هل ان جميع العراقيون عملاء ؟؟ تطور مفهوم (العميل) في العراق خلال مائة عام (1917-2017) (القسم الثاني)

سلمان رشيد محمد الهلالي
2017 / 9 / 7

(حتى نفهم حقلا ما ... لابد من معرفة وضعه في مجال السلطة) بورديو
يمكن ارجاع بدايات التطور التاريخي لمفهوم العمالة والتبعة في العراق الى الاحتلال البريطاني لبغداد عام 1917 , حيث شهدت تلك المرحلة البواكير الاولى لنشوء الوعي السياسي وبلورة المفاهيم الفكرية الحديثة واسيعابها ضمن افق محلي بعد ان كانت تطرق ضمن سياق اسلامي – اممي , نتيجة التبعية والخضوع للدولة العثمانية . وكان من اهم تلك المفاهيم التي ظهرت حينذاك : الوطنية والاستقلال والقومية والاشتراكية والديمقراطية والجمهورية . كما شهدت تلك المرحلة ايضا انقساما اجتماعيا وسياسيا بين من اعتبر نفسه مقاوم للاحتلال او رافضا له - ويقف على راسه الوطنيون العلمانيون ورجال الدين الشيعة - وبين مهادن او متوقف عما تسفر عليه النتائج او مؤيدا ضمنيا له - ويقف على راسه رجال الدين والمتنفذين السنة - والمفارقة ان المهادنين للاحتلال والمتوقفين عنه لم تطلق عليهم تسمية العملاء او الخونة في ذلك الوقت , والسبب هو عدم رواج هذه الكلمة انذاك , التي كما قلنا انها تبلورت بعد الحرب العالمية الثانية في الخطابات العربية الثورية والعصابية – وخاصة الشيوعية – فيما اطلق على المعارضين للاحتلال والحكم البريطاني المباشر (1918-1920) تسمية الوطنيين او الاستقلاليين . بل وجدنا ان الشعراء الذين امتدحوا الانكليز في قصائدهم وانتقدوا الثورة العراقية الكبرى المعروفة بثورة العشرين - كالزهاوي مثلا - لم يطلق عليه مفردة العميل او الخائن وغيرها , واعتقد ان السبب في ذلك يرجع الى ان اغلب المتصدين للمشهد السياسي والثقافي انذاك كانوا من جيل النهضة العراقية , الذي تبلور مع تكوين الانتلجنسيا العراقية وبلورتها في الربع الاخير من القرن التاسع عشر , او المتاثرين باراءهم وتوجهاتهم الفكرية , وبما ان جيل النهضة العربية بصورة عامة والعراقية بصورة خاصة قد تبنى المنطلقات الديمقراطية والقيم الليبرالية والتعددية السياسية والثقافية , فانهم كانوا بالتالي ابعد الناس عن لغة الاقصاء والتخوين والالغاء , بحكم هذه القيم التي يحملونها او ينادون بها , لذا تجد من الصعوبة بمكان ان يتهم الشاعر محمد رضا الشبيبي مثلا الشاعر الزهاوي بالعمالة والتخوين , لان هذه اللغة كانت منعدمة عندهم تماما , ولم تتبلور الا عند الاجيال الثورية العصابية اللاحقة , فيما نجد ان الكاتب الثوري هادي العلوي اتهم الزهاوي والرصافي صراحة بالعمالة في كتابه (المرئي واللامرئي في الادب والسياسة) .
وكذا الامر بعد تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 اذ لم تظهر عندنا مفردة (العميل) , ولم تطلق على اصحاب السلطة والسياسيين المتعاونيين مع الانكليز رغم وقوع الدولة تحت سلطة الانتداب البريطاني الذي اقره مؤتمر (سان ريمو) في ايطاليا عام 1920 وظهرت انتقادات شخصية حملت اصطلاحات مقاربة كالتبعية او الخيانة , وقد راجعنا دواويين كثير من الشعراء البارزين امثال الجواهري وعلي الشرقي والرصافي ومحمد باقر الشبيبي وغيرهم ولم نجد هذه المفردة او هذا المفهوم في انتقادهم للعهد الملكي . كما راجعنا مقالات وكتابات العديد من النقاد والسياسيين ولم نجده ايضا في سياق كتاباتهم . ولاحاجة الى القول ان اغلب الشعراء والكتاب الذين انتقدوا العهد الملكي كانوا مدفوعين بمالات ذاتية ورغائب شخصية هدفها الحصول على المناصب الكبيرة , بعد ان وجدوا ان الاغراب من المماليك والجورجيين والشركس هم من تقلدوا اغلبها , لذا تجد ما ان يحصل الشاعر على المنصب او الوظيفة حتى يترك الانتقاد والهجوم ويبدا بالمصالحة والتبرير . فالشاعر محمد حسن او المحاسن من هذا الجانب , فهو انتقد استفادة ماوصفهم بالخونة الذين لم يشاركوا بثورة العشرين بالغنائم والمناصب , فيما كان حظ الثائرين هو الكد والعمل والمحن بالقول :
ثورة اصبح من اثارها ........ . ... حظوة الخائن والمفتتن
معشر في نعم قد اصبحوا ...... من مساعي معشر في محن
الا انه وبعد تعينه بوزارة المعارف في عهد الملك فيصل الاول حتى نجده ترك الانتقاد جانبا وتصالح مع الوضع الجديد .
وكذا الامر مع الشاعر الثوري محمد صالح بحر العلوم , اذ لم ترد مفردة (العميل) في قصائده خلال تلك المرحلة وانما كان الرائج هى مفردة الخائن كما في قوله :
سياسة شرعها الانتداب ........ فقام في تنفيذها الخائنون
وعتد تأسيس المجلس التأسيسي في حزيران 1924 انتقده الشاعر محمد صالح بحر العلوم مستخدما مفردة (العبيد) وليس العملاء في قوله :
يامجلسا أربابه في (لندن)** وعبيده في ( الكرخ) من بغداد
ألشعب أسمعك الرصاص معبرا ** عما يريد وقالها بعناد
لاعهد للمستعمرين فعهدنا ** تحرير انفسنا من الاصفاد
واما الرصافي الذي كان ناقما على العهد الملكي بسبب عدم حصوله على اي وزارة فيه او منصب كبير او دائم فكان اكثر حدة بقوله :
فالهند أشرف من بلادي
وأشرف من بني قومي الهنود
وكم عند الحكومة من رجال
تراهم سادة وهم العبيد
كلاب للأجانب هم ولكن
على أبناء جِلدتهم أسود
وقال ايضا متهكما في وصف الحكم ومركز القرار في العهد الملكي :
وطني الاسم لكن إنكليزي الشناشن
عربي أعجمي معرب اللهجة راطن
فيه للإيعاز من لندن بالأمر مكامن
هو ذو وجهين ظاهر يتبع باطن
والمفارقة انه في عقد الثلاثينات ورغم تصاعد الخطاب الاقصائي والالغائي بسبب التاثر بالتوجهات الفاشية والنازية في اوربا , واعجاب القوميين العراقيين بهذا الخطاب ومضامينه وافكاره - وخاصة في عهد الملك غازي (1933-1939) – كما في توجهات نادي المثنى وتنظيم الفتوة وغيرها - الا ان مفهوم العميل لم يتم تداوله بهذه الصورة الرائجة - كما هو الان - وانما كان المتداول - كما في الخطاب النازي والفاشي - هو الطابور الخامس والخيانة والاصطفاء العرقي والمكافحة الثقافية وغيرها , وكذا الامر مع التنظيم الشيوعي الذي تاسس وفق الرواية الرسمية عام 1934 حيث لم نجد مفردة العميل في منشوراته وصحفه التي تهاجم العهد الملكي , وانما كان منغمسا مع المطالب الاجتماعية والاصلاحات الاقتصادية اكثر من انشغاله بالوضع السياسي والحكومي العام . وخلال سنوات الحرب العالمية الثانية (1939-1945) حصل تحالف ضمني (او حتى صريح) بين الدول الليبرالية الغربية من جانب والاتحاد السوفيتي الاشتراكي من جانب اخر لمواجهة الخطر النازي الالماني والفاشي الايطالي , وانعكس هذا التحالف او الوفاق الدولي حتى على الشان الداخلي العراقي , اذ دعم الشيوعيين العراقيين الحكومة والدول الغربية في تلك الحرب , وتحصنوا معها في مواجهة التغلغل الالماني الذي انعكس داخليا بحركة مايس عام 1941 , لان مرجعيتهم السياسية والعقائدية في الاتحاد السوفيتي اوقفت الحملة الاعلامية ضد المعسكر الغربي , وامر الزعيم السوفيتي (ستالين) بحل منظمة الاممية الثالثة (الكومنترن) عام 1943 تنفيذا لمطالب الدول الغربية التي ساعدته من الانهيار امام القوات الالمانية النازية .
بعد الحرب العالمية الثانية برز مفهوم (العميل) الى العلن – ولاول مرة – في العراق , وكان اول ذكر له في تعميم اصدره الحزب الشيوعي العراقي ضمن احداث وتداعيات معاهدة برتسموت عام 1948 التي ابرمت بين الحكومة العراقية والبريطانية , حيث دعا فيه اتباعه (الى مواصلة الحركة بحزم وتصميم والارتقاء في مستواها وعدم اعطاء الفرصة للحكومة لتلقط انفاسها ) وحذر عملاء السلطة من زج انفسهم بين المتظاهرين والهتاف بهتافات ضارة تبعث على تفرقة الحركة الوطنية . ولاحاجة الى القول ان تلك التظاهرات التي قام بها الشيوعيين جاءت ضمن سياق التحريض الذي كان يقوم به الاتحاد السوفيتي ضد الدول , كاحدى تجليات وتداعيات الحرب الباردة بين المعسكر الغربي الليبرالي والمعسكر الشرقي الاشتراكي (1945-1991) . وبالطبع ان هذه المفردة تم استعارتها من الاتحاد السوفيتي واعلامه الشمولي الاحادي الستاليني , الذي كان يصف كل من يشك بولائه او يخرج عن طاعته واستبداده وديكتاتوريته البغيضة بالعمالة . الا ان تلك المفردة اخذت انتشارها الشعبوي والعصابي عربيا في خطابات جمال عبد الناصر الثورية التي كانت تنقلها اذاعة (صوت العرب) من القاهرة , وهو اكثر الزعماء العرب استخداما لهذه المفردة , حيث كان يوزعها على الجميع , ولم يسلم منها احدا تقريبا , كالليبراليين والاخوان المسلمين والشيوعيين المصريين والدول العربية الملكية – التي كان يصفها بالرجعية - والجمهوريات المتمردة على هيمنته كالعراق (عهد عبد الكريم قاسم) وتونس (الحبيب بو رقيبة) وغيرها . وان اول تلك الحكومات التي وجه اليها الاعلام المصري الناصري تهمة العمالة هى الحكومة العراقية الملكية برئاسة نوري السعيد التي انضمت الى حلف او ميثاق بغداد عام 1955 , حيث رفض عبد الناصر انضمام العراق الى هذا الحلف الموجة بالاساس لمواجهة الشيوعية والاتحاد السوفيتي , وتطويقه من الجنوب بعد عزله من الغرب من قبل حلف الناتو في اوربا . وقد تلقف العراقيون الثوريون المنضمون للاحزاب الايديولوجية والتوجهات الراديكالية تلك المفردة السحرية التي سينعتون بها كل انسان لايتوائم مع افكارهم , وكل سلطة لاتتلائم مع توجهاتهم . وهكذا اصبح المعارضون للعهد الملكي ينعتون بها الطبقة السياسية الحاكمة والشخصيات المتنفذه مثل نوري السعيد والوصي عبد الالة وصالح جبر ومحمد فاضل الجمالي . ويعد رئيس الوزراء المزمن نوري السعيد الذي شكل اربعة عشر وزارة في العهد الملكي هو اكثر الشخصيات في تاريخ العراق الحديث والمعاصر وصفا بالعمالة , والسبب هو الحملة المنظمة التي تعرض لها من قبل فريقين : اتباع التوجهات الايديولوجية والثورية والاحزاب القومية واليسارية في العراق اولا , والاعلام العربي المصري وخاصة اذاعة (صوت العرب) من القاهرة وخطابات الرئيس جمال عبد الناصر الشخصية ضده ثانيا . وقد تصاعدت تلك الحملات الاعلامية بقوة بعد ازمة السويس عام 1956 واظهار العراق وكأنه مؤيدا للحرب التي اعلنتها الدول الثلاث (بريطانيا وفرنسا واسرائيل) ضد مصر في اعقاب تاميم قناة السويس . وقد صنفت تقارير امريكية في الخمسينات المجتمع العراقي بانه من اكثر البلدان خضوعا للاعلام وتاثرا به وتصديقا بمقولاته – ولاسيما المعارض منه – ويبدو ان السلطة الملكية احست بهذا الخطر فارادت الرد من جانبها على تهمة العمالة التي اخذ يروج لها الاعلام العربي والاحزاب المعارضة في الداخل , ومن خلال الهجوم وليس الدفاع , اذ ان رئيسي الوزراء نوري السعيد ومحمد فاضل الجمالي اعترفا بعلاقتهما المتميزة والضرورية مع الغرب والعالم الحر لمواجهة التمدد الشيوعي في العالم , ودعم البلاد ضد الاخطار الخارجية الاقليمية والمتمثلة بتركيا ومطالباتها بشمال العراق , وشاه ايران ومطالباته الحدودية بشط البصرة وغيرها , واتهما من جانبها حكومة الرئيس المصري عبد الناصر والاحزاب العراقية الثورية واليسارية بالانحياز الى الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي ضد المعسكر الغربي الليبرالي والتبعية له في المواقف السياسية والامنية والايديولوجية , وتجد هذا ظاهرا في خطابات محمد فاضل الجمالي الذي كان يحمل نزعة ليبرالية برغماتية ظاهرة تتوائم مع التوجة الامريكي العام في السياسة الخارجية والدولية , حيث كان على الدوام يشن هجوما على الشيوعية العراقية ويتهمها بالتبعية الفكرية والسياسية للاتحاد السوفيتي .
بعد قيام ثورة تموز 1958 تصاعدت حمى الصراعات السياسية والايديولوجية في البلاد , واصبح التداخل بين الخنادق عنوان المرحلة , واخذت كل مجموعة او حزب او فئة تخون والاخر وتتهمه بالعمالة والتبعية . فالقوميون يتهمون الشيوعيين , والشيوعيين يتهمون الليبراليين , والمعارضة تتهم السلطة , والسلطة من جانبها تتهم المعارضة بالولاء للغرب والرجعية , والاعلام العربي يتهم الحكومة العراقية ايضا وهكذا الامر . وكان للحرية النسبية والتعددية الحزبية والسياسية دورا في تصاعد حمى الاتهامات والصراعات , فضلا عن امتلاك اغلب تلك التيارات والتوجهات للمنابر الاعلامية التي تعبر عن نفسها واراءها كالصحف والمجلات والمنشورات والاذاعات . واستمرت الاوضاع كما هى عليه خلال فترة حكم عبد الكريم قاسم (1958-1963) حتى الانقلاب البعثي الاول في شباط 1963 حيث دخلت البلاد في منعطف جديد من الحكم الاحادي والاقصائي ارتكز على مفهوم القومية العربية (البعثية اولا والناصرية لاحقا) , والنقاء العرقي العربي والمذهبي السني , فكان من الطبيعي ان يخضع مفهوم (العميل) الى توجهاتها السياسية والايديولوجية , فشملت به من وقف ضدها من التيارات الفكرية - واهمهم الشيوعيين والليبراليين - الا ان المؤسف له انها عممت هذه الاتهامات لتشمل فئات اجتماعية كبيرة ورئيسية في البلاد كالشيعة والكورد , وهى المرحلة التي شهدت تصاعدا في الخطاب الطائفي والقومي العنصري , بل وحتى الديني ضد اتباع الاقليات الاخرى . والولادة الاولى للمفاهيم الاقصائية والطائفية التي تنال من الاغلبية العربية الشيعية في البلاد كالشعوبية والشروكية وغيرها . (ويمكن مراجعة مقالنا – المجتمع العراقي بين الشروكية والانكشارية) . فيما اتهم المعارضون للانقلاب قادة البعث وزعماء العهد البعثي الجديد بالعمالة للغرب والمخابرات الامريكية , واستندوا بهذا الصدد الى عبارة القيادي في حزب البعث علي صالح السعدي التي قالها بعد انشقاقة من الحزب وطرده في تشرين الثاني 1963 (جئنا بقطار امريكي) , فضلا عن ادلة اخرى , منها ماذكره الملك الاردني الحسين بن طلال للصحفي المصري محمد حسين هيكل حول علمه برعاية المخابرات الامريكية للنقلاب البعثي الاول في العراق . واستمرت الاحوال كما هى عليه خلال مرحلة حكم الرئيس عبد السلام عارف (1963-1966) واخيه عبد الرحمن عارف (1966-1968) ولم يحصل تحول في الخطاب السياسي الا بعد عودة البعثيين للسلطة بعد انقلاب تموز 1968 , فدخلت البلاد في مرحلة اخرى اكثر اقصائية وشمولية واستبدادية . فاذا اعتمدت دولة (الاخوين عارف)(1963-1968) على المكافحة الثقافية للتيارات والتوجهات والفئات الاجتماعية والسياسية المعارضة – او التي اعتبروها معارضة - واستخدمت العنف الرمزي ضدها كالتخوين والاتهام بالتبعية وغيرها من الوسائل , فان الدولة القومية البعثية الثانية (1968-2003) قد استخدمت العنف الجسدي والمادي مع العنف الرمزي والتخويني وحتى التكفيري ضد الفئات الاجتماعية المناوئة والاحزاب والتوجهات المعارضة , وقد توسعت قائمة المشمولين بالتخوين والعمالة لتشمل جميع الاقليات الاثنية والدينية الاخرى , وحصلت عمليات اعدام جماعية في الساحات العامة عام 1969 لبعض الاشخاص من اليهود والمسيحيين والكورد والشيعة وغيرهم , اتهموا بالعمالة للغرب والماسونية والصهيونية العالمية !! وتصاعدت الحملات لتضم افرادا لم يجري اتهامهم سابقا بالعمالة , وهم اتباع التيار الاسلامي الحركي والثوري الذي اخذ بالتبلور والنهوض انذاك , وحصلت عمليات اعدام جماعية لاتباع هذا التيار في عام 1975 .
بعد انهيار (الجبهة الوطنية والقومية التقدمية) بين حزب البعث الحاكم والحزب الشيوعي العراقي عام 1979 حصلت عمليت مطاردة واعتقال واعدامات لكوادر الحزب الاخير , واتهم بالعمالة والتبعية للاتحاد السوفيتي , مما اضطر قياداته للهروب – كالعادة - خارج البلد . وبعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 واندلاع الحرب العرقية – الايرانية (1980-1988) اصبح مفهوم العمالة مقتصرا في خطاب السلطة على الشيعة واتباع الحركة الاسلامية من جانب , والكورد المعارضين المسلحين من جانب اخر , ودخل عامل جديد في تهمة العمالة , فبينما كان مقتصرا على امريكا واسرائيل وبريطانيا , دخلت على الخط السياسي تهمة اخطر من هاتين الدولتين عند السلطة الطائفية في العراق وهى العمالة لايران , وهى افظع واخطر تهمة في نظر الحكومة , لانه يعني احتمالية ايقاظ الشريحة الاكبر من المجتمع العراقي من سباتها الابدي وخصائها التاريخي وادخالها في دائرة الوعي بالحقوق والمساواة والعدالة , ومن جراء ذلك حصلت عمليات اعتقال واعدامات وابادة منظمة لاتباع هاتين الفئتين الكبيرتين , كما هو حاصل في عملية قصف مدينة (حلبجة) الكوردية بالكيمياوي عام 1988 وعمليات (الانفال) ضد القرى الكوردية عام 1988 والمقابر الجماعية ضد الاغلبية الشيعية في اعقاب الانتفاضة الشعبية في اذار عام 1991 , جميعها استندت الى تهمة العمالة لايران . كما اتهمت المعارضة من جانبها صدام حسين بالعمالة للغرب والخضوع للاملائات الخليجية بشنه الحرب على ايران عام 1980 والتعاون العسكري والامني مع الولايات الامريكية بهذا الشان , مستندين الى شهادات الفريق الركن المنشق (وفيق السامرائي) والضباط الكبار الذين اخذوا بالهرب الى خارج البلاد بعد نهاية الحرب او في عقد التسعينات . ولكن يجب القول ان خطاب السلطة كان اقوى من خطاب المعارضة في الاتهام بالعمالة , فالسلطة البعثية والقومية التي استمرت في الحكم والهيمنة على القرار السياسي الاحادي مايقارب الاربعين عاما (1963-2003) والمتسلحة بالايديولوجيا القومية العربية التي تتناغم مع النظام المعرفي والثقافي للمجتمع العراقي , بحكم النسق البدوي والريفي . والمدعومة بعائدات ضخمة وهائلة من الاموال السهلة التي وفرتها قرارات التاميم في السبعينات . والمتسلحة بجهاز امني وعسكري قمعي واستبدادي هدفه تدجين المجتمع واخصائه وترويضه , واعادة صناعته وبلورته ضمن افق ثقافي جديد من القيم القومية والاحادية , كلها من الاسباب التي جعلت المفاهيم السياسية والايديولوجية والفكرية التي اعلنتها السلطة البعثية الحاكمة راسخة وفاعلة في الاذهان والوجدان العراقي , واهمها مفاهيم الوطنية والقومية والخيانة والعمالة وغيرها , التي مازل اغلبية المثقفيين والمتعلمين والانتلجنسيا العراقية وانصاف المثقفيين يتبنونها كليا ويرددون صداها لاشعوريا , كبديهيات مطلقة التسليم , لايجوز نقدها او مراجعتها او حتى اعادة دراستها , ومثلما احتكرت هذه السلطة القومية بعد انقلاب 1963 مفهوم الوطنية (كما فصلنا ذلك في مقالنا – تطور مفهوم الوطنية في العراق – القسم الثالث) , احتكرت ايضا في وصف من تطلق عليه صفة العمالة والخيانة والتبعية , والصقتها باحزاب وتوجهات وفئات اجتماعية عديدة , اهمها (الشيعة والكورد والشيوعيين والاسلاميين الشيعة والكورد الفيلية والتركمان وباقي الاقليات) . وبالطبع تبنت الانتلجنسيا العراقية المخصية – وخاصة الشيعية والكوردية والمسيحية والفيلية والشيوعية - التي تشكلت بعد ذلك الانقلاب هذه الاتهامات كحقائق منزلة من السماء , واخذت تطلق مفردة العمالة والخيانة والتبعية على تلك الاحزاب السياسية والتيارات الفكرية والفئات الاجتماعية (الاثنية والمذهبية) , ولم تسلم من تلك الاتهامات سوى الاقلية السنية العربية الحاكمة , لانهم قاعدة السلطة وركيزتها الاساسية وصرحها المتعالي في وجدان تلك الانتلجنسيا المخصية . ومن اجل ذلك وجدنا استمرارية الخطاب الحكومي لتلك السلطة القومية والبعثية عند هذه الانتلجنسيا وعامة المجتمع العراقي بعد 2003 , حيث ان من أُطلقت عليهم السلطة البعثية سابقا صفة العملاء , فان النسق الحكومي الفاعل استمر قائما في اطلاق تلك الصفة عليهم , رغم تسلمهم السلطة وانتخابهم من قبل اغلبية ابناء الشعب , وهو تخوين مباشر واتهام صريح للمجتمع بانه ينتخب العملاء ويختارهم لقيادته , وكان المعيار الاساس في تلك الاحكام هو الذاتية والمزاجية التي تستند الى السياسة اولا والايديولوجيا ثانيا . فالعراقي يوزع الاتهامات يمينا وشمالا , وبانتقائية منقطعة النظير , فهو يحدد المفاهيم والمعطيات والدلالات , ومن يدخل فيها او يخرج منها , الا انها لاتخرج عن القواعد التي حددتها السلطات السابقة على الاغلب والاعم لهيمنتها في الوجدان الشعبي ورسوخها في النظام المعرفي العراقي .