هل ان جميع العراقيون عملاء ؟؟ تطور مفهوم (العميل) في العراق خلال مائة عام (1917-2017) (القسم الاول)

سلمان رشيد محمد الهلالي
2017 / 9 / 3

استعرضنا في مقالات سابقة (تطور مفهوم الوطنية في العراق) منذ الاحتلال البريطاني للعراق عام 1914 وحتى السنوات الاخيرة التي اعقبت الاحتلال الامريكي واسقاط النظام البعثي الحاكم عام 2003 . ووجدنا ان هذا المفهوم مر بخمسة مراحل وتحولات يغلب عليها الطابع السياسي والايديولوجي والشخصي (او المزاجي) وليس الفهم الموضوعي او التعريف الواقعي للوطنية المتفق عليه في الدولة الليبرالية المتقدمة , ويمكن الرجوع الى تلك المقالات في موقع (الحوار المتمدن) من اجل تبيان هذا المفهوم والتجليات المصاحبة له او المتضادة له كالخيانة والتبعية مثلا . الا ان هناك مفهوما اخر صاحب تطور الوطنية في العراق وخضع مثله الى هيمنة الايديولوجيا والسياسة والذاتية (وهى المعرقلات الثلاث للثقافة العقلانية في العراقي) وهو مفهوم (العمالة) . وهو كما نعلم مفهوم غائم ونسبي وفضاض تغلب عليه النزعات الايديولوجيا والصراعات السياسة والاتهامات الشخصية والمزاجية .
وقبل الدخول في استعراض التطور التاريخي لمفهوم العميل او العملاء في العراق , لابد ان نشير الى نقطة يمكن ان تساعدنا في تحديد كيفية تكوين المفاهيم عند الانتلجنسيا العراقية واشكالية المرجعية الثقافية للمثقف العراقي , فكلنا يعلم ان مرجعية المثقف في العالم هى (الثقافة) والمنجز الثقافي الحديث الذي تراكم عبر التاريخ , والنتاج العصري الاوربي او الغربي الذي تبلور على هامش عصر النهضة والتنوير والحداثة , يضاف الى ذلك رؤية المثقف الخاصة للامور والمواقف والمفاهيم التي تتبلور ايضا من خلال تلك النوافذ الثقافية والخروج بحصيلة او رؤية خاصة ومحددة من تلك الموضوعات . فالمفاهيم والمناهج الفلسفية والفكرية والايديولوجية والسياسية كالجدل والحداثة والتنوير والليبرالية والاشتراكية والقومية والماركسية والوطنية والطائفية والاقلية والبنيوية ومابعد الحداثة والتاويل والتفكيك والديمقراطية والحرية والعبودية والانتماء والولاء والمدنية والحضارة والثقافة وغيرها كلها قد تم تحديد المتبنيات الفكرية لها والجذور التاريخية والمرجعية الفلسفية لمفرداتها ومطارحاتها التاصيلية من الثقافة الغربية الحديثة , واكتملت سياقاتها وافاقها منذ عقود طويلة , الا اننا في العراق وجدنا ان المثقف (او عامة المثقفيين) عندما يطرح هذه المفاهيم للدراسة والتطبيق على الواقع العراقي مثلا فانه لاينطلق من تلك التعريفات والمطاراحات الفكرية لتلك المفاهيم والمنطلقات , وانما ينطلق من ذاته اولا , فهو من يحددها بحسب رؤيته الخاصة او فهمه المحدد والقاصر , او ربما على الاعم الاغلب بحسب مزاجه او مصلحته او ايديولوجيته , ولاندري هل ان القضية مرتبطة بالجهل بالمصطلحات والمفاهيم والثقافة الشائعة , او تعمدا من اجل خلط الاوراق وتمرير اجندات سياسية وايديولوجية معينة , وربما كان هناك سبب اخر يتعلق بقراءة العراقي واطلاعه على تلك المفاهيم والمصطلحات , اذ ان فهمه لها يتبلور - في الاغلب - بحسب نظامه المعرفي وافقه الثقافي , وبما ان هذا النظام تغلب عليه – كما قنا – الايديولوجيا والسياسة والذاتية – فان من الطبيعي ان تخرج لنا تلك المفاهيم وهى متفاعلة او متماهية مع تلك المعرقلات الثلاث , وبالطبع نحن لانتكلم عن جميع المثقفيين العراقيين , وانما نتكلم عن ظاهرة شائعة عند الانتلجنسيا العراقية , وسبق ان اشرنا الى قسما منها في مقالنا في الحوار المتمدن (هل العراقيون اذكياء ؟؟) . وقد يذكر احدهم ان ان الفهم العراقي للمفاهيم او تفسيره الخاص للتعاريف والمصطلحات او الاخذ بها الى معاني اخرى غير المتعارف عليها , او التحرر من المرجعيات الثقافية الغربية السائدة في طرح تلك المتبنيات هو حالة ايجابية , لانها تتسامى عن التقليدية والاجترار والاتباعية . في الواقع لااحد ينكر ان الاضافات العقلانية والعلمية او الطرح الموضوعي الجديد والمبتكر والمغاير للمفاهيم والمصطلحات الرائجة هو حالة صحية لاغبار عليها , ولكن السؤال الذي يطرح نفسه : هل وصلت الانتلجنسيا العراقية الى مرحلة من الثقافة والفكر مايجعلها تحدد رؤيتها الخاصة الى تلك المفاهيم ؟ واذا كان الامر كذلك فاين تلك المصنفات او المقالات او الدراسات المبتكرة والخاصة بذلك ؟ واين نجد ذلك الخطاب الثقافي العميق والتاصيل الفكري لتلك المتبنيات الجديدة والمنطلقات الحديثة ؟؟ من المؤكد ان الجواب على ذلك هو النفي , فالانتلجنسيا العراقية اهون او اقل من ان تنتج خطاب ثقافي مبتكر وحديث , ناهيك ان يكون لها خطاب ثقافي اخر مغاير للخطاب التنويري والحداثوي الغربي . فرغم التحولات الاجتماعية العميقة والاشكالات المعقدة والانهيارات القيمية والاضطرابات السياسية التي مر بها العراق خلال القرن الماضي , الا ان الانتلجنسيا العراقية لم تصنع حتى الان خطاب ثقافي رصين وعميق لتفكيك وتحليل تلك التحولات ونقدها وبلورة مفاهيم تنويرية تتجاوز التابوات السائدة والمسلمات الضمنية التي تتحكم بالانتاج الفكري , او القيام بتاويل عصري للمرتكزات البدائية السائدة والراسخة في المجتمع العراقي كالدين مثلا – كما هو حاصل عند الايرانيين والمصريين والمغاربة وغيرهم , وحتى الان مازلنا عالة على افكار الدكتور علي الوردي التنويرية , ولم يظهر احدا يقاربه بالتحليل الجريء والعميق للمجتمع العراقي , ولولا كتاباته الاصلاحية والنقدية لاضحت الشخصية العراقية عندنا حتى الان لغزا من الالغاز المبهمة والغامضة .
من هو العميل في العراق ؟ وماهو تطور مفهوم العمالة خلال المائة عام الماضية (1917-2017) ؟ وماهى التحولات التي انتابت هذا المفهوم عند الانتلجنسيا العراقية ؟ ان من خلال دراستنا وقرائتنا للتطورات السياسية والصراعات الايديولوجية نخرج بحصيلة مؤلمة تقول : ان جميع العراقيون هم عملاء , او بالاصح ان جميع العراقيون - وبحسب تلك المناهج الذاتية والمزاجية المعتمدة – التي ذكرناها سابقا – اتهموا بانهم من عملاء , ومن قبل اشخاص ايضا اتهموا سابقا انهم عملاء ..... وهكذا الامر . (كل امة تلعن اختها) . وقبل الاجابة على تلك الاسئلة واستعراض التطور التاريخي والتحولات التي انتابت مفهوم العمالة في العراق , لابد ان نذكر ان الحقل السياسي اليبرالي والغربي لايحوي في منطلقاته ومتبنياته الفكرية وركائزه المعتمدة على مفهوم (العميل) السائد في الادبيات السياسية التي عندنا في الشرق الاوسط او في العالم العربي , لان نظامهم السياسي والديمقراطي يسمح بالراي الاخر والتعددية السياسية والمعارضة , وبالتالي فان مفهوم العميل عندهم هو الجاسوس فقط , وليس السياسيين الحكام في السلطة او المعارضين لها كما هو حاصل عندنا . فضلا عن ذلك , ان العقل الغربي الليبرالي هو اقدر على فهم هذا الحقل المعرفي الذي يتحرك وفق الجدل السياسي وضغط الواقع المتغير والمصلحة الانية والصراعات المستحكمة , وان مفردة (العميل) الوافدة هى رائجة في الحقل السياسي الايديولوجي (الماركسي والقومي والاسلامي) وفي الانظمة الشمولية والاحادية والاستبدادية , وازداد استعمالها بكثرة خلال مرحلة الحرب الباردة بين المعسكر الغربي الليبرالي والمعسكر الشرقي الاشتراكي (1945-1991) واخذت تطلق - على الاغلب - على الموالين للمعسكر الغربي الليبرالي , او الذبن يتبنون المنطلقات الديمقراطية وفق المنهج الليبرالي , فيما وصف الثوريون والموالون للمعسكر الاشراكي بالوطنيون والتقدميون , حتى وصل الامر ان راج في الاذهان ان العميل هو فقط الموالي للغرب , وخاصة بريطانيا (قبل الحرب العالمية الثانية) وامريكا بعدها , وربما اضيف لها لاحقا دولة اسرائيل بعد تاسيسها عام 1948 . فيما كان من النادر مثلا القول : ان هذا عميل للاتحاد السوفيتي مثلا , او الصين الشعبية , رغم ان التوجهات العقائدية والسياسية الشيوعية تاخذ مواردها المالية والحركية من هذين الدولتين . او حتى عميل للدول الغربية الاخرى , مثل فرنسا . فلم نسمع في الادبيات السياسية انذاك ان فلان عميل فرنسي او ايطالي او الماني . وبما ان هذا الاصطلاح والمفهوم - كما قلنا - هو نسبي ولايحقق الشروط الموضوعية والعقلانية في التحديد والتاكيد من العمالة وصحتها , او حتى وجودها , فان الكتاب والسياسيون الموالون للسلطات الحاكمة وغيرها , اخذوا يطلقون هذه المفردة على كل انسان معارضا او يحمل رايا مستقلا او يوالي الغرب , بل واخذت تطلق حتى على السياسيون الثوريون في العالم العربي والاسلامي الذين وقفوا بوجه الغرب امثال جمال عبد الناصر (واستغلال كتاب (لعبة الامم) المثير للجدل ضده) وعبد الكريم قاسم وحافظ الاسد وغيرهم . واذا راجعنا تعريف العمالة لهادي العلوي في كتابه (قاموس الدولة والاقتصاد) وهو كاتب ثوري صاحب ايديولوجية ماركسية او ماوية راديكالية نجد عنده هذا المعنى في ربط العمالة بالاستعمار (والعمل ضد مصالح الوطن . والعميل من ينفذ سياسة المستعمر في بلاده ويعمل ضد مصالحها , وولدت من معنى الزبون التجاري للعميل , ويقال ايضا صنيعة الاستعمار وترتهن العمالة بالخيانة , والعميل هو الخائن واستعمل جمال عبد الناصر عبارة اعوان الاستعمار , وهو مرادف ملطف لعملاء الاستعمار) . وقد وردت مفردتي (الجاسوس والعميل السري) في كتاب (الايديولوجية الالمانية) لماركس وانجلز بمعنى واحد ايضا وهو المتابع والمترصد للتحركات الشعبية والثورية .
وبهذا الصدد ذكر الكاتب المصري (شادي طلعت) تلازم مفردة العميل مع الانظمة الشمولية والاستبدادية بالقول ( العميل ... لفظ أصوله لينينية تعود إلى (لينين) الزعيم الروسي المعروف ، و هو الذي قفز على الثورة البولشفية ، و لينين لم يكن رجلاً ديمقراطياً في يوم ما ! لقد كان رجلاً دموياً ديكتاتورياً ، لا يقبل بالرأي الآخر، كان رأيه و رأي حزبه هو الأصوب ، و كل من يعترضهم يكون عميلاً و ليس جاسوساً ! إذاً فالعميل هو شخص لا يكون له وجود إلا في الأنظمة الديكتاتورية ، إن لفظ (العميل) لا وجود له في الدول الديمقراطية ، فالدول الديمقراطية تقبل الرأي و الرأي الآخر، فالحاكم لا يحكم أبد الدهر ! و للرأي المخالف إحترام مهما كانت خطورته على النظم الحاكمة ، نأتي الآن لسؤال آخر و هو كيف وصلت هذه الثقافة الديكتاتورية القمعية إلى مصر و الوطن العربي ؟ و الحقيقة أن تلك الثقافة قد وصلت إلى مصر قبل أن تصل إلى أي بلد عربي ، و ذلك وقت أن بدأ الإتحاد السوفيتي التوغل في علاقاته مع مصر، و التي توطدت عن طريق جمال عبد الناصر، و هو شخص مع كامل الإحترام لدوره الوطني ، إلا أنه كان رجلاً ديكتاتورياً و كان يقوم بإرسال البعثات الأمنية إلى موسكو ليعودوا بنظريات القمع و السيطرة على الجميع سواء مؤيد و معارض، و من ضمن الإختراعات مفردة (العميل)) .
في البدء يجب القول ان مفهوم (العميل) المتداول عندنا هو مفهوم خاطىء حتى بالمقاييس الايديولوجية والسياسية البدائية والتقليدية . فالعميل هو الجاسوس, والجاسوس هو (المخبر السري) الذي ينقل المعلومات السرية او العسكرية الى العدو , او اي دولة اجنبية اخرى مقابل راتب او امتيازات معينة او لاسباب عقائدية , ويعطي دلالات اخرى كما في التقسيم الاتي :
1 - مَن يُعامل غيره في شأن من الشئون كالتِّجارة وغيرها :- عميل دائم للشَّركة ، - عميل متجر .
2 - جاسوس يعمل لصالح دولة أجنبيَّة :- عميل استخبارات / عميل الاستعمار :-
• عميل سِرِّيّ : شخص يُعهَد إليه بجمع معلومات سريّة تتعلّق بدولة أجنبيّة .
• عميل مُزدَوَج : جاسوس يعمل في وقت واحد لحساب دولتين عدوّتين .
فيما نحن في العراق نطلق صفة العميل على رجالا ليسوا جواسيس سريين او متخفين , وانما اشخاصا وقفوا على راس الهرم في الدولة , فمثلا اطقت هذه الصفة على نوري السعيد ومحمد فاضل الجمالي والوصي عبد الالة وغيرهم , فهل هؤلاء جواسيس متخفين ؟ فهل نحن اغبياء حتى في الغباء ؟ وهل نحن متخلفون حتى في التخلف؟ فهل هناك تشابة بين العميل نوري السعيد والعميل جيمس بوند مثلا ؟ ويبدو ان بعض الكتاب عندنا قد احسوا بهذه المفارقة غير العقلانية – ونتيجة لانتهاء الحرب الباردة - وسقوط الانظمة القومية والثورية في الشرق الاوسط , وضعف مفهوم العمالة كمفردة متلازمة مع الجاسوسية , فاعادوا النظر بمصطلح (العميل) بشكل لم يقتصر به - كما هو سائدا سابقا - على السياسيون المعارضون او الحكام المتنفذون فقط , بل شمل اناسا اخرين اضروا بالوطن ومستقبله وتقدمه فاعتبروا (العميل هو من يضر بمصالح وطنه وشعبه واهله من اجل مال او نزوة او سلطة او مصلحة شخصية) . وقد ذكرت الشاعرة العراقية (لميعة عباس عمارة) الفرق بين العميل والجاسوس بالقول (كلمتان نستعملهما، البعض يظن أنهما بمعنى واحد وأعتقد أنهما لمعنيين متشابهين ومختلفين. متشابهان لأنهما يصبان بمصلحة العدو أو المستعمر. ومختلفان لأنهما : الجاسوس مرتبط بوظيفة وراتب ، يتقصى الأخبار وينقلها، وإذا قبض عليه يحكم غالباً بالإعدام . ويشترط في الجاسوس أن يكون ذكياً، وأول من أطلقت عليه هذه الصفة بريطانيا (Intelligent Services) ومتعلماً وجريئاً لا يسكر ولا يقامر وليس ثرثاراً. أما العميل فليست له وظيفة مرتبطة بمرتب ، ولا يشترط فيه الذكاء والتفوق والجرأة . بل بالعكس قد يكون جبأناً كسولاً محدود الذكاء يريد الوصول بأسهل الطرق , لأنه يعجز عن بلوغ المكانة التي يرجوها بكفاءته. لا يمكن القبض عليه ومعاقبته كالجاسوس، لأنه ببساطة وصولي مهمته تأخير من يستحق التقدم (في الدول النامية غالباً) وإطلاق الإشاعة المسيئة على المحايدين والموهبين والنزيهين وإفشال المشاريع التجارية والثقافية والزراعية والصناعية حين تكون تحت رعايته، مغفورة له جرائمه إذا قتل أو سرق أو أختلس لأنه مغطى من شبكة تحميه ، فلا يحاسب لأن الذنب دائماً ليس ذنبه . هو مدّرس كسول لا يهتم بتربية وتعليم طلابه يقدّم المتأخر ويؤخر المتقدم بعذر ما . هو موظف كبير يسمح بدائرته بالفوضى والرشوة . هو منافق بوجهين يدعي الوطنية ولا يخدم الوطن عملياً . هو أي أنسان يتحمس للباطل و لا يحكم المنطق . هو دائماً محمي من شبكة تضم أمثاله ، هو موجود دائماً لتخريب ثقافة وأقتصاد بلده. هو سالم دائماً ويتهم كل معتدل وطني . العميل مثل حشرة الأرضة ينخر البناء بهدوء . فتبينوه , وما أكثرهم )(انتهى) .
وقد يذكر البعض ان مفردة العميل تعني في الاصل الجاسوس , الا ان المفهوم تم ازاحته الى معنى اخر واشمل , وهو كل من يعمل لصالح الاجنبي على حساب بلده , الا ان السؤال يبقى قائما : ماهو التاصيل الفكري لهذا المفهوم الجديد اولا ؟ وماهو الدليل التاريخي لتلك الاعمال التي تصب في صالح الاجنبي ثانيا ؟ وماهى تلك الانظمة السياسية التي لايجب الخروج عليها والنيل منها ؟ واذا كان التعاون مع الخارج هو احد تجليات العمالة , فهل يمكن وجود معارضة دون دعم خارجي ؟ بل وهل هناك (معارضات) شيوعية وقومية واسلامية عبر التاريخ الحديث والمعاصر دون دعم واحتضان خارجي ؟ لااعتقد ان احدا يستطيع ذكر لنا مثالا واحدا عن معارضين لم يحصلوا على دعم اجنبي , وحتى المروج الاكبر لمفهوم (العميل) الزعيم الروسي الشيوعي فلاديمير لينين قد تعاون مع الالمان وهم في حالة حرب مع بلده ابان الحرب العالمية الاولى , وسهلوا نقله بالقطار الى روسيا من اجل اعلان الثورة عام 1917 وخلخلة الجبهة الداخلية . ويبدو ان الكاتب حسن العلوي احس بهذا التناقض وعدم معقولية المفهوم وارتباطه بالعقليات الايديولوجية من جهة , والسلطات الاستبدادية والشمولية من جانب اخر , فاخترع مفهوما او مصطلحا مغايرا اراد به ان يزاوج بين كلا الموضوعين (العلاقة والسلطة) وهو (التخادم) . ويعني به ان يقوم المسؤول الكبير في الدولة - وحتى الرئيس مثلا - باعمال معينة تصب في صالح الدول الاجنبية وخدمتها - وربما يقصد الغربية - دون تنسيق مسبق او تخطيط مشترك , وضرب العلوي مثلا على ذلك اعمال صدام حسين التي جعلها في خانة (التخادم) مع الدول الاجنبية او الغربية الكبرى , كالهجوم على ايران عام 1980 واحتلال الكويت عام 1990 مثلا , ويبدو ان سبب اختراع هذا المفهوم الجديد من (العلوي) هو علمه باستحالة ان يكون المسؤول في الدولة وصاحب المنصب الكبير , ومن بيده المقدرات السياسية والعسكرية والاقتصادية عميلا او تابعا , لان ذلك يتناقض وطبيعة عمله ومكانته ومنزلته بين شعبه واهله ومجتمعه وحزبه . فضلا عن انتفاء حاجته لتلك العمالة بعد ان اصبح بهذا المنصب الحساس (ان صحت طبعا) . فيما على النقيض من ذلك نجد ان اخيه الكاتب المؤدلج والثوري (النظري) هادي العلوي هو اكثر العراقيين استخداما لمفردة العميل في كتاباته , وشمل بها افرادا من جميع التوجهات والبلدان (كالرصافي والزهاوي وعبد المحسن السعدون وطاغور وغورباتشوف وساطع الحصري وبوريس يلتسين وغيرهم) .