حال الشرق

ارام محاميد
2017 / 9 / 10

كنت أود أن أكتب منشورا قصيرا على صفحتي في الفيسبوك عن حال الشرق ولكن ولقناعة في نفسي أن الشرق وحالته لا يمكن أن يتلخص في منشور قصير أو كلمات بديعة عابرة وجدت نفسي مجبرا أن أكتب تحليلي عن حالة الشرق منذ انهيار الاقطاع العثماني الى يومنا هذا

ما بعد سقوط الاقطاع العثماني مرت منطقتنا والشرق ككل بعدة تغيرات ومراحل فكانت المرحلة الاولى هي ثورة الشريف حسين عام 1917 حيث تلقفتها و دعمتها البرجوازيه الشاميه الصاعده في امل الثوره على الاقطاع فما كان من الامبريالية الا أن هاجمته وأفشلت كل طموحاته في تأسيس دولة عربية حداثية مستقلة واستولت على المنطقة ونهبت خيراتها, ما بعد سقوط الامبراطوورية العثمانية أخلي الجو لبريطانيا وفرنسا في المنطقة فأخذ البريطانيون والفرنسيين يصدرون فائض انتاجهم الى مستعمراتهم ومن ثم أخذوا يصدرون الرساميل لاستغلال العمال في تلك البلدان التي غنموها على اثر تحطيم الامبراطورية العثمانية وهذه هي الظاهرة التي تعرف بالامبريالية, هيئت الامبريالية جوا جديدا في الشرق مغايرا لما كان أيام العثمانيين وتسببت المرحلة الجديدة بظهور طبقة جديدة وهي برجوازية المستعمرات أو كما يسميها البعض ب"البرجوازية الوطنية أو حركات التحرر الوطني" الساعية للتحرر من نير الاستعمار والحصول على اقتصاد وطني مستقل غير خاضع للمستعمر

هذا على صعيد الدول التي تم تقاسمها مثل فلسطين وسوريا ومصر والعراق, على الجانب الاخر في تركيا تمكن الزعيم الراحل مصطفى كمال أتاتورك بعبقريته الفذة من قيادة تركيا لأن تكون الناجي الوحيد في تلك الفترة وتمكن من تأسيس تركيا الحديثة المستقلة وسحق ما تبقى من فلول العثمانيين

أما في دول الخليج وبعد اكتشاف النفط أصبحت ذات اقتصاد ريعي ولم تسعى تلك الدول الى ايجاد مصدر اخر للدخل الوطني ما طمس الطبقات داخل المجتمعات ومنعها من أن تمارس علاقات انتاجها التاريخية ومنع وجود دولة ما بعد الحداثة في الخليج حول تلك الدول الى "دولة القبيلة" الذي تناقض مفهوم الدولة أساسا

على الجانب الاخر من العالم في روسيا التي تحولت الى الاتحاد السوفيتي اشتعلت الثورة الاشتراكية العالمية التي رأى قادتها أن حركات التحرر الوطني مرتبطة بشكل مباشر بالثورة الاشتراكية العالمية والتي من الواجب دعمها في حال لم تحارب الشيوعيين ذلك لأن هذه الحركات التي تناضل ضد الاستعمار ستتسبب في منع تصريف فائض الانتاج فيها ما سيتسبب باختناق الدول الرأسمالية بفائض انتاجها التي لن تعرف أين تصرفه فما كان من رفاقنا الأبرار الا أن دعموا حركات التحرر الوطني التي لم تحارب شيوعيي الشرق

في أعوام 1939- 1945 اندلعت الحرب العالمية الثانية التي ضربت الامبريالية في الصميم وراحت تترنح يمينا وشمالا من شدة الألم خصوصا بعد خروج الاتحاد السوفيتي كأقوى قوة في الأرض هذه الحال ما بعد الحرب العالمية الثانية وترنح الامبريالية الفرنسية والبريطانية وجدت حركات التحرر الوطني الوطني في الشرق والبلدان العربية خصوصا متنفسا فما كان من الامبريالية الخائفة على مصالحها الا أن سارعت في خلق كلب حراسة لها والذي كان اسرائيل عام 1948 اسرائيل التي ينقسم تاريخها الى قسمين (1948-1977) / (1977 حتى اليوم) وهذا نظرا لتغير دورها الوظيفي فاسرائيل قامت بعد فشل كل محاولات الاتحاد السوفيتي لكنس الامبريالية والمشروع الصهيوني عن فلسطين وأهلها فكان دور اسرائيل الرئيسي في الفترة الممتدة حتى عام 1977 هو ضرب حركات التحرر الوطني وهو ما كان في عامي 1956 و1967 ومن ثم ما تبقى من هذه الحركات, في عام 1977 اعتلى حزب الليكود الشعبوي العنصري اليميني السلطة في اسرائيل بعد أن هيء الواقع الطبقي العالمي الجديد لبيئة خصبة تساعده فالانتقال الى اقتصاد الخدمات الرجعي جعل المجتمع يميل نحو الانقسامية لأتفه الأسباب (عرقية, دينية...) واسرائيل بطبيعتها كمجتمعات مهاجرين كان الانقسام على هذا الأساس كما يكتب الكاتب الاسرائلي داني جوتوون في مقاله بعنوان (المنطق الطبقي للانقلاب الطويل 1973-1977) : "يتفق في البحث أن التغيير في أنماط التصويت الذي أحدث الانقلاب الطويل كان طبقيا في طابعه، فالشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة الشرقية حولت دعمها من العمل الى الليكود أما الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة (الغربية) فحولت دعمها الى الحركة الديمقراطية للتغيير." بات الدور الوظيفي لاسرائيل هو أن تقمع الفلسطينيين وتمنعهم من العودة الى ديارهم وتمارس العنصرية ضدهم ولم أجد تحليلا أفضل لهذه المسألة مما كتبه الرفيق ستالين في كتابه "الماركسية والمسألة القومية" : العنصرية هي سلاح في يد الطبقه التي تسعى لاحتفاظ بتفوقها الاقتصادي و سيطرتها الاجتماعيه وكذلك تتجلى في انكار تاريخ و مساهمه بعض الشعوب في الارث الحضاري العالمي لكي تملك الحجه لاستغلال تلك الشعوب بدعوى تخلف تلك الشعوب, هذا بالضبط ما يحصل فهنالك 93 شركة تستثمر في المستوطنات في الضفة والمستوطنون المشبعون بخرافات التوراة ذهبوا الى هناك بدوافع دينية كما وصرح رئيس مجلس مستوطنات شمال الضفة الغربية تقديرات هذا المجلس للزيادة المتوقعة في عدد المستوطنين والوحدات الاستيطانية.
ووفقا للتقديرات يتوقع زيادة عدد المنشآت الصناعية في هذه المستوطنات بنسبة 270% حتى عام 2025 فيما سيزداد عدد المنازل الاستيطانية حتى ذات التاريخ بنسبة 34%.
بينما اغتنى بسببهم أصحاب الشركات وفي الداخل سأذكر بضعة أرقام بسيطة :

- الأغنياء في اسرائيل يسيطرون على ما يقارب 67% من الثروات في الدولة
- (في اسرائيل 16 بنك تجاري, 4 بنوك خارجية , 3 بنوك للقروض, 2 مؤسسات مالية, 2 شركات خدمة مالية يخضعون للرقابة المصرفية) / بنك العمال وبنك لئومي يسيطرون على 70% من الحسابات المصرفية
- 10 عائلات تتحكم ب 30% من الشركات وفق قيمة السوق
- 20 مجموعة أعمال تسيطر على 160 شركة عامة والتي تشكل 40% من السوق

ولكي نعود الى حركات التحرر الوطني نقول أن أول انتصار لها كان في مصر عام 1952 بقيادة ناصر والضباط الأحرار ومن ثم تونس عام 1957 بقيادة الحبيب بورقيبه ومن ثم العراق عام 1958 بقيادة الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم, وحتى نربط الأمور ببعض يجب أن نعود الى الدولة "الأم" وهي الاتحاد السوفيتي فبعد أن أتم الخراشفة (شيوعيو خروتشوف) انقلابهم على الاشتراكية وتم تصفية ستالين والحرس الستاليني أعلن الخراشفة عام 1961 أن الثورة الاشتراكية غير مرتبطة بحركات التحرر الوطني ولما حدث هذا الانقلاب في المعسكر الاشتراكي حدث انقلاب اخر في المعسكر الرأسمالي حيث انهار الانتاج البضاعي وتسبب بنقل المعسكر الرأسمالي الى "الاستهلاكية" التي تنافي قواعد التنمية الاجتماعية ما سمح بتمدد الطبقة الوسطى وتاكل الطبقتين الرأسمالية والعمالية، وبما أن العالم عبارة عن نواة واحدة له مركز وأطراف فقد أثر هذا الانقلاب في معسكري المركز بشكل مباشر على الأطراف أو في ما يسمى ببلدان العالم الثالث والشرق خصوصا, وان كانت هناك طبقات نامية في المعسكرين المركزيين سمحت بتاكلها للطبقة الوسطى بأن تتوسع ففي بلدان العالم الثالث لم توجد هكذا طبقات نامية تنتج فائضا للانتاج لتسمح بتمدد الطبقة الوسطى، ما سبب تاكل الطبقات في البلدان النامية وظهور عصابات لا دخل لها بالمجتمع والانتاج (يسمي الرفيق فؤاد النمري هذه الظاهرة ب"العجز الطبقي")

عموما ان صعود تلك العصابات جاء مع انقلاب خروتشوف سلسل العسكر على الاشتراكية فكانت فترة الستينات والسبعينات وقليلا في الثمانينات هي فترة الانقلابات العسكرية في الشرق أو بلدان العالم الثالث من بومدين في الجزائر في وجعفر النميري في السودان في الستينات وصدام حسين في العراق في السبعينيات واخيرا زين العابدين بن علي في تونس أما في ايران فقد قام الشيوعيو بالثورة متحالفين مع اليسار(مجاهدي خلق و فدائي خلق) و الخميني استولى على الحكم بعد نجاح الثوره وكانت فرنسا من أرسلته الى ايران ليفشل الثورة, أما بالنسبة لمصر وجمال عبد الناصر الذي حاول أن يأخذ مكان الاتحاد السوفيتي في دعم حركات التحرر الوطني التي تخلى عنها الاتحاد السوفيتي وتركها لقمة سائعة فقد تم تحطيم مشروعه وتصفيته نهائيا عام 1967

العصابات المغلقة التي تسرق أموال المواطنين من كافة الطبقات لتوزعها على رجال المخابرات والعاسكر تتسبب في توقف عجلة التاريخ في الشرق فلا يتقدم في الشرق الا الوقت ولا شيء غير الوقت كل على حاله وكل جامد ومتوقف منذ انحلال الثورة الاشتراكية العالمية واندثار حركات التحرر الوطني

هذه الحالة من الهزيمة انعسكت على مواطني الشرق بصورة رجعية فقد تم قتل أي نوع من الابداع وتم تغييب العلوم وانحطت الظروف المادية المعيشية فأصبح سكان الشرق يقدسون الماضي ويجلونه عن النقد ويعتقدون أن الأزمان الغابرة كانت أحسن من الحاضر وأرقى، ذلك لأنهم لا يعرفون شيئا عن مساوئ الماضي عكس سيئات الحاضر الواضحة الجلية أمامهم. وهذا ما بات يدفعهم الى تقليد أبطال الماضي من السلف الصالح في فنهم وادابهم وسلوكهم بدون ان يدور بخلدهم أن يباروا الاباء في أعمالهم أو ليحلموا بالتفوق عليهم، فمثلهم العليا كلها تتمركز في الماضي والصلاح في نظرهم معناه الرجوع الى المجد الدفين واحياء الايام الطيبة الاولى

على الصعيد السياسي قامت هذه العصابات بخنق الحريات الديمقراطية وإغراق الاقطار العربية في ظلمات دونها ظلمات القرون الوسطى وبات المواطن العربي والشرقي مقموعا بين الأحكام العرفية وحالة الفراغ السياسي والاجتماعي والثقافي في بلده ما جعله يتمسك بتقاليده الغريبة ويصغي لكل ما هو سيء


عند الشعوب المهزومة تظهر الكثير من الموبقات التي لا تليق بالانسان السوي, التحرش والاغتصاب هم أمثلة على هذه الموبقات وما حال هاتين الرذيلتين عندنا؟ هاتين الظاهرتين استفحلتا في الشرق وفي العالم العربي خصوصا حتى بات يضرب المثل ببلدان معينة كمصر والسعودية عندما تذكر هذه الظواهر الشائنة

أما حال المرأة في الشرق فحدث ولا حرج ففي بلداننا لا يتم معاملة المرأة على أنها انسانة كاملة الانسانية بل يتم معاملتها على أنها كل شيء عدا انسانة ففي الشرق تسببت جميع تلك الكمية الى تغيرات كيفية, ومع الأسف فهذا التغير الكيفي جعل الشرق من الأسوأ البلدان للعيش خصوصا للمرأة فالمرأة الشرقية العالقة ما بين القمع العائلي والقمع المجتمعي تجد صعوبة أكثر من الرجل مرات عديدة في التقدم في أي من مجالات الحياة وتتم محاربتها بكافة الوسائل والطرق في حياتها وعملها ويجردها المجتمع والعائلة حتى من أبسط حقوقها