أستاذي الدكتور علي عباس علوان...حين أردنا منه وله أكثر من ما أراد لنفسه

شكيب كاظم
2017 / 8 / 28

لقد تعرفنا إلى العديد من أساتذتنا، من خلال كتاباتهم التي كانوا ينشرونها في المجلات والجرائد، فضلاً على كتبهم، قبل أنْ ننتظم في الدراسة الجامعية، ومن هؤلاء الرعيل من الأساتذة الأجلاء الدكاترة: يحيى الجبوري، وعبد الحسين الفتلي، وعلي جواد الطاهر، وعناد غزوان، وإبراهيم الوائلي، وصلاح خالص، وجلال الخياط، ورزوق فرج رزوق، ورشيد عبد الرحمن العبيدي، وعلي الزبيدي، وأحمد مطلوب، وكمال نشأة، وعلي عباس علوان.

حتى إذا انتظمنا في الدراسة الجامعية توثقت عرى المعرفة والمودة والاحترام والاعتراف بأفضالهم السخية علينا، وكان أستاذي علي عباس علوان، نخلة شامخة سامقة من بين هذا الرعيل الرائع، يوم نهلنا على يديه عروض الشعر العربي وفنّ التقطيع الشعري، كان ذلك في السنة الدراسية1970-1971 وفي الصف الأول من كلية آداب الجامعة المستنصرية بقسمها المسائي فضلاً عن تدريسه إيّانا مادة (المكتبة) فكان يحثنا على ارتياد المكتبات العامة، لغرض الاطلاع على أمات المصادر والمظان، وكتابة خلاصة بكل كتاب، وما زلت على الرغم من السنوات أحتفظ بهذا الدفتر وفيه خلاصات وقراءات لكتب تراثية اطلعت عليها مثل (الأصمعيات) وهي مجموعة أشعار اختارها أبو سعيد الأصمعي، فضلاً على معجم (العين) للخليل بن أحمد الفراهيدي و(المفضليات) للمفضل الضبي و(جمهرة اشعار العرب) لأبي زيد القرشي وكتاب (الكامل في اللغة والأدب) لأبي العباس المبرد، وكتاب (الفصيح) لأحمد الشيباني المعروف بـ(ثعلب)، و(معجم الأدباء) لياقوت الحموي، و(وفيات الأعيان) لابن خلكان و(المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) لضياء الدين ابن الأثير وغيرها من المراجع الحديثة مثل كتاب (الأعلام) وهو قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين لخير الدين الزركلي، و(معجم المطبوعات العربية والمعربة) للمفهرس: يوسف إليان سركيس، وكشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون للحاج خليفة.

ولد علي عباس علوان في مدينة البصرة سنة 1938 وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية فيها، ثم يمّم وجهه نحو بغداد، يوم لم تكن في كل العراق سوى جامعة واحدة في بغداد، ليتخرج سنة 1960 ولأنّه كان موهوباً ويجد في نفسه الكفاءة على مواصلة الدرس فقد توجه نحو القاهرة هو وزميلاه: رؤوف الواعظ ومحسن غياض عجيل، وإذْ وجدوا أنَّ الأساتذة في جامعة القاهرة، يحبذون أن ينهض طلبة كل بلد عربي بدراسة أدب ذلك البلد والتعريف به/ فدرس رؤوف الواعظ، الشاعر معروف بن عبد الغني الرصافي في حين تولى محسن غياض عجيل – رحمه الله – دراسة الشاعر عبد المحسن الكاظمي ونهد أستاذي علي عباس علوان لدراسة الشاعر جميل صدقي الزهاوي، وعاد الثلاثة بشهادات الماجستير وإذْ نشرت الرسالتان الجامعيتان اللتان كتبهما الواعظ وعجيل، وتولت وزارة الإعلام العراقية في سلسلة الكتب الحديثة نشرهما لكن وحسب ظني، ما نشر أستاذي رسالته عن (شعر جميل صدقي الزهاوي) وهذه مسألة خاصة بالباحث، لكن رسالته لنيل الدكتوراه من جامعة القاهرة التي كتبها بإشراف الباحثة الأكاديمية الرصينة الدكتورة سهير القلماوي نشرتها دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد مرتين وعنوانها (تطور الشعر العربي الحديث في العراق) في حين كان عنوانها في الأصل (تطور الشعر العراقي الحديث. في الرؤيا والنسج) إذْ ما لبث أنْ غادرنا – نحن طلابه – نهاية تلك السنة ليعود نهاية سنة 1974 وقد أنجز متطلبات الحصول على الدكتوراه في الأدب العربي وانتظم في سلك التدريس في كلية الأدب بجامعة بغداد لكن ما لبث أنْ نقل إلى وزارة الشؤون الاجتماعية إثر غضبة مضرية ناتجة – كما يبدو- عن وشاية من واشٍ وما أكثر الوشاة عندنا!!

لقد كان أستاذي الدكتور علي عباس علوان مقلاً في كتاباته، والكثير من الباحثين تأخذهم مشاغل الحياة، ومتطلبات الوظيفة، وما دروا أنَّ العمر الإنساني قصير جداً إذا ما قيس بعمر مخلوقات أخر، وأنَّ التفريط فيه، معناه التوقف والصمت لكني سعدت إذْ قرأت كتابه الموسوم بـ(نقد الرواية العراقية: محاولة في تحديث المنهج) الصادر في ضمن سلسلة الموسوعة الصغيرة سنة 1997 وكان لي شرف الحديث عن كتابه هذا بمقال نشرته جريدة (القادسية) بعددها المرقم (5720) الصادر في يوم الاثنين 12/ من ذي الحجة /1419 الموافق لـ23/من نيسان /1999.

مع اشتداد وطأة الحصار الذي فرض على العراقيين، إثر حوادث الثاني من آب1990 واحتلال دولة الكويت، وانهيار قيمة العملة العراقية، فقد كان الناس يتحينون أية فرصة لمغادرة العراق، بحثاً عن لقمة العيش، واضعين في الحسبان، منع ذوي الشهادات العليا من السفر، لذا فقد استغل مشاركته في إحدى الندوات الثقافية، ليغادر نحو عمان، وليستقر في جامعة السلط بالأردن ويوم التقيت بالأديبة الباحثة الأردنية (رفقة محمد دودين) على هامش مهرجان المربد سنة 2000? وأهدتني روايتها الجميلة (أعواد ثقاب) جال بنا الحديث ليصل إلى أستاذي الدكتور علي عباس علوان والمصادفة الجميلة، أنّها كانت تكتب رسالتها لنيل الدكتوراه من جامعة السلط، بإشرافه، فأرسلت معها احد كتبي مهدى لأستاذي عرفانا بفضله. وبعد سنة 2003 عاد إلى العراق، ليعين رئيساً لجامعة البصرة، ورأيته في أكثر من مربد من مرابد البصرة، وكان حريصاً على حضور الجلسات الشعرية والنقدية، وثانية تأخذه مهمات إدارة الجامعة، عن المجال الذي خلقه الله له، القراءة والكتابة، في حين كنت أراه عن طريق شاشة التلفاز وهو يشارك في بعض الندوات الثقافية التي تقيمها جامعة البصرة ولا سيَّما مهرجان السياب السنوي، ثم أحيل إلى التقاعد لبلوغه السنّ القانونية، فغادر البصرة نحو بغداد، وما لبث أنْ غادرها ليعود إلى مدينته وموطن طفولته وصباه. ومع كلّ هذه التطورات الحياتية لم أقرأ له شيئاً، ويوم سألني القاص والأديب كاظم حسوني في مقابلة نشرتها مجلة (الشبكة العراقية) في تشرين الأول 2011عن النقاد في العراق، نصصت على أسماء من رحل، ومن غادر العراق ومن ظلّ يواصل الكتابة، لكني وقد أشرت إلى صمت من صمت لم أذكر اسمه احتراماً له.

في مقابلة جميلة أجراها معه الشاعر والباحث خالد علي مصطفى ونشرتها مجلة (ألف باء) في صفحاتها الثقافية بعددها المرقم 327) الصادر يوم الأربعاء25 من كانون الأول /1974 بعد بضعة أسابيع على عودته من القاهرة ودار الحديث -غالباً- عن أطروحته للدكتوراه فضلاً عن الحركة الأدبية في العراق ولا سيّما الشعر، يطرح الباحث خالد في نهاية المقابلة هذا السؤال الإشكالي المؤرق وكأنه يستكنه حياة أستاذي القادمة، ويزيل سجف الزمان والأيام عنها، بما يشبه النبؤة، نبؤة الشاعر الباحث ذي المجسات الرهيفة، يقول خالد علي مصطفى (تبقى مسألة خطيرة، هي إلى أيّ مدى يستطيع الدكتور علي عباس علوان أنْ يربط أسباب وجوده بأسباب وجود الحركة الأدبية الحديثة بشكل متواصل، فقد دلت أكثر من تجربة أنَّ مثل هذا التساؤل قائم حقاً وسأقول له في الأخير: إنّه موضع امتحان، امتحان عسير، عليه أنْ يظلّ دائماً أمام الإجابة عنه، لأننا نريد منه أكثر مما يريد هو لنفسه.