سرقات صغيرة

هاله ابوليل
2017 / 8 / 22


سرقات صغيرة
خلال مسيرة حياتي العملية الصاخبة تعرفت على ثلة من اللصوص الصغار الذين يسرقون بدون أدنى وازع ضميري ولكن الغريب في هذه الفئة المحترفة إنها لا تقسو على نفسها بتأنيب أو تقريع يومي لسلوكها الخاطىء بقدر ما يشوب سلوكها بنوع من الإطمئنان الخفي بإن لديها دائما القدرة على مواصلة الحياة بتبرير افعالها تبريرا منطقيا وقد تنظّر تنظيرا قاسيا لأن الآخرين لا يفعلون أفعالهم .
وسأبد ا اولى ممارستي في تقمص لدور شارلوك هولمز وتحليل الموقف والوصول الى حل للمعضلة التي جعلتني استخدم حاستي السادسة في وجود خطأ فادح يحدث في المجرة الكونية .
كانت بداية الشكوك المثارة عبارة عن تقريع شديد اللهجة من فتاة قوية الشخصية - تصغرني بسبع سنوات لأني اخبرتها بعدم مشاركتي بالإنفاق على اسرتي بأي مبلغ من الراتب الضئيل الذي كنت اتقاضاه.
كانت سناء معلمة و خريجة جديدة من احدى كليات المعلمين التي كان لها دور في رفد مدارس التعليم الخاص بمعلمين ذوي رواتب متدنية . كانت تعيب علي عدم صرفي على عائلتي بحجة أن مبلغ الثمانين دينارا التي كنت اتقاضاها في ذلك الوقت مبلغ قد تعتاش منه اسرة بكامل حمولتها ولم أصدق ذلك , فبالكاد كان ذلك المبلغ يكفيني من مواصلات وطعام وترفيه قليل في بلدة ريفية و شراء بعض الملابس الشهرية .
وكان هذا المبلغ هو الحد الأدنى للأجور في ذلك الزمان ولكنها اصرت أنها تعطي والدها مبلغ الخمسين دينارا و تعتاش بعشرين دينارا فقط . مما جعلني اشعر بالذنب والانتقاص لأنني لا استطيع المساهمة بأي مبلغ ولو بسيط في الإنفاق و ربما مرد ذلك أن لي اخوة يكبروني ينفقون على البيت لذا لم اكترث لما تقوله و كنت قد عرفت إنها المولود الأول في العائلة لذا فهي تشعر إنها تعيل اخوتها الصغار لذا لم أفاجىء وهي تدفع النقود بسخاء للمحاسبة ذات الضحكة الإستفزازية - - ثمن عصائر وزجاجات بيبسى وشيبس لأخوتها الصغار بما يوازي الدينارين يوميا وأكثر و كانت فوق ذلك تقدم علب البيبسى المدفوعة للسيدة س المحاسبة العريقة في المدرسة على حسابها .مما جعلني أتعجب من هذا المبلغ المالي الذي لا ينفذ ابدا من جيوب السيدة سناء الغير مثقوبة . .وكنت أجلس بحكم عملي الإداري بينهم وكنت أقرأ البيت الشهير واتنفس بصعوبة لصدقه على حالتي
يقول البيت :" ومن نَكَدِ الدّنْيا على الحُرّ أنْ يَرَى, عَدُوّاً لَهُ ما من صَداقَتِهِ بُدُّ.
فمكتبي كان ملاصقا بهم وكان علي أن اشهد على كل ذلك الطقس اليومي .
لم تكن السيدة ( س ) عدوا لي بالمعنى الحرفي للكلمة بقدر ما كانت عدوا للبراءة و الشفافية والصدق - الذي كان يعتمل في صدورنا و نرى نقيضه في مثل هكذا شخصيات .
ففي تقليد اداري معروف و قديم حيث تلجأ المديرات الحصيفات اللواتي يتمتعن بمنصب و وضع عائلي لا يسمح لهم بإعلاء الصوت أو رفعه أو الردح بالمعنى الشعبي وذلك بوضع شخص يكون بمثابة بوز المدفع للمواجهات الغير متوقعة و يكون شعبيا و مقززا لمن تود المديرة ازعاجه من العاملين لديها - بدون إظهار نفسها بصورة شعبية .
وكانت السيدة (س ) تتولى المهمات القذرة كلها في حين تجلس المديرة القصيرة في مكتبها تتسمع للمحادثة الصاخبة وتضحك بسرها لأن إختيارها كان دوما موفقا في التقاط الحثالات البشرية المناسبة لهكذا أوضاع .
بعد محادثتي مع سناء - التي تدرس كل المواد التي ليس لها مدرسين -الفتاة التي يمتلأ وجهها بالنمش ويخلو وجهها من أي مسحة جمال تجعلك تطيل النظر إليه - سوى إنها فتاة - قوية الشخصية و جسورة أكثر مما ينبغي , بحيث استطاعت أن توجه لي إتهامها القاسي لي بأنانيتي المجحفة بحق عائلتي التي كانت نوعا ما مكتفية وغير متطلبة .
ثم بدأت انتبه - كما قلت - لكمية الصرف الذي تنفقه والذي يتجاوز ماكانت تدعيه من مبلغ محدد مسموح لها كي تصرفه .
ففي أول يوم بالأسبوع اشترت حاجيات اخوتها ودفعت ثمن علبة البيبسى للسيدة المحاسبة -التي لم تكن ترفض ثمن ما يدفع لها و شربت ما يوازي علبتين كاملتين مع التهامها الشرس لباكيتات الشيبس بمبلغ تعدى الثلاث دنانير - دفعتهم بسخاء - منقطع النظير وفعلت ذلك يوميا حتى نهاية الأسبوع .
وفي سري قلت :"لقد صرفت سناء مبلغ العشرين دينارا التي تقول أن والدها يتركها لها كمصروف شخصي .
وسرني ذلك فلن أرى انفاق السيدة سناء على المحاسبة
- عديمة الأدب والتي كانت تشير و بشكل متكرر الى علاقتها الجنسية بزوجها بجلساتنا الخاصة مع بعض المعلمات مما يجعلنا - نحن العذراوات نشعر بالحرج , لذا فقد كرهت هذه السيدة كرها شديدا لأنني لا استطيع تجاهلها فهي تشاركني نفس الغرفة ونفس الجدران ونفس الأوكسجين الملوث .
في الإسبوع الثاني فعلت سناء نفس الأشياء وصرفت نفس الدراهم بحجة اطعام اخوتها الصغار( باكيتات الشيبس والبيبسى والبسكويت )
فقلت بسري :" ربما لم يأخذ منها والدها الراتب كما تدعي.
.و تكرر المشهد نفسه على مدار شهرين مما جعلني أضعها تحت المراقبة الحثيثة .وأشك بمصدر المال الذي تحصل عليه و كانت شكوكي تدور حول سرقة مال المقصف ولكن طريقة الحساب والدفع لكل منتج يباع وطريقة المحاسبة مع السيدة س .جعلتنا نستبعد هذا الإجراء فلا بد أن هناك مصدرا للمال تحصل منه السيدة سناء على ثمن مشترياتها ومشتريات إخوتها الصغارالذي يتجاوز راتبها البالغ سبعين دينارا .
وعندما سالتها عن مواصلة إنفاقها لمبلغ الخمسين دينارا كمساعدة لأسرتها أصرت إنها لن تتخلى عن هذا الطقس الحاتمي , مما جعلني أخبر بسمة - صديقتي التي تدرس الصف الأول في المدرسة عن تصرفاتها وانفاقها الذي يتجاوز راتبها و يزيد عنه بمبلغ إضافي.
فقررت بسمة مراقبتها وهي تبيع في مقصف المدرسة و خاصة أن الفسحة المقررة للصفوف الأولى تبدأ قبل فرصة طلاب الصفوف العليا وكان عليها أن تشرف على طلابها أثناء عملية البيع والشراء وتنظيم صفوفهم ولاحظت بسمة ما توقعنا أن يحدث ,
فالطلاب في المرحلة الدنيا ,لا يجيدون حساب مشترياتهم , فبعد أن باعت للصغار في الصف الأول حاجياتهم أغلقت الستارة في حركة عززت شكوكنا ثم فتحت الجارور الخاص بها ودست فيه مبلغا من المال . وفعلت ذلك لعدة أيام فقد كانت تأخذ من الصغار الأبرياء دنانير ورقية ثمن بسكويت وعصير ولا تعطيهم الباقي بل تحتفظ به لأخوتها الصغار ولملء كرشها المتضخم .
في كل يوم . تغلق الستارة وتدس في الجارور مبلغا من المال ثم تحمل ما في العلبة من ليرات وتذهب للسيدة س المحاسبة - التي تمتلأ بالنفاق - كي تعطيها ثمن البضاعة المباعة بعد أن تسكب بشراهة قناني البيبسى التي تزيد عن ثلاث علب خلال اليوم و تدس في فمها الضخم أعواد وقطع الشيبس والبسكوت وتضع في الكيس الأسود - مؤونة اطفال عائلتها بما يوازي الثلاث دنانير من شيبس وبيبسى وعصائر وبسكوت . وصحتين
وعلى مدار اسبوع التزمت بسمة بمراقبتها من خلال ثقوب في الستارة وتأكدت من ذلك فيما بعد من خلال معرفة ما لدى صغارها من نقود قبل عملية الشراء و تتبع ما يشترى و خصم ما تم شراءه , للتأكد أن السيدة سناء كانت تسرق طعام الصغار لكي تطعم صغار عائلتها وهكذا عرفنا مصدر الثقة التي كانت ترشقنا به السيدة سناء فهي تأخذ من مال الأغنياء بإعتبار أن هذه الفئة التي تضع صغارها بمدارس خاصة هي فئة رؤوس الأموال وتنفق على الفقراء مثل عائلتها والسيدة المحاسبة التي يبدأ اسمها بحرف السين والتي كنت أتعجب من عدم شعورها بحجم سرقات السيدة سناء وتقديمها العطايا لها فهل يعقل أن سيدة محترفة بالآلاعيب و بكل هذه الوقاحة في تعاملها مع الآخرين وكل هذا الذكاء الشعبي - الذي تغير فيه وجهها حسب الظروف لم تنتبه لحجم مشتريات البائعة سناء والتي يفوق راتبها ولا يترك منه أي مبلغ للتوفير أو للإقتطاع .
مما جعلني أشك إنها على توافق معها في موضوع السرقات لقاء هذه العطايا البسيطة .
في الحقيقة كانت هذه أولى إكتشافاتنا لعمليات السرقة التي تحدث في الحياة وكانت تجربة حقيقية لأولى اللصوص الذين اصادفهم في بدء الحياة العملية .
ولكني - منذ ذلك اليوم - لم أسامح المعلمة سناء على لهجتها التأنيبية وانزعاجها المرير بأني لا أنفق على اسرتي من راتب لا يكفيني لنهاية الشهر .
نعم كان على ما يبدو ان السيدة سناء كانت تريد أن اسرق مثلها لأغطي التزاماتي العائلية لأحظى من قبلها بالإحترام والتقدير .هذا هو التنظير الذي اتكلم عنه عند سارقي دراهم الصغار .
وعندما تركت تلك المدرسة وقدمت استقالتي - دفعوا لي سائق الباص ليعطيني نصف الراتب بحجة أنهم يحققون العدالة ولايسرقون العمال . فرفضت المبلغ ( كان اربعون دينارا ) وعاد به السائق الى المديرة ولا أعرف إن كان قد إحتفظ به أو اعطاه للسيدة المديرة .
فلا أحد يعرف كيف يتصرف الآخرون في مثل هكذا مواقف وخاصة أن لا احد يرفض مالا معادا له .
وكان تبريري لوالدتي إنه ثمن أوراق كنت استخدمها لكتابة مذكراتي , رغم أن فرسخ الورق كان لا يساوي دينارين في ذلك الزمان .
لكني كنت فعليا اشعر بالقرف من ذلك المال وذلك الشعور الذي يمليه الأغنياء على الفقراء وكنت أشعر بحجم الطمع الذي يتملك رؤوس الأموال ويجعلهم جلفاء يعبدون المال ولا يتواضعون في زيارة المرضى الذين يعملون لديهم فبعد عامين من العمل والملازمة شبه اليومية في نفس الغرفة لم تستطع السيدة المديرة زيارتي في المستشفى القريب من المدرسة , قد كان مشفى ابن النفيس لا يبعد سوى شارع عن المدرسة التي أعمل فيها ولم تقم المديرة المحترمة بزيارتي بل أرسلت المحاسبة -البغيضة وهي تحمل باقة زرع منزلية حملتها من احدى زوايا المدرسة بدلا من إحضار باقة ورد طبيعية .
في الحقيقة , لقد كرهت نفسي لأني عملت في ذلك المكان فعند أول خلاف من ابنة المديرة التي كانت تبيعنا فساتين مستعملة على إنها جديدة قدمت استقالتي وخرجت مثل عصفور حر - طال سجنه - في قفص هذه الحياة -المادية البغيضة .