الثورة المسيحية العربية البيضاء

جهاد علاونه
2017 / 8 / 23

كيف ينظر المسلم للمسيحي أو كيف ينظر المسلم للمسيحية كدين؟ إن النظرة غير مختلفة فإن المسلم ينظر للمسيحي على أن الله قد أعطاه الدنيا ولم يعطه الآخرة , وهذه النظرة يشترك فيها المثقف أو أشباه المثقفين والمتعلمين وخصوصا حملت الشهادات الأكاديمية العليا في الطب والهندسة , فكل أولئك يعللون النهضة الدينية المسيحية بأسباب خارجة عن أسباب النهضة العلمية وهي تنحصر بالثورة البيضاء وانتشار ثقافة حقوق الإنسان والحرية والمساواة , وهذه الأمور يحبها الله ولا يكرهها , ومن الملاحظ أن غالبية المثقفين العرب هم من المسيحيين من (أُمية بن الصلت) إلى آخر متنور حتى هذه الساعة و قبل يومين تقريباً ناقشني ناشط سياسي أردني حول النهضة (الريسانس) التي اندلعت نارها في أوروبا فقمت بتعداد أفضال المسيحية والمسيحيين على النهضة العربية من بداية فارس نمر في مصر وشبلي شميّل و(اناثيوس الدباس) في حلب الذي جلب لنا هذا الأخير أول مطبعة طُبع بها الإنجيل والقرآن بعد أن كان الإنجيل والقرآن لا يستطيع حيازتهما إلا القلة النادرة من الخاصة أو العامة وهذه المطبعة جاءت إلى العرب قبل أن يأت بها نابليون إلى مصر وكان المسلمون يرفضون طباعة القرآن والكُتب بتا فأفلست تلك المطبعة مع المطابع الأخرى التي كانت منتشرة في بلاد الشام وبسبب عوامل القهر والاضطهاد التي تعرض لها المسيحيون في بلاد الشام هاجر أصحاب تلك المطابع إلى القاهرة ونشروا هنالك المجلات الأدبية وكانت مصر القاهرة تكسب كل يوم بمقدار ما تخسره بلاد الشام فكان المكسب المصري بقدر ما تخسره بلاد الشام من مثقفين فكلما خسر الشُوّام مثقفاً كلما كسبته مصر لذلك نحن ندين للثقافة المصرية بالشيء الكثير ,وحلّت المجلة محل الكتاب بسبب ارتفاع تكلفة طباعة الكُتب فبدأ الكتاب بنشر مقالاتهم في الصحف المصرية والدوريات الشهرية وحققوا ثقافة التواصل مع الآخر , وكان المسلمون يفضلون طباعة الكُتب بخط اليد بما في الخط من جمال في رسم الأحرف بدل طباعة (التيبو) وصف الحروف مقطعة إلى أجزاء ومن يشاهد الكُتب والمجلات والدوريات القديمة يلاحظ أن شكل الكلمات مقطعة إلى أجزاء بين كل حرفٍ وحرف وذكرته بأنني أعرف رجلاً مسيحيا وهو صديقي من سنين قد قام أكثر من مرة بدفع تبرعات للمساجد كما يدفع للكنائس واستغرب الناشط من كلامي فقلتُ له وهل يقبل المسلم بأن يدفع تبرعات لبناء الكنائس؟ أنا شخصياً إذا بذكر المسيحيين بكلام جميل فورا يتهمونني بالتخندق في خندق المسيحيين للطخ على المسلمين رغم أنني فعليا أحترم الجميع وأحبُ من الجميع أن يمارسوا طقوسهم الدينية والثقافية , بعد ثورة 1919م في مصر أصبحت الحياة السياسية تنبضُ بإرادة الجماهير وكان الأدباء البسطاء الشعبيون هم المعبرون عن حال ولسان الأمة ولكن هذا النبض لا يعطي انطباعاً عن المستوى الأعلى للفكر العربي، فهنالك كتَّاب وإن لم يكونوا شعبيين فقد كانوا على الأقل وإلى اليوم مفخرة مفكرينا، ظهر الأديب العربي الكبير طه حسين مفكراً اجتماعيا أكثر منه أديباً عالمياً وكتب العقاد أروع سلسلات التراجم برؤى جديدة فقد وصف في سلسلته العباقرة شخصيات عربية عبقرية في إدارة شؤون الحياة العامة.
وكان سلامه موسى بمقابل ذلك يملي الجانب الإنساني من حياتنا الفكرية كان بحق سلامة موسى أروع أهل زمانه وكان العقاد كذلك لولا وجود سلامه موسى.
ومن أقوال سلامه موسى :يجب أن نكتب بلغة يفهمها الشعب أي بلغة الشعب وليس باللغة العامية .

وكانت الثقافة العربية قبل وجود (شبلي شميل، وإسماعيل مظهر، وسلامه موسى، وطه حسين، العقاد) كانت هذه الثقافة فاقدة الثقة بمجاهيرها: بدليل:
أن محمد علي، أمر بترجمة كتاب رفاعة الطهطاوي( ) إلى اللغة التركية، وهذا يدل على أن الغالبية العظمى من المثقفين كانت لغتها العلمية هي لغة القصور والباشوات ولم تكن اللغة العربية على نصيب وافرٍ من الاحترام والتقدير لأن الناطقين بتا هم من الطبقة المسحوقة، فلما ظهر أولئك الإعلام رفعوا مستوى الفكر العربي، وأريد هنا أن أقول أن سلامه موسى أول من استخدم كلمة (ثقافة) وكان الناس قبل ظهور هذا المفكر يصفون المثقف ب (الشيخ، والقاضي، والفصيح والبليغ).

ومما يميز هذه الثقافة أنها كانت مند 1900 -1952 مع مثقفيها صحفيين وأصحاب أقلام حرة أغلبهم مسيحيون وغير المسيحي يكون متنورا بسبب تأثره بالمسيحيين وهذا ما ميز حقيقة لغة الثقافة العربية إذ كانت المجلات، الثقافية هي صاحبة الموضة الكتابية حتى بداية الخمسينات، وبعد الخمسينات بسبب ارتفاع كلفة طباعة الكتب لذلك لجأ المثقفون إلى المقالات الصغيرة تراجعت هذه المجلات بعد الثلاثينيات ليحل محلها ناشر الكتاب ودور النشر ومؤلفي الكتب وبعد هذه المرحلة في نهاية السبعينات أصبح أهم ما يميز الثقافة العربية أنها أصبحت تحمل لغة المشاريع الكبرى وهذا بفعل وجود أحزاب سياسية كبرى ولذلك ظهر الكتاب ليعبروا عن حال الأحزاب وطموحاتها وقد استمرت هذه المشاريع الضخمة بالظهور على ندرة أصحابها إلى ما يقرب ظهور مشروع: الجابري عن نقد العقل العربي.

لقد كانت سنة 1900-1952 تتسم بطابع المجلات ومن الممكن أن تصف ذلك العصر بعصر النهضة وما بعده هو عصر الثورات.
وقد ظهرت مجلة الهلال أولاً (1892م) وظلت تصدر إلى وفات جورجي زيدان سنة (1914م) والبيان 1897 1898 – والضياء (1898-1906).
وكانت مجلة الهلال علمية تاريخية وقد تولاها بعد وفاته ابنه (إميل جورجي زيدان) أما البيان فقد كانت علمية طبية صناعية أدبية، وقد أنشأها (إبراهيم اليازجي) والدكتور (بشاره زلزل) وقد صدرت عاماً واحداً ثم توقفت ربما لخلافات بين الشريكين ثم أصدر اليازجي الضياء وتوقفت بموته 1906م وكانت أيضا مجلة الجامعة 1899 – 1909م وقد أصدرها فرح أنطون باسم الجامعة العثمانية في الإسكندرية ، وكان فرح أنطون متأثراً بأفكار جمعية الاتحاد والترقي العثمانية وقد ترك المجلة ليتفرغ لكتابه القصص والمسرحيات التمثيلية( ):

1. الأخبار 1858م خليل الخوري وهو مسيحي.

2. الهلال والبيان والضياء والجامعة 1892 – 1899.

3. الجوائب أو المجلات 1861 أحمد فارس الشدياق وهو أول من أستعمل كلمة جريدة، ويقال أن خليل هو أول من أستعمل كلمة جنرال وهي كلمة فرنسية ومعناها (يومي) وقد أصدرها خليل الخوري بالعربية 1858م ثم بالعربية والفرنسية عام 1868، وكانت هي الأكثر توزيعاً لأن الدولة كانت تتبناها.

وكانت مجلة المقتطف 1876م التي أصدرها يعقوب صروف وهو مسيحي تعد أول مجلة متخصصة وقد أصدرها مع شريكة فارس نمر وكانت تحمل شعار ريشة إشارة إلى العِلم مع المطرقة إشارة إلى الصناعة وقد بدأت في لبنان واستمرت 9 سنوات ثم انتقلت إلى القاهرة، لأن مجال العمل الثقافي كان أوسع والناس أكثر والحرية أكثر.

إن هذا أهم ما يميز النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي وهو عصر النهضة وانتشار المجلات العلمية التخصصية وغير التخصصية، وقد كان السلطان محمد علي هو الشرارة الأولى لهذه النهضة لكثرة إرساله للبعثات العلمية لنقل العلوم الأوروبية منذ أن تولي السلطة عام 1805.
وكان جيل شبلي شميل 1860- 1916 وسلامه موسى وإسماعيل مظهر إبطال الداروينية الأوائل وربما أجرىء من كتاب العصر الحالي في الطرح للمعضلات الفكرية للفكر العربي.

وقد سار هؤلاء الكتاب جنباً إلى جنب بجانب تطور وسائل الإنتاج كما كان الكتاب في أوروبا في بداية عصر النهضة( ).
وسادت أفكار الداروينية والسبنسرية قبل أن تشاع الماركسية أو قبل أن تنتشر بين المثقفين وإن هذه الأجواء العلمية ساعدت كثيراً على تقبل موضوع إلغاء نظام الخلافة او الفصل في البداية بين نظام السلطة والخلافة بقرار من الجمعية الوطنية التركية سنة 1922م وبعد أكثر من عشرين عاماً 1944م صدر قراراً بإلغاء الخلافة نهائياً من أجل إقامة حكومة علمانية تتناسب مع أطروحات التطور ونظريات التطوريين وألغيت الخلاقة نهائياً بتشجيع من النهضويين والتطويريين وكان الأزهر قد تلقى ضربة قاضية من أغلب شيوخه الذين يتأثرون بالعلم وبالتقدم وبالتطور وبصدور كتاب الشيخ القاضي (علي عبدالرازق) سنة 1925م كان الأزهر بذلك قد فقد خطوطه الدفاعية الأولى من كِتاب (الإسلام وأصول الحكم) وأكد الكتاب على أن الخلافة لم ينص عليها اي نص قرآني( ) وعلى عادة المفكرين الأحرار فقد فَقَدَ علي عبدالرازق، وظيفته كقاضٍ وشطب أسمه من الأزهر وحلت عليه لعنات مباركة من بعض أأمة الأزهر وأتهم بالمتواطئ مع العلم والثقافة ضد الثقافات القديمة البالية والمتعفنة، وجاء كتاب خالد محمد خالد من هنا نبدأ تعزيزاً لكتاب الإسلام وأصول الحكم وأهم الأفكار التي جاء بها بعد ربع قرن من كتاب علي عبدالرازق.

"إن الحكومة الدينية هي أداة من أداة الاستبداد وإن نهضة المجتمع وبقاء الدين نفسه غير ممكنة( ).
وقلت له : مع أن المسيحي يعرف بأن المسلم يقول عن المسيحي بأنه نجس ويحذر من اقترابه من المعابد الدينية إلا أنه يتبرع للمساجد ويتصدق على المسلمين وطبعاً أنا لم اسمع اليوم عن مسلم دفع لمسيحي صدقة أو زكاة أو تبرعاً لإحدى الكنائس ولكنني رأيتُ مسيحيين يقيمون وجبات إفطار في رمضان للمسلمين فاستغرب من كلامي ثم استطرد معللاً أسباب النهضة عند المسيحيين على الشكل التالي:

قال يا أستاذ أنت كاتب كبير وأشهد لك أنك تملك أسلوبا سهلاً ومقنعاً وتقول أشياء كبيرة وخطيرة بلغة سهلة ولكنك لا تعلم بأن الله حين خلق اليهود والمسيحيين قد خيرهم بين الدنيا والآخرة فاختاروا الدنيا والجمال فجعل الله بناتهم من أجمل النساء في العالم وأعطاهم المال الوفير والرزق الكثير ولكنه لم يعطهم الجنة , فقلت له : وهل رأيت المسلم وهو يدخل الجنة ويغلق الباب من خلفه على نفسه في وجوه المسيحيين ؟ وكيف الله يسأل المسيحيين هذا السؤال أنا أعتقد أن المسألة ليست على ما يرام, فاستطرد مرة أخرى وقال:
أنظر إلى المسيحيات ما أجملهن إنهن أجمل من المسلمات وهذا بسبب أنهم اختاروا الجمال والدنيا ولم يختاروا الآخرة وكذلك اليهود أنظر إلى اليهوديات وجمالهن الأخاذ.

طبعاً هذا الناشط يحملُ شهادة عليا في العلوم السياسية ولا يدري بأن الجمال هو من صنع المناخ أولاً وثانياً من ثقافة الحرية الفكرية وعدم التقوقع في ألبسة قديمة من صنع القرون الوسطى وما قبل بداية القرون الوسطوية , فالمسيحية تبدو جميلة وإن بلغت من العمر خمسون أو ستون عاماً والمرأة المسلمة لا يظهر جمالها بسبب عوامل الاحتجاب والألبسة الإسلامية وبسبب تحريم الإسلام لكل مظاهر الزينة وخصوصا الماكياج والميك أب بكل أشكاله وألوانه لذلك تبدو بعض النساء أو غالبية المسلمات وهن في سن الثلاثين وكأنهن في سن الخمسين على خلاف ما شاهدتُ وأشاهد المسيحيات وهن في سن الستين وكأنهن في سن الثلاثين أو الأربعين .
ثم أضاف قائلاً: المسيحيون أغنياء وهل شاهدت فقيراً مسيحياً؟ فقلت له نعم شاهدت, فقال هم قلة نادرة جدا وعلل ذلك بسبب عدم خوفهم من الله وقال بأنهم جميعاً نشروا ما يسمى بالتنوير لأنهم جريئين على الله ولا يهمهم الدين أو الحلال والحرام.
فقلتُ له: بل هو بسبب انتشار حقوق الإنسان وإيمانهم بعظمة الإنسان وتقديسه وإيمانهم بضرورة نعرفه الرب معرفة حقيقية وليست معرفة بدوية.

للاستزادة راجعوا كتابي(الفردية والجماعية في ضوء التطور-2009-دار الكندي-الاردن-اربد)