فينومينولوجيا الخَرَاب (1)

سامي عبد العال
2017 / 8 / 30

ليس ممكناً إزالة آثار الخراب بالقريب العاجل - كما نظن - جراء محاربة جماعات الارهاب وطردها من المدن العربية. الخراب مشكلة تضرب جذورها في أبنية الفكر الذي تبناه العنف الديني. فضلاً عن كونه محتمياً داخل كهوف النصوص والخطابات المقدسة. ومن ثمَّ: هل يتسنى أن نقول شيئاً فلسفياً عن الخراب؟ هل نجعله ظاهرة على خلفية تلك القضية؟!

الخرابُ ليس مُعطَّى مادياً وإلاَّ لتجنبا الاقترابَ منه. وليس وضعاً ثابتاً لأنَّه لا منطقَ له. هو ظاهرةُ احتضارٍ خلال الغسق الثقافي للمجتمعات. إذ تسُود أنواع الفوضى مروراً بما سُميَّت الفوضى الخلاَّقة وما بعدها. وعبارة " أسرع إليها الخراب " نصفُ جملةٍ لابن خلدون هكذا: "إذا تغلَّب العربُ على أوطان أسرَعَ إليه الخرابُ "(1). ولا يخلو ذلك من نفس الوسائل بالنسبة لجماعات الإرهاب الديني. لأنها نشأت بذات البيئة واكتسبت أبعاد الثقافة ومارست المفاهيم نفسها تجاه الحضارة والآخر.

هناك تساؤل ذو شقين: كيف يعدُّ الخراب( طبقاً لإدموند هوسيرل) موضوعاً فينومينولوجياً phenomenological ؟ ولماذا ترجمَ ابن خلدون المعنى إلى ظاهرة الخراب بينما توجد كلمات بيئية أخرى باديةً وحضراً؟! فأحياناً تكون اللغة معبرة عن كافة جوانب الثقافة رغم تأخر التعبير بها في أطوار الحياة المختلفة.

علينا إدراك أنَّ جملة ابن خلدون في حدود " التاريخ الممكن". وليست مستحيلة ثقافياً. وبالتالي لا يكتب المؤرخ إلاَّ إمكانيةٍ إنسانية تُجدِّدُ عودتَّها. ذلك التفسير بمثابة الدهليز السري secret vestibule لكتاب: ديوان المبتدأ والخبر. فيرسم الوقائعَ واضعاً الوعي- بمساحةِ الفعل- أمام نفسه. والبصمة اللغوية للتاريخ هي أخذ العبرة والمثل باعتبارهما خطاً مازال سارياً. وهذا يشي باحتمال تكرار ما نعتبر منه. فأيُّ عصر عربي له مبتدأه وخبره دونما ( قطيعة) لسوابقه. وبذلك قد يتوحد الشيء القابل للتكرار بصور الخيال ثقافةً ورؤيةً.

ولذلك يرى هوسيرل أنَّ الخيال ( phantasy ( imagination يلعب دوراً رئيساً في معرفة الأبنية الماهوية للتجارب والخبرات. ففي الذاكرة والتوقُّع والإدراك نعِي الأحداث كما لو أنها توجد الآن أو موجودة في الماضي ثم ستوجد مستقبلاً. من ثم يناقض هذا الفعل رؤية الأشياء كمعطى عيني أو فردي. إنَّه يعبر عن أشياء متخيلة(2).

المهمة السابقة تُبرز الكتابةَ التاريخية باعتبارها تاريخاً داخل التاريخ. أي تمثل تاريخية التاريخ historicity of history. إنَّ توسطاً للوعي إزاء الخراب ( = اللاوعي) يتحين من القارئ ترقب دلالاته الأبعد. فالخرابُ ليس انحطاطاً مكانياً ولا غيره بالنسبة لفاعليه. هو يحمل الأثر والاسم، الزمن والحركة. إذن نحتاج إلى اقتناص تأويلِّه بهذا التَّوسط الذي يعني ظرفاً تاريخياً بما فيه الدين والأفكار السائدة.

إذن الخراب يأتي عادة بذلك الجانب الفينومينولوجي؛ أي يتجسد كظاهرة داخل وعيٍّ معيش. ولسوف يكون الوعيُّ جمعاً لا فرداً هذه المرة. فلدينا أكثر من وعيٍّ. وهذا يجري بطرائق الثقافة كفضاءٍ للغة والعلامات والصور. المفارقة الطازجة أنَّ الخراب في الثقافة العربية الاسلامية كشكلٍّ للاوعي يمثل جانباً حاضراً ضمن زمن العرب الراهن. وفي الأحداث اليومية للإرهاب استطاعت جماعات العنف مراكمة أعمالها في مخيلة المُشاهد. وطبعت البصر بصور دموية من القتل والاغتيال والتدمير. ولذلك سيكون الخوف على أجيال تعتبر هذه الاعمال جزءاً من عتادها اللعبي مع التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي.

تأويل الخراب

الخراب أثر زمانيٌّ ومكانيٌّ فاجعٌ نتيجة التدمير، عتمة لكارثة انسانية تحل بالمجتمعات كالقبح الظاهر. فلا ينفصل عن صورةٍ هو تاركها بشكل مزرٍ. فالمدن العراقية كالموصل والمدن السورية كالرقة وحلب أصبحت أحدى صور الموت. لا يوجد سوى نعيق الدم المراق بلا إنسانية.

لذلك فالأسئلة الحيوية ليست: من أحدثَ هذا الخراب وإن كان مهماً ومعروفاً؟ إنما: ماذا حدث في أعماق حياتنا؟ كيف لعقل العمران أنْ يتصوره باسم الدين والأيديولوجيا؟ لماذا هذا الجنون المكاني؟ كيف نفسره؟ فالمكان ليس ثابتاً كحاشية جذرية للوجود ولا كمتغير فيزيائي يستوعب أفعالاً وإحداثياتها. المكانُ ذو بعد مصيري، إنَّه جزء من خيال على مرمى البصيرة مهما تنقلنا. المكان كراهية، المكان حب، المكان جنون، المكان لاهوت، المكان تحرر، وأخيراً المكان جسد وكائن في شفرات الوجود باصطلاح كارل ياسبرز.

المكان عميقٌ داخل الإنسان بكلِّ منظوراته. لا يقعُ بمنأى عنه وإلاَّ لما قطن موضعاً دون غيره... ولما أخذه الحنين إلى ترابٍ بخلاف الآخر. فالحياة هي المكان داخل النفس لذاتٍ تعي مصيرها. وصراعات المجتمعات المعاصرة ترجع إلى شكلٍّ جيو سياسي لهوية الأمكنة. إنَّها صراعٌ حول عمران وخرابٍ من نوعٍ ما. وكم حرصت تنظيمات كداعش والنصرة والقاعدة على تغيير المكان فور احتلالها للبلدان والقرى. لأنَّها تعرف أنَّ أفكارها يجب أن تترجم إلى كراهية مكانية.

وابن خلدون كان يُدرك حساسيةَ الثقافة العربية للمكان باعتباره جحيماً بلا أملٍّ. وتباعاً إذا تأملنا أحوال دول كالعراق واليمن وسوريا وليبيا والصومال لوجدنا الخرابَ قد تحولَ إلى فعلٍّ سياسيٍّ يوميٍّ. لكن ظلماً بيِّناً استئثار تلك الدول بظاهرة تاريخيةٍ كهذه. هناك أنظمة خرابية أكثر حداثة في دولٍ عربيةٍ أخرى وذلك بدوافع المذهب والطائفة والسلطة الغالبة.. فكما قلت لم يكُّن الخرابُ مرحلةً لينقطع ظهورُه، ولم يوجد جغرافياً كي يتحدد في بقعة دون غيرها.

إن للخراب تداعياً جمعياً في دول عربية مستقرة (3). فالمؤسسات حين تخادع المواطنين هي ألة خراب. الخطاب المزيِف للوعي أحد مظاهر الخراب. عبارات التكفير والإقصاء المنتشرة إيقاع للخراب. سياسات القهر والاستبداد هي برامج خراب. التعليم بلا ابداع تخريب لقدرات الإنسان. أما تجلي اللغة فأبلغ أثراً مثل: "الخرابة"، "التخريب"، "عمل تخريبي"، "الثورات كمعادل للخراب"، "هدم المنشآت"، "نهب المنازل والأحياء"، "اختلاس المال العام"،" تفجير السيارات"، "قتل الأطفال"، "صور الذبح الديني"، "الصراع الطائفي"، "تكفير الآخر"، "أسواق السبي"، "تجارة الرقيق باسم الدين"، "نكاح الجهاد"، "الاغتصاب الجماعي"، " مشايخ الجماعات الدينية".

هذا ما يجعل الخرابَ أكثر من مقولةٍ مكانيةٍ. هو مقولة تُنطق على أنحاء شتى سياسياً وأخلاقياً ومعرفياً ودينياً واجتماعياً. فالانحراف جزء حيوي من التنبؤ الخُلدوني وطبقة أساسية من انفلات الوعي خين تتبعثر المعاني كشفاً لتراث الثقافة العربية.

الخراب والروح

لا يخلّو الخرابُ من قتلٍّ روحيٍّ يُنهي أصالةَ الحياةِ إلى سرابٍ. وهو إحساسٌ مميتٌ بإظهار الوجود في حالة عدم. فالخراب والعدم يتقاطعان لحظة الضياع الروحي لمعاني الإنسان. فهذا الذي يقتل ويسبي هو يحمل ضياعاً بقدر ما يترك من رعبٍ. والاسلام السياسي يعتمد على نشر الرعب من الإله في البداية. ثم تسعي جماعاته لتطبيق الحدود لإخافة الناس واجبارهم على اعتناق ما تريد. ولو كان ثمة تسامح ما كنا لنرى احلال عنفه المادي في كل مكان.

من جانب آخر نوه هيدجر إلى كون القلق يترك انياب العدم تنهش جسد الحياة، هذا الرعب من تلاشي الحقيقة. والخرابُ في هذا الاتجاه صنفٌ نادرٌ من القتل الغسقي لمضامين الوجود. ليس موتاً لكنه تجلي الموت. لهذا قد يحل بكل غثيانه عقب الموت بأنواعه. موتُ البشرِ، موتُ الشجرِ، موتُ المكانِ، موتُ الزمان، موتُ الواقعِ. وحدُّه التاريخ يبقى حياً إذ يدوِّن ( وهو فعل عربي أصيل) ما حدث. ما أكثر التدوين لحروبٍ أبقت مجتمعاتنا خراباً فوق خرابٍ. لن نعي ذلك حتى ندرك أولا: كم كان الخرابُ قريناً لروحٍ صراعيٍّ لا يغادر مكانّه بين الطوائف والنحل في تاريخ المجتمعات العربية الاسلامية.

وعليه ليس الخرابُ عكس العمران. إنْ كان هكذا لأنهت الأبنية الحداثية الشاهقة رجُوعه المتواتر(4). قال المسيح ماذا يُجدي لو كسبت العالم وخسرت نفسك؟! الخراب يسكُّن هذا الروح كطيفٍ شرير يتطاير هنا أو هناك. لعلَّه الخسران لأخص ما يملكه الإنسانُ؛ أي الطابع الروحي الثري. ولهذا يعتبر عملاً قصدياً. توقيع القرآن للمسألة واضح" الذين يخْربون بيوتَّهم بأيدِيهم". فما لم تضع روحُ الشر حدّاً للحياة ما كان ليسمَّ خراباً بضربة دلالةٍ. والعبارة تقرنُ التخريب بفعل انسانيٍّ قيد الأيدي وكأنَّه ضد الروح المُنتِج الحر.

من زاويةٍ أخرى لا يتم الخرابُ بغير تدخل النفس كهذا الوصف الذاتي ضد الذات. والبيت عمرانٌ من نوعٍ آخر رغم إبقاء القرآن عليه كمصطلحٍ. فالبيوت الخربة هي المسكونةُ بأرواحٍ وكائناتٍ شريرةٍ. من ثم احتفظت اللهجةُ الدارجةُ بألفاظ الخرابات بالنسبة للأماكن النائية. وقد استعملها الخيال الروائي لنجيب محفوظ كاشفاً بنية المجتمعات والعلاقات الإنسانية. فالخرابة تماثل اللاوعي الجمعي في الأحياء الشعبية. منها تنطلق الأفكار الشاذة وتشرئب الرغبات بحثاً عن الإشباع. كما لا يغادرها المتآمرون لتدبير المكائد وإحداث الفتن. وهي مكان هامشيٌّ للمجون ومعاقرة الملذات. وبالتحول الاجتماعي تُتخَّذ موضعِاً للشحاذين واللصوص والعاهرات.

أمام هذا يكشف الخرابُ معاني السكن، البيت، العلاقة بالمصير، الوعي الذاتي بالمكان. جميعُ ذلك ظلال روحية لما ينتجه الفعل الإنساني. وهي قضايا متعلقةٌ بالعمران بوصفه انطلاقاً للروح داخل وجودِّها الحميم. لكن كان بالطابع العربي الإسلامي فوضى المكان، كان هديراً لرغبة افناء الآخرين. إنَّ الخراب أسلوب للإنسان الآتي على رأس الانحدار نحو الهاوية. يصبح الخراب بالنسبة إليه موضوعاً لمقاتلة خصومه ومحاربة المجتمع وترك أفعاله وسط ذاكرة لا تُنسى.

في الثقافة العربيةِ كانت الذاكرةُ الشفاهية قدرةً احتفاظ بالأحداث والأخبار كعلامةٍ بارزة. حتى أنَّ التأريخ كان يُظهر المصيرَ حدثاً غرائبياً غير مسبوقٍ. وفي هذا لا يجب اغفال تعبير "عام الفيل"، التعبير الذي أدرجه القرآنُ بسورة الفيل بادئاً بالانتباه إلى ما فعله الله في أصحاب الفيل حتى جعلهم كعصفٍ مأكولٍّ. وظلت التواريخ تذكر عاماً كهذا في الميلاد والموت كحال التأريخ لمولد رسول الإسلام وبعض الصحابة.

ومن قبل تحدث القرآنُ عن إرمَّ ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، فصب الله عليهم سوطَ عذاب. وأورد أخبار الأمم السالفة التي أهلّكها بالريح كأعجاز نخلٍّ خاويةٍ. وكم أخذت الذهنيةُ العربية السائدة معتقداتها بهذا الوضع التصويري الفاجع. فاليقين لا يجرى دون كونَّه نتاجاً قيامياً(نسبة إلى القيامة). ولهذا تحتل علامات الساعة مساحةً ليست بالقليلة في خطاب الاسلاميين. ويذهب الخطاب إلى تصويرها بمشاهد مخيفة وأحداث جسام.

الخرابُ انعكاس لهذه الحقيقة السيمائية. فهو نقش عدمي يمثل ظاهرة للاوعي صراعيٍّ عميقٍ تجاه الأغيار. وهو نتيجة مراس من الحروب يشتَّد قوامُة كمعطى تاريخيٍّ. كأنَّ الحرب، الغزو، لا تكون تأريخاً إلاَّ إذا دُمغت زمنياً بمصيرها المحتوم. ونظراً لأنَّ الذاكرة الشفاهيةَ تشكلُّ عالماً وخيالاً، فكانت آثار العنف بذات الصعيد كي تشكل علامة لا تمحى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، الجزء الأول، تدقيق وتحقيق خليل شحاته، مراجعة سهيل ذكار، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، 2001. ص187.
2- Edmund Husserl, Phantasy, Image Consciousness, and Memory(1898- 1925) in: Collected Works(editor: Rudolf Berent, Volume XI) Translated by John B. Brough, Springer, 2005. P 4.
3- الخراب يُسمى كذلك نظراً لكونه جمعياً. إنَّه يأخذ في الاتساع مثيراً أزمة لوجود الإنسان. وربما هو من تلك الجهة أكثر دلالة على حدوث خلل بنائي للمجتمعات. فالحادثة الفردية لا تؤثر إلاَّ بالنسبة لمستواها. وإذا كانت الحداثة تترك بصماتها على العمران، المؤسسات ومظاهر البناء فلأن الخراب جزء من التهديد الذي يترصدها. وكانت الحروب المتتالية(العالمية الأولى والثانية) إفرازاً لكمون الخراب في معابد العقل والحرية والمعرفة. من هنا كانت مؤسسات الحداثة( الدولة – القانون- العدالة- السلطة) كانت حذرة أيُما حذر تجاه الخراب. ربما وضعت ضوابط( كوابح) لحركتها خوفاً من الانحدار في هوته. والخراب بهذا المعنى ليس موضوعاً لأنه الحد الأقصى للحذر. لكنه مسألة أخلاقية تأخذ وضعاً أنطولوجياً. ويصعب معرفته دونما تعرية الجذور الثقافية والمعرفية التي يؤسس عليها كما يفعل ابن خلدون وكما أظهره اشبنجلر في كتابه انحطاط الغرب. فالانحطاط، الاضمحلال نوع من الخراب الآتي بقسوة الحضارة.
4- الخراب ليس طرفاً لثنائية عصية على التجاوز. لأنه تحول لشيء اسمه العمران يُوصف داخله لا خارجه. أي لا يأتي الخارب عارياً من أي وصف سابق. إنَّه قيد الوصف الدائم كشيء مغاير للعمران وهذا يلقي على كاهله الدلالي بُعداً تحويلياً. وهذه قدرته كمقولة على كشف حقائق المجتمع.