-كعب أخيل- الليبرالي

مصطفى مجدي الجمال
2017 / 9 / 10

أبدأ حديثي بواقعة دالّة حدثت لي مع صحفي شاب رائع بمعنى الكلمة، وذلك أثناء اعتصامات ميدان التحرير.. فقد وجدت لديه تشوشًا فكريًا يساوي بين الديمقراطية والليبرالية الرأسمالية.. فما بالك بالديمقراطية الشعبية أو التشاركية.. وقد صدمني بآرائه عن دور الصحفيين الديمقراطيين في التمهيد للثورة على ”العسكر“ الذين يحكمون مصر منذ 1952، حيث كان من الرموز التي ذكرها ”مصطفى أمين“.. فارتج عليّ الأمر.. ووجدت أن معلوماته (هو الصحفي) عن مصطفى أمين هزيلة.. قلت له: سأتجاوز عن دوره التاريخي قبل 1952 في الدعاية للملك، وعن اتهامه بالجاسوسية.. لكن هل تعلم أنه من صاغ العبارة البذيئة القائلة بأن معارضي السادات أقل من ”حمولة أتوبيس“.. نظر الشاب إليّ في شك كبير..

لقد صادفت في حياتي أنماطًا عديدة من السياسيين المعارضين.. وكانت كل موجة ثورية عاصرتها منذ مظاهرات 1968 تقذف إلى مقدمة الفضاء العام بـ ”جيل“ جديد من المهتمين بقضايا الوطن.. وبالطبع كان داخل كل ”جيل“ تلاوينه السياسية المختلفة.. ولكني أهتم هنا بالراديكاليين (أو اليساريين) من كل جيل..

كان الجيل السابق علينا مباشرة قد تربى معظمه داخل أو في أجواء منظمة الشباب الاشتراكي في النظام الناصري، وكانت معظم اعتراضاته على نظام الزعيم تتعلق بمدى جذريته في مواجهة ”الطبقة الجديدة“ (أو برجوازية الدولة) التي توغلت داخل القطاع العام ومن خلال روابطه مع القطاع الخاص.. وكذلك تردد الزعيم في استئصال الفئات الفاسدة في الجيش والأجهزة الأمنية..

أما جيلنا فقد كان - في معظمه- يربط بقوة بين المطالبة بالحريات السياسية والمدنية للطبقات الشعبية وبين حتمية اتخاذ إجراءات اجتماعية جذرية ضد الرأسمالية الكبيرة بكافة أجنحتها وشرائحها وتوابعها من الفئات الطفيلية والعميلة. ورأى أغلبنا أن تحرير الأرض لن يتم حقًا بدون اتخاذ هذه الإجراءات الجذرية في المجتمع والسلطة، وأن صيغة حرب الشعب طويلة الأمد هي الصيغة الأمثل لذلك..

غير أن الثمانينيات والانكسارات العالمية والإقليمية والمحلية (على أصعدة الفكر والسياسة والثقافة والاقتصاد..الخ) قد أحدثت حراكًا من نوع آخر في بعض قيادات وقطاعات جيلنا، حيث اتجه الكثيرون إلى الأنشطة الأدبية والثقافية ومراسلة الإعلام الخليجي والسفر إلى منابع البترول نفسها أو إلى الجامعات الأوربية دون عودة، أو بعودة مختلفة عن بداياتهم.. ثم تصاعد النشاط ”المدني“ من خلال الجمعيات الأهلية والمنظمات الحقوقية، ما أدى إلى تجزئة القضايا النضالية والاهتمام بالتوجه إلى الخارج (أكثر من الداخل) واهتم آخرون بأن يتوجه خطابهم إلى النظام بالنصح والرجاء والنقد اللاذع أيضًا.. مع قلة احتمالات السماح السلطوي بالتوجه إلى الطبقات الشعبية، أو شحوب الرغبة الجدية لدى المعارضين في ذلك..

وبالطبع فإن الوافدين الجدد على صفوف المعارضة في أواخر القرن 20 وأوائل القرن 21 قد انغرسوا أكثر في التوجهات السابقة.. غير أن الملمح الأهم في توجههم كان ذلك الإعلاء لليبرالية السياسية عن كل توجه آخر.. وتعمق البعض في التنظير لهذا التوجه باللجوء إلى نظرية ”الحلقة الرئيسية“ في النضال التي إن نجحنا في جذبها سنتمكن من تحقيق المكاسب الحاسمة في كافة الحلقات الأخرى.. وبالطبع كان هذا التوجه مرحبًا به من جانب القوى الغربية التي تريد إضفاء الشرعية على الليبرالية الجديدة في مجالي الاقتصاد- الاجتماعي والسياسة الخارجية المصرية، دون انجراف إلى المناداة بضرب أو تقليل حدة الاستغلال الرأسمالي وتحقيق التنمية الوطنية (المتكاملة إقليميًا) ببناء قاعدتها الصناعية- الزراعية.. ومن ثم لعب الإعلام الدولي، والفضائيات الإقليمية الموظفة إمبرياليًا، أدوارها في ”تلميع“ القيادات والأنشطة الليبرالية السياسية دون غيرها..

ليس معنى هذا أن الكاتب يدين تلك الحركات بل هو أيدها تمامًا، وإلكن كان يرى ضرورة ربطها بمطالب اجتماعية جذرية ضد الإفقار والاستغلال والنهب الاستعماري، كما عاب عليها ”انفتاحها“ على التيارات الظلامية والطائفية (بحجة توحيد القوى ”الوطنية والديمقراطية“)، كذلك غلب على هذا الحراك الطابع النخبوي القاهري، فضلاً عن غياب النظيم الثوري الشعبي الجذري الذي يفترض فيه أن يقود عملية تاريخية مركبة من هذا النوع.

لم يكن غريبًا وقتها ذلك الانجراف الذي جرى وراء حزب الغد وزعيمه المشبوه أيمن نور.. ثم المبالغة في قدرة محمد البرادعي على أن يتحول من موظف دولي يميني إلى قائد لحركة شعبية لا يمكن أن تنجح دون أن تصبح جذرية البرنامج ومنظمة جبهويًا على أسس طبقية سليمة.. فكان أن آلت الأمور إلى ما آلت إليه.. وصارت النتيجة المؤكدة أن حتى المكتسبات البسيطة في مجال الحريات قد ذهبت أدراج الرياح..

غير أن ”كعب أخيل“ أو نقطة الضعف الرئيسية تمثلت في تصور أنه يمكن تحقيق ثورة شاملة في مصر بقيادة ليبرالية، وببرنامج غائم غير جذري (إن وجد البرنامج أصلاً)، وعبر سلسلة من الفعاليات العفوية لتنظيمات وائتلافات فضفاضة ومنقسمة على نفسها..
وعلى من يفكر في إنقاذ مصر وشعبها مما هي فيه من تردٍ وثورة مضادة أن يدرك أولاً أن جذرية التوجه الثوري هي الأساس، وأن الضامن لهذه الجذرية هو التنظيم الثوري في أحزاب ثورية وجبهة ثورية.