يومها خِفْتُ عليه

مصطفى مجدي الجمال
2017 / 8 / 23

في ذروة اعتقالات السادات لقادة المعارضة.. وقبل هذه الحملة بستة أشهر كان معظم أعضاء اللجنة المركزية للحزب في السجن.. كان الموقف السياسي والأمني بالغ الصعوبة والدقة..

في الصباح الباكر من يوم حار كنت أحمل مطبوعات لأسلمها لزميل.. وهي من المرات النادرة التي قمت فيها بهذه المهمة، لأنني معروف للمخبرين.. لكن الظروف حكمت.. وتفتق ذهني عن وضع الكمية التي سيتم تسليمها لمنطقة القاهرة في علبة كرتون من النوع الذي تستخدمه محلات الأحذية.. جلست في الكافيتريا المتفق عليها والتي تمتاز بفتح أبوابها مبكرًا.. وكانت الاحتياطات الأمنية التي حددتها لنفسي ولزملائي أن أذهب متأخرًا عشر دقائق، وإذا لم أجد المستلم لا أنتظر في المكان أكثر من ربع ساعة..

لم أجد الشاب المستلم.. فترددت في الجلوس لكنني جلست أخيرًا.. ولم تمر دقائق حتى وجدت الرفيق "مدحت" داخلاً الكافتريا بثبات، فنهضت لأغادر المكان على الفور متوقعًا أنها صدفة تعيسة.. لكنه نهرني قائلاً "رايح فين؟"..

لست من النوع الذي يتعامل مع البشر على أنهم "اسطمبات" أو قوالب.. فلكل شخصية تناقضاتها وتغيراتها وربما تقلباتها.. وقد كانت علاقتي به مركبة.. فأنا معجب بذكائه الطبيعي (بغض النظر عن اتجاهاته وأهدافه) وبنزعته العملية التي تجعله يتخذ أصعب القرارات بسرعة ويضع أيضًا الإجراءات التفصيلية الكفيلة بتنفيذها.. لكن ملاحظاتي واعتراضاتي على توجهاته السياسية وسلوكه التنظيمي كانت كثيرة.. وفي كل الأحوال كان بيننا ود واحترام متبادل كبيران.. ناهيك عن الانضباط التنظيمي.. ولا أحب أن أقول رأيه الإيجابي وقتها في شخصي، لكني أستثني رأيه الدائم بأنني "فلاح وكلامي من دماغي".. وقد تحددت علاقاتنا بهذا المركب الصعب، وتأكدت عبر لقاء أسبوعي بيننا..

أعود إلى اللقاء.. قال لي إن الزميل المفترض أن يأتي اعتذر له شخصيًا عن الموعد.. وإنه قرر على الفور أن يأتي لاستلام "البضاعة" بنفسه لأهمية إعلان موقف التنظيم وتوزيع الأوراق يومها بالذات.. رفضت وقلت له إنه شخصية عامة وقيادية وهيئته معروفة لكافة مخبري الجمهورية.. لكنه صمم وشرب قهوته سريعًا وأخذ "العلبة" ونهض دون أن يقول سوى كلمة واحدة: "سلام".

ارتج على الأمر.. فحاسبت الجرسون ومضيت حائرًا.. فمن ناحية تخلصت من "التهمة" التي كانت بحوزتي.. ومن ناحية أخرى أشفقت من أن يتم اصطياده بها.. بل إن عقلي "الأريب" جعلني أتساءل عما يمكن أن يقال عني إذا تم الإيقاع به..

اتخذت قراري بأن أسير وراءه فوق الرصيف الآخر على بعد حوالي عشرين مترًا لأتأكد أنه سيصل بسلام.. كان يضع العلبة تحت إبطه ويسير في حزم.. التفت وراءه مرة وأظنه لمحني فقد كان قوي الملاحظة.. لكنه تصرف بشكل عادي حتى وصل أخيرًا إلى المقر في قلب القاهرة وأمام أعين المخبرين الدائمين الذين بدوا كما لو كانوا في انتظار مجيئه الروتيني..