كلمات من دفتر الاحوال...(1)

كاظم الموسوي
2017 / 9 / 3

حين يسألني صديق مبدع عن كتاب له، كان قد اهداني نسخة منه، مباشرة بلقاء أو بموعد ثقافي، أو ارسلها بريديا، متحملا ثمني الطوابع والمظروف، هل قرأته؟ وما رأيك؟ ومتى تكتب عنه؟!. أتحرج في الإجابة في أغلب الأحيان. رغم انها مسألة اعتيادية وتقع ضمن العمل الثقافي والاشتراك الاجتماعي وايجاد صيغ انتشار وتعريف وتعزيز المعرفة واشتباك في الهم الإنساني.
تساءلت انا بدوري، لماذا هذا السؤال؟! ولماذا الاحراج منه وفيه؟!. وكأن الموضوع عادي او غير ذي بال مع فهمي له ولما يتضمنه او يظهر منه.
اقول اولا قبل أن أرد على السؤال او اجيب. نحن اليوم نعيش في عصر السرعة كما يقال، حيث تغيرت اشياء كثيرة وأصبح كل شيء او كثيره يخطف الابصار، يمر عاجلا ومتعجلا، وتنقضي الساعات، بل الايام، دون أن تشعر لفواتها واوانها ولات مندم بعد أن أسرعت وخطا رحيلها. وعصر السرعة هذا له متطلباته او اشتراطاته الموضوعية قبل الذاتية او المترافقة معا. وأبرزها المعلوم هو التسابق معه زمنيا والتواصل معه مكانيا والتنافس بينهما زمكانيا في الاغلب الاعم كيما تكون فيه ومنه. وتنتقد اذا تاخرت او تخلفت. وترجم اذا ندمت وتحسرت، وتحاسب أمامه بقسوته العابرة او بحركته السريعة وانتقاله المفاجئ او المحتم. فكيف تجمع بينه وبين زمنك، بينه وبين عمرك، بينه وبين قدرتك؟!. بات " ابتلاء" بشكل ما، واي ابتلاء هذا؟.
اعود الى سؤال الصديق العزيز عن مؤلفه وإنتاجه الإبداعي بكل تأكيد. واقول أن الأمر اصبح مركبا او معقدا، ومنه ما قد يعود إلى حجم هذا الكتاب وموضوعه. مثلا أرسل لي روائي كبير رواية أخيرة له من أكثر من ثمانمائة صفحة من القطع الكبير، وبحروف صغيرة، وتوقفت عند حجمها كثيرا، ووقت قراءتي لها، وحاجات العمر وظروف العيش وساعات القراءة وامكانات الصبر والتحمل في اوضاع الزمن والقدرة الصحية وامراض العصر نفسه ورغبات النفس الكثيرة، او الالتزامات المطلوبة، من ضرورات متابعة العلاج وفترات السفر ولعنات الاغتراب وزعل الاصدقاء او عتبهم عليك دون انتظار او تفهم او تقدير الموقف والوضع وحصار الزمن والاعتدال. وكل هذه القضايا مطلوبة والأشياء مرغوبة والامور محسوبة حتى ولو كانت غير مكتوبة.
مرة نشرت قراءة في كتاب تاريخ سياسي لمؤلفة باحثة ومهتمة، وقد تلاعب المترجم ودار النشر في تقسيم الكتاب إلى ثلاثة كتب، كل واحد بحدود المائتي صفحة، وبعنوان القسم في الاصل، مما لا يؤثر عليه، ويسهل للقارئ المختص والهاوي متابعته او تتبعه. وسجلت ارتياحي لمثل هذا العمل رغم اعتلاء روح التجارة فيه، وواصلت الفكرة باقتراح الا يزيد اي كتاب اكثر من ذلك، لتسهيل الأمر وتحسين الاهتمام واستغلال الوقت واحترام عصر السرعة المعاش. لاسيما وان المكتبة الالكترونية بدأت تتغالب على الورقية وتسعى إلى تجاوزها، مما يوفر إمكانات اكثر يسرا واستفادة اوسع نفعا. وحاولت قراءة الرواية وطال وقتها، ففي تعقيدات الحياة وصخبها وتكاثر المؤثرات فيها، لا تستطيع اليوم أن تتحكم في أمر واحد في زمن واحد في ظرف واحد، فلربما تنشغل بما يعيقك عن مواصلة قراءة الكتاب وكلما يطول الزمن تفقد الرغبة وتخسر المتعة وتصعب عليك المهمة وتضطر إلى التأجيل والتأخير وتاتي غيرها من الهموم والحاجات فتتقدم الأولويات اساسا، فتأخذ منك الكتاب ذاك وتضع امامك غيره، كتابا او موضوعا اخر لا يمت بصلة. لاسيما وانت في مغترب ولديك مسؤوليات عدة، عائلية واجتماعية، فضلا عن الثقافية والسياسية. وفي كل الأحوال تكون ملزما بما خططت او تحسبت له، وليس بالضرورة تكون قادرا عليه. المهم غالبت على نفسي وقرأت الرواية كلها ولكن كما أشرت بزمن طويل، افقدني البدايات فيها عن النهايات واضطررت الى التقليب والتصفيح، من جديد، مستخدما طريقة نقلت عن لينين في مطالعاته الجمة، وهي قراءة مركزة في مبتدا الكتاب ووسطه وخاتمته، وخلالها تتم معرفة أهميته وتصنيفها في الدور والمتابعة او الاكتفاء بما حصلت عليه منه وانتهى. وعدت إليه لأكتب للصديق كلمات عما علق في ذهني عما أبدعه في تلك الصفحات الغزيرة والطويلة.
في النهاية، ليس تهربا من الجواب المباشر، وتبرير الأمر ولكن هذه قضية يمكن أن تكون للنقاش، او للتأمل فيها، فبين رغبات المبدع وخططه ووقت القارئ وظروفه مسافات او ثمة أبعاد تحتاج منا أن نتوقف عندها. ففي هذه الأيام لا يستطيع الإنسان التفرغ لعمل واحد طيلة فترة غير محدودة، حتى ولو كان مكلفا لعمل اخر. هذا جانب واخر هو أن الاهتمامات اليومية تعددت حتى في المجال الواحد. لقد حاولت أن اقرا رواية أخرى لاسجل ملاحظات عنها في ندوة خاصة بها، وقد بلغت بها بفترة معقولة زمنيا، ولكن كنت منشغلا بامور أخرى فلم اتفرغ لها إلا بعد اتمام ما سبقها. ولم أكن مرتاحا منها ايضا لحجمها الكبير اولا واخيرا.
والظريف في كثير من الأحيان كما كان ايام زمان التباهي بحجم الكتب والمجلدات التي تتضمنها، ولافت أن دور النشر الجديدة استثمرت في هذه المجلدات واعادت طبعها بغلاف أنيق ووضعت اسمها محفورا او بارزا عليها وبالوان زاهية من الخلف لتكون أشبه بالديكور الجميل على رفوف المكتبات العامة والخاصة.
هل سيصبح الكتاب الجديد محدود الصفحات؟، كما هي أمور الدراسات الأكاديمية وشروطها، ام سيضع المؤلف في حسابه ما ذكر ويكثف رؤاه وإبداعه ليسهل القراءة والتفاعل معه ثقافيا وجماليا. ويشترك سوية بانتاجه وقارئه، حيث أنه لا يبدع او يكتب لنفسه اساسا، ولان الموضوع كذلك فالطرف الثاني او الثالث، حسب تسلسل او أهمية النظرة النقدية، في عملية الابداع الثقافي يتحول الى مشارك فعلي في العملية الثقافية اولا واخيرا. حينها تتقدم العلاقة وتتطور المجالات والفرص الثقافية، ولا يثقل على قارئ اليوم في الزمن الجديد. ويشعر كل طرف بمتعة التواصل والاشتراك في الابداع، ويحرك فضاءات الازدهار وثراء الإنتاج الثقافي في كل مجالاته وأدواته.