بُومة الخراب ( 3 )

سامي عبد العال
2017 / 9 / 5

في العادة يُفترض أنَّ هناك شيئاً يَلفت أنظارنَا إلى الخراب. كائن، علامات، حقائق، تحولات، أفكار، رموز، انماط حياة، مفكرون. والبومة ضمن الثقافة العامة رمزٌ دالٌّ على بعض من ذلك. فيُضرب بها المثل لتمييز وضع أو شخص عن آخر( وجهُه مثل وجه البومة) باعتباره محل كراهية من صاحب الوصف. هكذا ربطها العرب القدامى بالأطلال والأماكن المهجورة. كان حضورها يعنى انخفاض الأريحية واطلاق الحذر مما سيحدث. بالمقابل طُرحت في التراث الغربي كرمز للحكمة والحصافة والمعرفة والرؤية الثاقبة!!

بين هاتين الصيغتين ( التشاؤم والحكمة) سنحاول معرفة الدلالة البعيدة للخراب في الثقافة العربية. حيث تتميز البومة بعلامتين ضمن هذا الإطار. فهي أداة حياة مغايرة لما نشاهده، لأن الزمن ( التاريخ) عامل رئيس بإثارة الأسئلة حول وجودها ارتهانا بالأحوال المتقلبة.

1 - الصوت ( النعيق ) الذي ينادي شبحاً ما في الظلام. وكأنَّ هناك صراعاً بين كائن متربص وحركة تنتظرها بمكان بعينه. والصوت بالنسبة للناس هو نذير بقدوم ما لا تحمد عقباه. وقد يدعو للانقباض النفسي وبخاصة في النزع الأخر من الليل. وقد يثير هواجس مضطربة تقلِّب كافة الاحتمالات. غير أنَّ المعنى البعيد هو الاهتمام بما يجري في الواقع كإشارة للمستقبل. وأن الأفعال القريبة هي المخاض القوى لما سيأتي به المجهول.

2 - النظر ( أي العينان). فعينا البومة واسعتان تحملقان في اللا شيء. لكنهما تراقبان ما يتحرك على الأرض. طوال الوقت هي قريبة رغم ارتفاعها فوق أشجار أو جدران. ومعزى النظر أنَّ عتمة الأوضاع الإنسانية تحتاج بصيرة لرؤية حادة فيما وراء الأحداث. ونادراً ما يوجد في الثقافة الجارية من يقوم بهذا العمل البُومي.

لماذا لا تماثل بومةُ الخراب بومة منيرفا اليونانية الدالة على الحكمة؟! إذ كانت تنعق - كما يشير هيجل- محلقة وقت الغسق لاستنهاض العقول. يقول هيجل: "عندما تصور الفلسفة جوهرها ظلاماً في ظلام، تغدو الصورة الوحيدة للحياة باليةً، ولا يمكن تجديدها بواسطة العتمة، فقد تصبح موضوعاً للمعرفة بما هي كذلك. إنَّ بومة منيرفا Owl of Minerva تأخذ في التحليق حينما يخيم الظلام"(1). وبالتالي حينما تنعق بومة الخراب فذلك نظراً لأفول الحضارة تحت جحافل التخلف.

ربما بهذا ترك ابن خلدون النعيق يرسم خريطةَ الوجود البشري وأحوال الناس تجاه خراب العمران. فليس الاثنانُ طرفي نقيض كما أشرنا، لأنَّه لا عمران في جوهره بلا خرابٍ. وهذا لا يتأتى إلاَّ بمنظورٍ أوسع للعالم؛ أي الحكمة البعيدة وراء الأشياء والمعلولات. يتعرض هوسيرل إلى تلك القضية داخل رؤى العالم weltanschauung. وهي فلسفةٌ مشروطةٌ بقيمة الحكمة والكفاح من أجلِّها. حتى يمكن اعتبارها هدفاً في ذاته. وبالمعنى الواسع للحكمة تعدُّ عنصراً أساسياً في قدرتنا القابلة للإنجاز achievable المتعلقة بالجانب الشخصي من الحياة الإنسانية. وخلالها يستطيع المرء الكفاح لأجل شخصية ممكنة عالمياً بقدر انخراطه في توجهات أساسية للحياة تنسجم مع أنماط المواقف الممكنة(2).

هنا يعتبر ابن خلدون العمران تحضُراً بينما الخراب حياة معكوسة تدمر نفسها. ففي أعماقه يكتم الخراب موتاً صريحاً عن التحدث. لكن ماذا لو تحدث بحكمته ؟ سيذكر علَّة الخراب أنَّ العرب " أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم خلقاً وجبلة"(3). ذلك أنَّهم – يقصد ابن خلدون- تركوا الطبيعة المتوحشة تتمكن منهم فأصبحت عادةً. والعادةُ تهيمن وتغدو بديلاً للواقع فيكون لها عوائد؛ أي تمثل قيمةً طاغية بأسباب الحياة. هذا يعني التحول الذي لم ينصرف تحضراً بل تراكماً أصلياً. تراكم يُخفي رؤىً للعالم والإنسان من جنس أصوله.

وحين يكون التوحُش عادةً ( أي ثقافة) يعتبره صاحب المقدمة شيئاً ملذوذاً لديهم. ذلك أنَّه يجرى مثل الغرائز والشهوات. فالمعروف أنَّ الثقافة نظامٌ يكتبسه الإنسان اجتماعياً بشكل تاريخي. لكن حين تتيح العادات رجوعاً إلى جذورها تستحضر نفس الآثار التي تسببها. فهي مصدر اللذة والمتعة رغم أنَّها في ظروفٍ دون ظروفها وشروطٍ غير شروطها.

إذن اللذة للتوحش والعادة تؤسسان لتفلت العرب من: " ربقة الحكم وعدم الانقياد للسياسة. وهذه الطبيعة منافية للعمران"(4). هذا بالمستقبل كان عليه أن يفسر معنى الثورة في تاريخ العرب الحديث. لم تكن غاية الحراك، التمرد، الثورة إلاَّ تملْمُلاً من الحكم لا لأهداف إنسانيةٍ كُبرى إنما لأجل الترحال والتغلب. مازالت العصبيةُ تهيمن على ذهنية الجموع. فأقرب كتلة يكمن فيها هذا العماء تجاه الآخرين هي الجموع. وتمثل مسارته رغبات كانت مشتهاة ومازالت لتنتهي بنهب وتدمير مؤسسات المجتمع وامواله.
ولهذه اللذة تجليات ثقافية تنعق بها بومةُ الخرابِ في تاريخ السياسة العربية:

أولاً: شهوة البطن أولَّى من البناء. يضرب ابن خلدون مثلاً أنَّ الحجر- بحاجة العرب إليه- لنصبه أثافي القِدْر ينقلونَّه من المباني ويخربونها عليه ويعدونه لذلك. نفس الأمر حيال الخشب إنما كانت حاجاتهم إليه ليعمدوا به خيامهم ويتخذوا الأوتاد منه لبيتهم فيخربون السقف عليه(5). وفي هذا لا يقف الخرابُ حيادياً إنَّه النقض الحي لبنية العمران، وحلوله ليس غير حركة مضادةٍ لتطور الحياة.

ثانياً: تفشي السرقة والنهب. يؤكد ابن خلدون على طبيعة انتهاب العرب ما في أيدي الناس. وأنَّ رزقهم في ظلال الرماح. وليس عندهم في أموال الناس حدٌّ ينتهون إليه، وكلما امتدت أعينهم إلى مالٍ أو متاع أو ماعون انتهبوه. هذا يعني ترصد الخراب للمجال العام. فإذا كان الجانب الاقتصادي ليس مصُوناً فلن يكون ثمة استقرار أو تطور. فتراكم الرأسمال العام أمر مهم ناتج عن وجود مساحةٍ واسعة للعمل والفعل. وحينما يتعرض لفساد سيكون هو المشهد الأخير لسرقة الممتلكات العامة. وبعض الثورات العربية الربيعية كانت مراناً على تلك الأصول التاريخية للنهب.

ثالثاً: ضياع أهمية الأعمال والأشياء. ولأنَّهم( العرب) يكلفون على أهل الصنائع والحرف أعمالهم لا يرون لها قيمةً ولا قسطاً من الأجر والثمن. ومتى فسدت الأعمال وصارت مجاناً ضعُفت الآمالُ في المكاسب. وهذا يفسر راهنا غياب ثقافة العمل لدى مجتمعات عربية كثيرة. وحتى الدول التي تشهد ثراءً فاحشاً نتيجة النفط اعتبرها المواطنون بقرةً حلُّوباً بلا جُهدٍ. وتفشت البطالة مدفوعة الأجر سلفاً. متناسين أنَّ العمل ليس اقتصاداً فحسب لكنه تطوير للذهنيات وتأكيد من المجتمع لوجوده حضارياً.

رابعاً: انعدام العناية بالأحكام وزجر الناس. هناك فقط إغارةٌ وغلبةٌ لكن لا توجد قوانين عامة تحكم الجميع. وهذه هي المفارقة: إزاء الواقع العربي لم تتألف القوة الاجتماعية في قوة سياسية فاعلة، ولم تتبلور مؤسسياً على نطاق رحب. إنَّها الإعاقة التاريخية التي تعطل عمل المؤسسات بدرجات متفاوتة. ويرى ابن خلدون أنَّ العرب إذا فرضوا عقاباً فسيتعلق بجمع الأموال فقط وهذا محمول لتحصيل الفوائد والجباية والاستكثار منها. وذلك ليس ناجعاً في زجر المعترضين ودفع المفاسد. فتحدث الفوضى دون حكمٍ. والفوضى مهلكةٌ للبشر ومفسدةٌ للعمران(6).

خامساً: التنافس على الرئاسة واحتكار السلطة. فالعرب قَلَّ أن يسلم أحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلاَّ في الأقل وعلى كره من أجل الحياء، فيتعدد الحكام منهم والأمراء وتختلفُ الأيدي على الرعيةِ في الجباية والأحكام"(7). هذا التفسير الخلدوني لا يعلّل فقط إنما يوضح كثرةّ الانقلابات السياسية. وشيوع الديكتاتورية في تاريخ العرب الراهن فهي مبطنة بالاستئثار بالحكم. فلا تداول للسلطة إنما التغير يحمله ملك الموت مع نهاية أصحاب الفخامة والسمو: الرؤساء والملوك والأمراء والسلاطين.

لو أنَّ الثقافة العربية ربطت الأمل بالبومة ما كان ليوجد تكرار لتلك الخرائب اجتماعياً وسياسياً. وبحسب تلك النقاط فإنَّ حكمة التحولات تتطلب عملاً خارج نطاق المألوف وبمنأى عن التشاؤم والتفاؤل. لأن هذين الإحساسين يدلان على عقلية هوائية، رغائبية لا تعبأ بالحقائق ولا ببناء المستقبل. ما الذي جد من جديد خارج نطاق الرؤية الخلدونية لحياة العرب المعاصرين؟!

فالخطاب الديني الإرهابي – على سبيل المثال- كان يتقمص دور البوم للنعيق على الموت. كان تطبيقاً أميناً لإحلال الخراب والأطلال باسم الإله. إن الدعاء – من قبل المشايخ - على أصحاب الديانات ( إهلاك الكافرين وتشتيت اليهود وقتل المسيحيين) كان صوتاً يبشر بحالك الظلام إذ حل من عصر إلى آخر. علماً بأنه خطاب قد التزم حرفياً بما قاله ابن خلدون في النقاط السابقة.

لكن: هل يمكن أن تكون البومة العربية رمزاً لثقافة جديدة بدلاً من ذلك؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- G. W. F. Hegel, Philosophy of Right, Translated by S.W. Dyde, Batoche Books(Kitchener) 2001. P 20.
2- Edmund Husserl, Phenomenology and Crisis of Philosophy, Translated with notes and an introduction by Quentin Lauer, Harper Torch Books, Harper & Row, Publishers, New York, 1965. P 133.
3- ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، الجزء الأول، تدقيق وتحقيق خليل شحاته، مراجعة سهيل ذكار، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، 2001. ص187.
4- المرجع السابق ص 187.
5- المرجع السابق، ص 187.
6- المرجع السابق، ص188.
7- المرجع السابق، ص 188.