة وبسبب تلك التمردات العسكرية ان تتهمهم العمالة والتبعية للدول الاجنبية . وبادخال الكورد في تلك الخانة مع الاغلبية الشيعة التي ذكرنها سابقا فانه سيكون اكثر ثلاث ارباع المجتمع العراقي قد دخلت في هذا الصنف من الناس بحسب المخيال الحكومي والخطاب القومي والنسق الطائفي للدولة العراقية الحديثة .
3 . اليهود : تعد الجماعة اليهودية في العراق من اقدم الطوائف في العالم ، اذ يرجع معظمها الى السبي البابلي الاول والثاني الذي قام به الملك الكلداني (نبوخذنصر) في القرن السادس قبل الميلاد ، واحضاره ما يقارب (60) الف يهودي الى بابل، حتى اشارت بعض المصادر بان اليهود قد دونوا التوراة (كتاب اليهود المقدس) فيها . وشكل اليهود ما نسبته (2,6%) من عدد السكان في العراق بحسب احصاء عام 1947 يسكن ثلثهم تقريبا في بغداد ، توزع الباقون على المحافظات العراقية كافة لاسيما في البصرة والموصل. وقد تضاءل عددهم حتى وصل عام 1977 الى (381) فردا فقط .
بعد انتشار النزعات القومية المتطرفة في عقد الثلاثينات في العراق ، والتي تاثرت بالحركات النازية والفاشية في اوربا , تعرض اليهود الى بعض الاعمال اللاسامية من قبيل الملاحقة والاغتيال ، وصلت ذروتها في حركة مايس (ايار) عام 1941 عندما تعرضت الاحياء اليهودية في بغداد الى هجوم من قبل بعض العامة ورجال الشرطة ، اسفرت عن مقتل وجرح المئات , ونهب العشرات من المنازل , اطلق عليها الاهالي تسمية (الفرهود) . وبعد قيام واعلان دولة اسرائيل عام 1948 تعرض اليهود العراقيون الى اعمال عنف وتهديد من قبل جهات مجهولة ، نسبتها الدراسات اللاحقة الى جماعات صهيونية متطرفة، من اجل حثهم على الهجرة الى اسرائيل . وشهدت البلاد بين عامي 1951-1952 موجة كبيرة من الهجرة عززها الاجراء الحكومي باسقاط الجنسية العراقية عن اليهود المهاجرين . وشكل اليهود في المخيال العربي والاسلامي رمزا للخيانة والغدر , انسابت عن طريق اللاشعور الى النظام الثقافي العراقي , فكانت الاتهامات لهم بالعمالة قائمة على قدم وساق تجدها ظاهرة بافراط في الحقبة البعثية الثانية (1968-2003) انعكست من خلال الملاحقات والاعدامات العلنية بتهمة التجسس وغيرها . كما تبلورت ذلك في كتاب مدير المخابرات العراقية فاضل البراك وكتابه (المدارس اليهودية والايرانية في العراق) وعبارة القومي والطائفي المعروف الحاج خير الله طلفاح الشهيرة التي جعلها عنونا لكتابه (ثلاثة كان على الله أن لا يخلقهم: الفرس، اليهود والذباب) .
4 . المسيحيين : : ويشكلون بنية عرقية ودينية في الوقت ذاته ، فعرقيا هم (كلدان واثوريين او اشوريين) او (كلدواشور) ودينيا هم مسيحيون (ارثوذكس وكاثوليك) وقليل منهم (بروتستانت) وللمسيحية تاريخ سحيق في العراق يعود الى ارهاصات الديانة الاولى ، ارجعه البعض الى سنة 70 ميلادية، وقد تصاعد التبشير المسيحي في العراق الى مديات ان اصبحت البلاد قبل الفتح الاسلامي ذات اغلبية مسيحية امتدت من الشمال الى الجنوب . يتوزع المسيحيون العراقيون على محافظات بغداد والموصل والبصرة مع اقليات في باقي المحافطات الاخرى ، ويشكلون ما نسبته (3,1%) بحسب احصاء عام 1947. ويبدو ان انخفاض هذه النسبة السكانية هو الذي جعل الدور الثقافي والسياسي للاقلية المسيحية في العراق ان يكون ضعيفا ، بالقياس لما حصل في بلاد الشام . تعرض المسيحيون الاشوريون عام 1933 الى عملية عسكرية منظمة قامت بها الحكومة العراقية اثر خلافات اضطر خلالها المار شمعون بطريك الاشوريين الطلب من عصبة الامم التدخل لاستقلال الاشوريين او نقلهم خارج العراق، وحدثت العملية العسكرية في قرية (سميل) قرب مدينة زاخو في شمال العراق، وقادها الفريق بكر صدقي ، ادت الى مقتل المئات وهروب الالاف منهم الى سوريا التي قبلتهم سلطات الانتداب الفرنسي كلاجئين. ورغم ان (المتخيل) الاسلامي والقومي ضد المسيحيين في العراق اقل من المتخيل ضد الشيعة والكورد واليهود , الا ان هذا لايمنع من وصف بعض غلاة القومية والدينية لهم بالعملاء , وخاصة ابان حقبة الرئيس عبد السلام عارف المعروف بتعصبه وتدينه وسلوكياته الغرائبية , فما ان تسلم السلطة عام 1963 حتى اطلق العنان لعصابه النفسي واعلن ( لاميخا ولاججو بعد اليوم) . فيما وصف الخطيب عبد الوهاب الاعظمي امام احد جوامع بغداد (قرب مقهى البرازيلية) المسيحيين بانهم عملاء الفاتيكان !! كما أتهم الاب الكرملي بالعمالة للانكليز والاحتلال البريطاني بعد موافقته على اصدار صحيفة (العرب) التي كانت تروج لسياساتهم في العراق .
5 . التركمان : الموطن الاصلي للترك والتركمان والمغول هو اسيا الوسطى في منغوليا الحالية وتركستان . والتركمان شعب اسيوي تركي تعود اصوله الى قبائل الاغوز (الغز), واستوطنوا في العراق في البقعة الفاصلة بين المناطق الكوردية والمناطق العربية ، وينتشرون على خط يمتد من الشمال الغربي الى الجنوب الشرقي في محافظات الموصل واربيل وديالى وكركوك بالاضافة الى بغداد وصلاح الدين. والتركمان مسلمون ينقسمون بين الشيعة والسنة ويشكلون ما نسبته (2%) من عدد سكان العراق بحسب احصاء عام 1947 . وكالعادة اتهم التركمان الشيعة بالعمالة الى ايران وتعرضوا الى صنوف من التنكيل والاعدامات في عهد النظام البعثي السابق وخاصة في تلعفر وطوزخورماتو وغيرها . فيما اتهم التركمان السنة بالعمالة والولاء الى تركيا , الا انهم لم يتعرضوا الى التنكيل والملاحقة بسبب ذلك , لان العمالة لتركيا لاتشكل هاجسا او خطرا عند السلطات السياسية المتعاقبة والانتلجنسيا العراقية المخصية التابعة لها .
6 . الكورد الفيلية : تعرض الكورد الفيلية الى اضظهاد وقمع مزدوج خلال الحقبة البعثية الطائفية . فهم من جهة محسبوبين على الكورد المتهمين بالخيانة والعمالة , ومن جهة ثانية يختلفون عن الكورد بانهم من الشيعة الواقعين تحت مسار الاقصاء والتهميش والتخوين . وهكذا كانت التهمة بالعمالة والتبعية تستند الى اساس عنصري من جانب واساس طائفي من جانب اخر , وتعرضوا من جراء ذلك الى صنوف من الاضطهاد والاقصاء اسوة باخوانهم من الشيعة والكورد , ويقد بلغ القمع والتنكيل قمته يوم 4/4/1980 عندما اصدر صدام حسين قرار بتهجير مئات الالاف من الكورد الفيلية ومصادرة اموالهم المنقولة وغير المنقولة واعتقال الشباب منهم وعزلهم عن اهاليهم وتصفيتهم لاحقا .
7 . السنة العرب : سبق ان ذكرنا ان جميع فئات المجتمع العراقي اتهمت بالعمالة والتبعية الى الاجنبي الا السنة العرب , والسبب لانهم عصبة الدولة وركيزتها الاساسية وصرحها المتعالي , وبالتالي فان نقدها هو نقد السلطة وتجاوز عليها , وهو مايشكل خطرا محدقا على الناقد الجرىء واتهاما بالتامر على الدولة ووحدتها , او رواجا للطائفية والرجعية عند مساراتها الاعلامية والامنية , حتى اصبح نسقا (فوكويا) لايمكن التجاوز عليه عند الانتلجنسيا العراقية و(تابوا) محرما لايمكن التطرق اليه او نقده . رغم ان المتتبع لتاريخ هذه الطائفة يجد عندها نوعا من البرغماتية المهادنة وتعاونا مع جميع الانظمة والدول الغازية والمحتلة للعراق - واخرها الاحتلال البريطاني - وعدم المساهمة بالانتفاضة او الثورة عليه - كما هو حاصل بثورة العشرين - (ويمكن مراجعة دراستنا في موقع الحوار المتمدن – سنة العراق من فقه الطاعة الى فقه العصيان) ولكن في الاجمال حصلت اتهامات للسنة العرب بالعمالة بعد 2003 بسبب الارهاب الذي اكتسح العراق والخضوع للاجندة التركية والقطرية والسعودية التي تقف وراءه , واحتضانها الالاف من الارهابيين والدواعش الاجانب الذين قيل انهم يرجعون الى اكثر من (80) دولة اجنبية , ومساهمتها بقتل مئات الالاف من العراقيين وزرع الانقسام الاجتماعي في البلاد ونشر الاحتراب بين الجماعات العراقية , واذكاء والحرب الاهلية وخلخلة السلم الاهلي , وتدمير البنية التحتية , فضلا عن سبى الاف من العراقيات وبيعهن كجواري في سوريا وتركيا وغيرها من الاعمال الخسيسة والجبانة التي يندى لها جبين الانسانية وتترفع عنها حتى الوحوش الضواري والمرتزقة الساقطون , الا انه - وكما قلنا - ان تلك الاتهامات خجولة وضعيفة جدا , وخرجت من اناس محددين يسيرون عكس التيار الجارف . كما لم يحصل تداولها على نطاق واسع , بسبب خوف الانتلجنسيا العراقية - التي وصفناها بالمخصية - وخاصة الشعية والكوردية والشيوعية والمسيحية والفيلية من التجاوز على الاب الميت , او نقده واعادة كتابة تاريخه , وفاتهم انه اذا لم يتم تقويم وتحليل وتفكيك المنظورات الثقافية والنفسية والاجتماعية والمذهبية عند السنة العرب , فان العراق سيبقى عصيا عن التنوير والحداثة , لانهم الخزين الاسلامي والعربي المتخلف في البلد , والنموذج الذي يقتدي به الاخرون سواء اكان من الاغلبية العربية الشيعية او الاقليات الاخرى الذين ينظرون اليهم كصرح متعالي , ومثال سام يجب القياس عليه والسير على هداه , وبما ان الانتلجنسيا السنية لاتريد ان تنقد نفسها او تفكك منظوراتها ومطاراحاتها الثقافية , لانها تعتبر نفسها فوق النقد والتقويم , او منزه عن الاخطاء والسلبيات والنواقص والمثالب , فان تلك المهمة تبقى محصورة عند الانتلجنسيا العراقية الجسورة المتسامية والليبرالية التي ترجع في اصولها الاجتماعية الى الفئات والمذاهب الاخرى .
8 . البرجوازية : تشكلت الارهاصات الاولى للطبقة الوسطى البرجوازية في العراق بعد افتتاح قاة السويس عام 1869 ومرت بتحولات عدة ذكرناها بدراستنا السابقة (تحولات الطبقة الوسطى (البرجوازية) في العراق خلال (150) عام (1869-2019) , والبرجوازية هى خميرة التنوير والعقلانية والديمقراطية في العالم , وهى التي مهدت للنهضة والتحديث في العالم العربي بصورة عامة والعراق بصورة خاصة . وتعرضت هذه الطبقة الى هجوم شرس من الماركسيين , واتهموها بالتجاوز على حقوق العمال وسرقة جهودهم وعملهم , وهو نمط استعير من الواقع الاوربي . وبعد توافد الايديولوجيات الثورية واليسارية الى العراق , فانها استعارت المنطلقات والمتبنيات الفكرية نفسها الى نادت بها الماركسية وغيرها واهمها الموقف من البرجوازية والليبرالية والاقطاع دون تغيير او تعديل , فوجهت اتهامات خطيرة للبرجوازية العراقية واتهمتها بالعمالة للدول الغربية والراسمالية . وتجد هذا ظاهرا بافراط في كتابات المنظر الماركسي عزيز السيد جاسم التي انتشرت في السبعينات من القرن العشرين الماضي , حيث كان دائم الربط بين البرجوازية من جهة والعمالة والانتهازية والتلاحم مع الاستعمار والرجعية من جهة اخرى . وباتهام الطبقة الوسطى في العراق بالعمالة والتبعية فان قطاعا ضخما من العراقيين يكون قد دخل خانة العمالة دون سبب عقلاني او موضوعي , ويبدو ان المفترض عليهم ان يكونوا عمالا او فقراء !! حتى يحصلوا على صك البراءة من الاتهام بالتبعية وحيازة شرف الوطنية التي كان الثوريون الموتورون يطلقونها بمزاجية وذاتية . ويبدو ان سبب كراهية الشيوعيين للبرجوازية والاغنياء هو الحقد الشخصي والحسد الطبقي , وليس كما اشيع ان السبب هو محبة بالفقراء ودعما للعمال في نضالهم ضد الاستغلال والراسمالية , فقد ذكر الروائي الامريكي جورج اورويل (ان الشيوعيين لايحبون الفقراء ولكنهم يكرهون الاغنياء) وهى تنطبق بصورة كبيرة جدا في العراق , فلم نجد اي تضامن او مساعدة للفقراء من قبل الشيوعيين , بل العكس نجد ان اكثر الناس استغلالا للكادحين والشغيلة هم المنضمين للتوجهات اليسارية والشوعية .
9 . الاقطاع وشيوخ العشائر : رغم ان هذه الشريحة الاجتماعية في العراق لاتشكل قطاعا ضخما او كبيرا من عدد الافراد بالقياس الى الطبقة الوسطى البرجوازية , الا انها ايضا شملت بالتبعية والعمالة للاستعمار والامبريالية العالمية , عند الاجيال الثورية والراديكالية اليسارية بعد الحرب العالمية الثانية , وكان اكثر التيارت الفكرية والايديولوجية التي شنت هجوما على الاقطاع والشيوخ هم الكتاب الثوريون الشيوعيون والقوميون اليساريون وغيرهم , والسبب الاساس هو اعتبارهم اهم القواعد التي ارتكز عليها العهد الملكي الذي كان يضطهد الشيوعيين ويمنع نشاطهم السياسي والتنظيمي .