توحُش الخراب (2)

سامي عبد العال
2017 / 9 / 3

الحيوان لا يُخرِّب، يأكلُّ بقدر ما يحتاج من غذاءٍ فقط. وبالتالي تعد حيوانيةُ الحيوان فوق مستوى الشبهات المكانية الفاجعة. سُكْناه هنا أو هناك لا تولِّد أفعالاً أبعد مما يشتهي. وهو رابط طبيعي بين طاقة نامية كان يسميها اليونان الفيزيس ( الطبيعة ) physis وبين كائن حي يجسدَّها. بينما الإنسان بخلاف ذلك، فحينما ينهمك في عملٍ تخريبيٍّ تأخذه قواه الخيالية كرغبة تدمير ليس إلاَّ. وإذا كان الحيوان يحوِّل ما يجدَّه إلى طاقة حياة، فالإنسان قد يُعدم ممكنات الحياة نكايةً وثأراً... لأنَّ جانباً افتراضياً لديه قائم على جنوح الخيال وجنونه.

وفي هذا كشف الدواعش عن طرائق قتل وتدمير غير مسبوقة في تاريخ الخراب. مثل: الذبح، تمزيق الأجساد، إطلاق الرصاص، الاحراق، إغراق الضحايا، مسخ الأطفال، تفجير الجماجم، السحل، تقطيع الرؤوس، قطع الأثداء، الرمي من أعالي المباني، قطع الأيدي، دفن الناس أحياء، فقأ العيون، حلق الشعرـ نزع الأظافر. ناهيك عن مسخ المدن والأحياء واعادتها إلى عصور الظلام.

النتيجة أنَّ إنسان الإرهاب أكثر توحشاً من الحيوان. فالأخير يتوحش بالطبيعة على ما جبل عليه. فالطبع يغلب التطبع إذا افترضنا ذلك. أما الإنسان فتوحشه يجري تكلفاً وإمعاناً في العدوانية. ويتفنن بتقنيات شاذة في القتل وإراقة الدماء. والحروب بأشكالها ما هي إلَّا تقنية خراب خارج الزمن، خارج الإنسانية.

لعلَّ قصيدة الأرض الخراب ت. س. إليوت Eliot توثق هذا الطابع السديمي للعدم. إنَّها حقاً الأرض الخراب waste land، جفاف الحياة حتى نضوب المعنى (1). فالمعنى وسط اللهاث البشري أشبه بظلال وسط الشمس، لا يوجد بها أدنى راحة من هجير الزمن. كان العبث حاضراً مع عصر لا يقوى أُناسُه على الصمود. عقب الحرب العالمية الأولى وحده كان نعيق الخراب هو صوت الموت، صوت يبرز تقززاً بملء الحياة. تلك الحرب قزمت فضاء الكون حتى حُشر في فوة بندقية. وقد خرج رصاصها ليصم آذان العالم، ليصدم كل مبادئ التعايش والسلم والحرية. كانت القصيدة بمثابة رصاصة حداثية لمواجهة فوهات القتل العالمي التي لا تكف عن الدمار. حتى أضحت المدن بعبارة جيمس تومسون Thomson ذات ليل قاتل ومرعب (deadful night (2 .

حيث لا شيء هنالك سوى المقابر، كومة التراب التي تحوي الإنسان مرة ثانية. وتتكفل بإعادته إلى ذرات باليةٍ. وهي كنتاج للخراب كانت مؤخراً شأناً ربيعياً عربياً مع ثورات عالمنا الشرقي. فلئن كان ثمة ما يميز الحراك السياسي، فهم قوافل الموتى ومشيعوهم. حتى أن هناك تطابقاً بين حروف التراب والخراب في المعجم العربي!! فهل يعني مضاعفة الخراب في سياق الثقافة العربية الاسلامية؟ هل الخراب هو ارجاع المكان إلى حالة ترابيةٍ لا تُبقي ولا تذر؟

لقد مثلت الصورة السياسية لدى العرب المحدثين كفناً مزركشاً لجثث يومية. وهذا ما رأيناه بالأمس القريب والآن، فتحول حراك المجتمعات العربية إلى ظاهرة الجثث. ليست حرباً بالمفهوم التقليدي. لكنها إطار جنائزي لمشهدية الموتى، توديعهم تحت بروتوكول ديني سياسي. إنَّها سياسات الجثث المحمولة باسم المقدس أو باسم الدولة أو باسم القبيلة والعشيرة والطائفة. غدا الوضع العربي جنازة حارّة بينما الأكفان أُناسٌ عابرون على قارعة السياسة.

ومن ثم ظهر لدى الاسلاميين تعبير "إدارة التوحش"(3). وهي إدارة الفوضى الطاحنة الناتجة عن غياب كل أشكال الإدارة إلاَّ القوي الارهابية الحركية. التَّوحش يُسقِّط مجتمعات ودولاً ويفترض إدارة أكثر قسوةً. وهنا الرابط بالخراب الذي سيكون مترقّباً عن كثب. كيف يطلق لفظ إدارة على قضية لا موضوع لها؟

إنَّ إدارة التوحش لونٌ من استراتيجية الخراب، إدارة الخراب. فلا معطيات اجتماعية، ولا إمكانيات سياسية، ولا قوى تنموية، ولا انتاج بأدنى أصنافه. ومع هذا يكِّد هؤلاء الارهابيون في ايجاد صيغة لإحلال الفوضى. والأغرب أن يزعم (الاسلاميين) أنَّه خطوة لتحكيم شرع الله. لو كان ابن خلدون حياً لاعتبر ذلك تدميراً لمقاصد الشرع ورسالته وكل ما يمت له بصلة. فثمة انتهاك لأي معنى خاص بالدين، إلاَّ من قتلٍّ واستباحةٍ وتأسيسٍ لدين مغاير.

إذا كان التَّوحُش سلفاً تمَّ بانعدام التحضر وبالصراع الدموي، فإنَّ التوحش حالياً يجري باسم الخلافة. وبدلاً من "الفوضى الخَلاَّقة" يمكن اعتبارها "فوضى الخِلافة". فالاثنتان تؤديان نفس الوظيفة حيث يتحلُّل الارتباط بالواقع. لأنَّ تفكك المجتمعات لا يتم بتغيير الإدارة أو كما أُشيع اسقاط النظام. لو الأمر هكذا لما قال ابن خلدون آراءه الاجتماعية والثقافية. فكرة الخلافة تعمل على بنية المجتمعات وأنسجتها الحية. ليست الخلافة لافتة فوق جسد اجتماعي قديم، إنما يجب تغيير القوانين الثقافية والرمزية التي تحكم هذا الجسد.

المشكلة أنَّ انفكاك الجسد الاجتماعي- كما بدا مع فشل بناء الدولة العربية- يجهز على قدرات الافراد والجماعات. لأنَّ انهاكاً لا حدود له يستغرق جميع ثرواته المعرفية والوجودية والثقافية. يُسقِط كل رأسماله الرمزي في هوة لا خروج منها. واظن أنَّ ابن خلدون كان يقصد بالخراب هذه الإبادة الوجودية والحدية للمجتمع. وتلك المسألة يطرحها الاسلاميون بمنطق خلقي؛ أي يحاولون خلقَ المجتمع خلقاً مغايراً ( أسلمة المجتمع كما يزعمون) متناسين حيواته وأطيافه المختلفة وأساليب وجوده. وحين يفشلون يفجرون أفرادَّه وتماسكه وتنوعه في عمليات انتحارية. والتعامل مع ذلك بالإبادة المادية معناه فقدان الوجود النوعي لثراء الإنسان.

ومن تلك الزاوية يرتبط الخراب – كما يرى ابن خلدون- بالثقافة. فهو ناتج عن حالة البداوة وهي جذر نبت عنه مجمل الثقافة العربية. فالترحال لا يحتفظ بالعمران حياً، لكنه يمر مرور السحاب. وهو يستهلك الوجود استنفاداً لما يجود به المكان سواء أكان واحةً أو كلأً أو ظلالاً. والترحال مازال موجوداً في عدم تأثر الثقافة العربية بالأفكار العالمية التي تعنى ببناء المجتمعات وبناء المواطنة والاقرار بالاختلاف الديني. إذ مازالت المجتمعات العربية تعتبر جميع ذلك دون حقيقتها الأصيلة التي تتمثل منظومة عادات وتقاليد تحتمي بالدين.

الثقافة البدوية ثقافة عابرة للجغرافيا. تضاريس وجودها سطحية وقائمة على سفوح الحياة والمعاني. تتعامل مع الأشياء عبوراً إلى غيرها. لا تستقر في المكان ولا الزمان بل المكان نهب للمصادفة الأولى أو الثانية. ولأنَّ ذلك يُفقد فاعلي الثقافة قدرتهم على التكَّيف(بالتالي التطور) فإنَّ المكان لا قيمة له. إنَّه مجرد استراحة مؤقته وبعدها يذهب الزائر إلى مكان مغاير.

كما أنَّها تعتبر الاستقرار صنفاً من الجمود وداعياً إلى الملل الحياتي. هي بهذا تعلن عن أوليتها الوجودية. فالإنسان قد ينفك من الأنظمة الحياتية المركبة عائداً إلى حالته الطبيعة. هذا رغم أنَّ بها ( الثقافة البدوية) أنظمة رمزية معقدة تملأ خيال أصحابها برؤى للكون والمجهول والحياة. إن حالة الطبيعة الأولية هي الدرجة الصفر للتعامل مع الأشياء. وابن خلدون يرجع بها إلى عدم إدراك ثقافي لمعنى التحضر. وكأن الحضارة ضروب من المعاني المتراكمة على جسد الطبيعة. حتى أنَّ خراباً لا يأتي إلاَّ إذا كان ثمة من لا يجد أية قيم في هذا التراكم. وبالتالي بآلية التفريغ الثقافي يُجهض الخراب جميعَ الطباق الثقافية من مضمونها.

فالبداوة لا تزن الأشياءَ بميزان التَّحضُر؛ أي القيمة المضافة للأشياء وفاعلية التقنيات والأنظمة. لكنه يحاول تعريتها هيكلاً وبنيته. الخراب يُشابه هذا العُريَّ الثقافي للأشياء. عُري هو الجسد الخشن للتعامل مع الواقع حتى غدا آلية وسياقاً. ولا يعني أنَّ عالمَ الإنسان البدوي غير مسكون بالأخيلة. لكن تذهب الرموز وراء هذا اللا معنى في صور العالم. لأنَّ تلك الثقافة تستغرق(تستنفد) نفسها في فوضى الأفعال.

هنا يصمت الخرابُ كصمت المجهول. فالأماكن الخربّة مهجورةٌ، شبحيّةٌ، قادمةٌ من الماضي المخيف. وبالتالي فأبرز معالم الخراب هذا المسخ المكاني الذي ينتج دلالات ثقافية أيضاً. ففي كل الأحوال ثمة تشوّه لا يكف عن الحضور. والمجتمع الذي لا يعي حقيقة التشوه يقع في أحبولته. لكونِّه ينعكس كنمطٍ ثقافي للحياة القاسية. وقد تكون مُريحةً بقدر ما تسلِّبُ العقل وتميِّعُ المعايير.

لهذا قد لا تشعر الثقافة البدوية الراهنة بأهمية المعايير. فالوعي مرايا مسطحة مثل الصحراء وسط غبار ثائر كالرمال المتطايرة. وإنْ استقرت مفاهيمٌ فلا تخلو من سراب الأبعاد الغائمة. والأفكار حول الأشياء مفتوحةٌ وغيرُ منضبطةٍ كمفردات البيئة الصحراوية. والبدوي لا يدرك قيمة الأشياء لأنَّها تترسخ مع ذهنية الترحال اليومي. لدرجة أنَّه يقف صلداً وقوياً تحت التقلبات المُناخيّة بينما يضجُ بالأنظمة المعمارية التي تقيه ذلك. ويندرج تحت هذا التناقض أنظمة الحياة الراهنة من تكنولوجيا وسياسة ومعرفة وعوالم افتراضية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- نص قصيدة " الأرض الخراب" مع بعض التعليقات والهوامش المهمة.
T.S. Eliot, Collected Poems(1909- 1969), Harcourt, Brace, World, Inc., New York, 1954. PP 51- 70.
2- Lawrence Rainey(editor), The Annotated Waste Land with Eliot ,s Contemporary Prose, (second Edition) Yale University Press, New Haven & London, 2006. P. 71.
3- أبو بكر ناجي، إدارة التوحش، أخطر مرحلة ستمر بها الأمة، مركز الدراسات والبحوث الإسلامية، بلا مكان نشر ولا تاريخ. ص ص11- 14.