الحضارة الإسلامية في مرايا المناهج الغربية(4)

ميثم الجنابي
2017 / 8 / 31

المنهج النقدي السياسي


يمثل برنارد لويس احد النماذج المتميزة فيما ادعوه بالمنهج النقدي السياسي، أي المنهج الذي يخلط بين رؤيته التاريخية النقدية عبر استبطانها السياسي، أو بالعكس، أي استبطان الفكرة السياسية للتفسير التاريخي والموقف النقدي.
انطلق برنارد لويس في تحديده لماهية الحضارة الإسلامية مما اسماه بقدرتها المدهشة على التمّثل والدمج والتوليف بين مختلف الثقافات. من هنا قدرتها على طبع جميع الثقافات بطابعها الخاص. كما أن ما يميزها بهذا الصدد هو فكرة ومبد التسامح فيها . لكن الجوهري فيها هو ما اسماه لويس بطابعها الذري الذي يمكن ملاحظته في نمط التفكير والرؤية والفعل والإبداع. والمقصود بالذرية هنا هو النظرة إلى الحياة والكون باعتبارها نوعا من المصادفة الميكانيكية، أو المصادقة السببية للأحداث، أو إدراكها الذري، بدون أدنى ارتباط عضوي بذاتها . فقد أثرت هذه الرؤية على مختلف جوانب الحياة العربية بطرق وأشكال ومستويات مختلفة. فالمسلم العربي لا ينظر إلى مجتمعه كوحدة أو ككل عضوي واحد، بل إلى كيان متكون من أجزاء متداخلة ومنفصلة (دينية، أمم، طبقات) موجودة على ارض فوقها سلطة ! ووجدت هذه الذرية انعكاسها في كل من الأدب العربي: لا توجد فيه الملحمة والدراما، وفي القصيدة العربية: ذات أبيات مجزأة، أنها سلسلة جواهر، كل جوهرة قائمة بحد ذاتها، وفي الموسيقى العربية: تطورت بفعل الخيال والتنوع، وتفتقد إلى الهرمونيا، وفي الفن العربي: تطبيقي، ديكوري ويفتقد إلى التشكيلة. وفي التاريخ: قدموا التاريخ كأحداث متقطعة ليست ذات صلة. بل حتى الشخصية جرى رسمها كمجموعة من الصفات، كما هو الحال في جواز السفر المعاصر. أما الحصيلة التي توصل إليها برنارد لويس بهذا الصدد فتقوم فيما اسماه بعدم إدراك العالم الإسلامي وجوده، أو أنه يدرك وجوده فقط بين الأرض والسماء والسلطة.
إن آراء برنارد لويس تسير عموما ضمن سياق "الاكتشافات" النسبية في مناهج "الأدلة" الأوربية، أي إبداع المناهج الفلسفية والتاريخية للقرن التاسع عشر والعشرين الاوروامريكي والقائلة بغياب الشخصانية والفردية. ومع كل صعود لمنهج جديد تبرز ملامح الرؤية "الجديدة" للأنا الأوربية في إسقاطاتها الأيديولوجية. من هنا فكرة برنارد لويس عما اسماه بالطابع الجماعي للحضارة والثقافة ونمط التفكير ومن ثم المواقف والقيم والسلوك! وهو استنتاج يتناقض مع فكرته السابقة عن الطابع الذري.
فهو يقول، بان الحضارة العربية الإسلامية هي جماعية وليست انسانوية. ويمكن العثور عليها في جميع أوجه الفكر الإسلامي ومؤسساته، ولعل أشدها وضوحا يمكن العثور عليه في المثال الإسلامي عن الإنسان الكامل والدولة الكاملة (الفاضلة) بوصفه (المثال) معيارا خارجيا ينبغي العمل من اجل التطابق معه عبر المحاكاة أكثر مما عبر تطوير الإمكانات الذاتية الفردية (الشخصية) .
إننا نقف هنا أمام صيغة في تفسير الحضارة الإسلامية لا علاقة لها بتاريخها الثقافي. عموما لا يمكن فهم أية حضارة كبرى دون السير معها في جميع إشكالاتها ومراحلها المفصلية واثر المرجعيات الأولية في تهذيب وتشذيب رؤيتها وحلولها لإشكاليات وجودها التاريخي. إضافة إلى تناول ما فيها ضمن سياق مرحلتها التاريخية الثقافية. بينما يخلط اغلب أن لم يكن جميع المستشرقين والمستعربين الغربيين بين الرؤية الحديثة وقيمها ومفاهيمها وبين "مثيلاتها" في الحضارة الإسلامية وثقافتها النظرية والعملية. من هنا أما سوء الفهم أو التشويش أو التشويه. فعندما تطرق برنارد لويس إلى ما اسماه بالطابع الذري للحضارة الإسلامية، فانه استمده من وحي خياله المبني على رؤية مسطحة مأخوذة من بعض أفكار المعتزلة (النظّام بشكل خاص) ومن الفكرة الأساسية عند الاشاعرة، دون أن يفهم حقيقتها كما هي. فما يدعوه هو بهيمنة فكرة "المصادفة السببية" هو ما تطلق عليه تقاليد علم الكلام الإسلامي عبارة "تلازم العادة".وهو خلاف كبير في المعنى.
ونفس الشيء يمكن قوله عما اسماه بنظرة المسلم العربي إلى مجتمعه. بمعنى انه يخلط بين مرحلة الانحطاط الثقافي والسياسي للعرب وبين المضمون التاريخي والفكري للعقيدة الإسلامية. فما ضعه يتناقض مع حقيقة الفكرة. بل يمكن القول، بان العكس هو الصحيح. فالفكرة الجوهرية في العقيدة الإسلامية هي فكرة الجماعة والأمة. أما الاختلاف بين الأديان أو العقائد والأمم والطبقات فهي حالة طبيعية لوجود الحضارات والثقافات جميعا. لكن الثقافة الإسلامية خلافا لغيرها قد تكون الوحيدة في التاريخ العالمي التي استطاعت أن تشرك جميع الأديان والأمم والطبقات في عملية تاريخية ثقافية مشتركة. من هنا مشاعر الإرث المشترك بين الشعوب الإسلامية، بمعنى اشتراكها في هذا الرصيد ليس على مستوى الدين والعقائد والثقافة والقومية، بل وعلى مستوى الإحساس الجسدي المباشر والوجدان الباطن.
أما موقفه من الأدب والشعر والموسيقى والتاريخ، فهو الآخر مجاف للوقائع والحقائق التاريخية، كما أنه مبني على أساس رؤية غربية خالصة، تعتقد بان ما لا يوجد عند الأخير ما هو موجود عندها يعتبر مثلبة أو نقيصة. وهذا جهل بحقيقة الحضارة وخصوصيتها. فالشعر العربي والأدب العربي كانا يعتبران من أفضل خصال العرب. إضافة إلى دورها التاريخي والثقافي الهائل في بلورة التقاليد الدنيوية والفكرية العميقة. والقصيدة العربية ليست جواهر منفردة. وينطبق هذا على الموسيقى والفنون الأخرى. اذ لكل حضارة مرجعياتها الثقافية الكبرى. ولا معنى لفرض نمط معين على الجميع، لان الجميع كيانات مختلفة. أما موقفه من الفكرة التاريخية فهي جهل محض. اذ ليس هناك ثقافة وحضارة ما قبل الثقافة والحضارة الإسلامية أعارت الاهتمام الكبير والهائل للتاريخ وأحداثه. ولم تترك الثقافة العربية الإسلامية جانيا إلا وأرخت له. أنها كتبت عن تاريخ الدول والملوك والأمم وطبقات العلماء والأدباء والشعراء والمتكلمين والفقهاء والأطباء، باختصار أنها تتبعت تاريخ الثقافة بكل جوانبها. كما أنها الأولى التي بلورت في تاريخ الفكرة التاريخية فلسفة التاريخ والحضارة، أي كل ما لم تصل إليه الثقافة الغربية إلا بعد قرون عديدة. بعبارة أخرى، إن الفكرة التاريخية بلغت ذروتها في الثقافة العربية الإسلامية، حيث جرى للمرة الأولى في التاريخ العالمي إرساء أسس فلسفة التاريخ بالمعنى الدقيق للكلمة في (المقدمة من تاريخ العبر) لابن خلدون، وعند ابن الأزرق (ت-896) في كتابه (بدائع السلك في طبائع الملك).
أما فكرته عن أن المسلمين يدركون وجودهم فقط بين السماء والأرض، فمن غير المعروف إذا كانت هناك طريقة أو حالة أخرى، بالنسبة "للكل" الاجتماعي والقومي والثقافي العام أن يدرك ذاته خارج هذا الثالوث العتيد في الجسد والغريزة والعقل والوجدان؟ فالأرض والسماء هما فراش وغطاء الوجود الطبيعي للبشر، أما "الله" فهو الصيغة المتبدلة والمتغيرة للعقائد الكبرى. والخروج الوحيد الممكن بمعايير النسبية المتسامية هي لأولئك الذين يمكنهم الارتقاء إلى مصاف الروح الإنساني الخالص. إضافة لذلك، أن الإطلاع الجيد على مجمل الثقافة الإسلامية يدرك أن الوعي الثقافي الاسلامي آنذاك قد تغلغل أيضا بشكل عميق في أعماق الروح والمعرفة العقلية وحدس الوجدان، إضافة إلى اكتشافاته العلمية الكبيرة.
أما موقفه من فكرة النموذج والمثال والإنسان الكامل والمدينة الفاضلة، فأنها أيضا تعكس جهله الكبير بفكرة المثال الإسلامي وفكرة الإنسان الكامل والدولة المثلى. رغم أن هذه الصيغة هي جزء من تجارب الماضي. وهي شبه واحدة. وليس بإمكان التاريخ المعاصر التحرر من ثقلها. فالمثال هو على الدوام مشروع أو برنامج أو رؤية تستبق الأحداث وتطبيقها العملي، بما في ذلك في اشد الحالات تذليلا للزمن. وهذا بدوره محتمل الوقوع ضمن سياق التكنولوجيا وليس البدائل الإنسانية الكبرى. فهذه تجارب. ومن ثم لا حقيقة مطلقة فيها.
***