فاضل ثامر في المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي

شكيب كاظم
2017 / 8 / 22

ترى ما جدوى الكتابة عن كتاب في النقد، أهي محاولة لنقد النقد، الذي كتب فيه كثيرون؟ أم محاولة لوضع الناقد الذي طالعنا بوجه الدارس، وضعه في وجه المدروس؟ فأنا ألمس عزوفاً عن تناول كتب النقد، وكأن الناس لا ترى ضرورة في تناول كتب النقد والحديث عنها، فالنقد مهمته تناول الأعمال الإبداعية وحتى الفكرية والمعرفية، بالوصف والشرح والتعليل والتأويل والإضاءة، إذن فما جدوى تناول من توافر على كل هذه المهمات؟!!
أرى ان الحديث عن كتب النقد والنقاد، محاولة للتأشير إلى المنجز النقدي الذي تولى إضاءة جوانب نصوص عدة، فكما ان الطبيب المداوي بحاجة إلى من يحاوره ، فان كتب النقد بحاجة إلى تناول لها وحوار معها وتوجيه اهتمام القراء إليها، خاصة إنا أمام منجز نقدي إبداعي ثر ومتميز، ظل صاحبه يواصل اغناءه، ويتعهده بالرعاية والعناية، منذ ستينيات القرن العشرين ومازال، إنه نوع من النقد الحواري الذي دعا إليه ميخائيل باختين، بيد ان النقد حوار كما قال تزفيتان تودروف، ومن صالحه الإقرار بذلك علناً، انه لقاء صوتين، صوت الكاتب وصوت الناقد وليس لأي منهما امتياز على الآخر، فالنقد الحواري يتكلم ليس عن المؤلفات، بل إلى المؤلفات، أو - بالأحرى - مع المؤلفات، وهو يمتنع عن استبعاد أي من هذين الصوتين الحاضرين وان على الناقد إذا كان يرغب بمحاورة مؤلفه ان لا ينسى انه بنشر مؤلفه هو يصبح بدوره كاتباً وان قارئاً مستقبلياً سيسعى للدخول في حوار معه. ان مثال النقد الحواري ليس صيغة الوحي الإلهي التي تلقي القارئ في ذهول، متبوع بمزيج مرير من الإعجاب بالمؤلف والإشفاق على الذات إذ لا يمكن للناقد وقد أصبح واعياً للحوار الذي انخرط فيه، ان يتجاهل ان هذا الحوار الخاص ليس إلا حلقة في سلسلة متواصلة، لأن المؤلف يكتب جواباً على مؤلفين آخرين، وان المرء يصبح هو ذاته مؤلفاً انطلاقاً من تلك اللحظة .. (يراجع كتاب نقد النقد.تزفيتان تودوروف ، ترجمة الدكتور سامي سويدان، طبعة دار الشؤون الثقافية العامة بغداد، ط الثانية ، 1986، ص147، ص148، ص152.
لقد كان فاضل ثامر صوتاً نقدياً متميزاً في ساحة النقد في العراق واصل الكتابة بدأب ومثابرة واصدر عديداً من كتب النقد الجادة والغنية فضلا على ترجمته لرواية (الحديقة) للروائية الفرنسية الشهيرة ماركريت دورا، ودشن جهده النقدي بإصداره لكتاب (قصص عراقية معاصرة) عام 1971 شاركه في الكتابة والدرس الناقد العراقي المغترب ياسين النصير، وكان آخر ما صدر له كتابه النقدي المهم الموسوم بـ (المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي) الصادرة طبعته الأولى عام 2004 عن دار (المدى).
لقد شغل الناقد فاضل ثامر بالتنظير النقدي، أي الكتابة في النظريات النقدية الحداثية، ولم يقف جهده النقدي عند هذا المجال بل تعداه إلى الدرس النقدي، إلى التطبيق النقدي الذي نحن - قراء ومبدعين - بحاجة إليه أكثر من التنظير النقدي، الذي بإمكاننا العودة فيه إلى كتب النظريات النقدية.
العملية الإبداعية، بحاجة إلى عملية نقدية تواكبها وتنير الدرب أمامها وتوجه أنظار القراء إليها ، فكما إن ليس هناك نقد، إذا لم يكن ثمة إبداع يسبقه، كذلك لن يكون ثمة إبداع جيد ومثير، إذا لم يكن نقد يبصر به ويشد من أزره، لذا جاء كتابه هذا (المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي) الذي احتوى على اثنتين وعشرين دراسة نقدية، ليتناول من خلاله العديد من الظواهر الابداعية فدرس البنية السردية وتعدد الأصوات في الرواية العربية من خلال العديد من الأعمال الإبداعية مثل رواية (ألف عام من الحنين) للروائي المغربي رشيد بوجدرة، فضلاً على رواية (السفينة) لجبرا إبراهيم جبرا ورواية (خمسة أصوات) لغائب طعمة فرمان ، وكذلك رواية (ميرامار) لنجيب محفوظ واقفا عن رواية (الوكر) لعبد الرحمن مجيد الربيعي، كما درس (الرواية العراقية من الريادة إلى النضج) منوهاً بالبدايات ممثلة بمقامات أبي الثناء الآلوسي الصادرة عام 1856 وكذلك (الرواية الايقاظية) لسليمان فيضي، غير متجاوز لكتابات محمود احمد السيد (في سبيل الزواج) 1921 و (مصير الضعفاء) 1922 و (النكبات) 1922، مشيراً إلى عمله الروائي الأنضج (جلال خالد).
وإذ درس الرواية العراقية فكان لابد له من الحديث عن القصة القصيرة في العراق: تأسيس شعرية سردية واعية.وإذ اهتم الناقد فاضل ثامر بالزمان الروائي فانه درس المكان روائياً ممثلا بالمقهى احد الظواهر الاجتماعية في الحياة العربية فتناول ظاهرة المقهى في الرواية العربية من خلال رواية (قشتمر) لنجيب محفوظ كما درس المقهى من خلال الرواية العراقية، متخذاً من رواية (القربان) للروائي العراقي الكبير الراحل غائب طعمة فرمان، مثالا والذي خص عالمه الإبداعي بدراسة أخرى، وإذ تناول فاضل ثامر المقهى البغدادي من خلال رواية (القربان) فانه ثناها بدراسة أزمة البطل وأزمة الواقع من خلال رواية (المخاض) وكانت دراسته الثالثة لعوالم غائب الروائية عن (جدل الشخصية الروائية وسلطة الواقع).
كما درس رواية (زنقة بن بركة) للروائي العراقي المغترب محمود سعيد، إذ أصاب الناقد فاضل ثامر كبد الحقيقة وهو يستهل حديثه النقدي عن هذه الرواية الباهرة (قليلة هي الروايات التي تجتذبك منذ صفحاتها الأولى هذه الأيام لكن رواية (زنقة بن بركة) للروائي محمود سعيد، فعلت ذلك بسهولة وجعلتني الأحق وأنا ألهث هذا السيل المتصل من الأحداث المتلاحقة وكأني أقرأ قصة قصيرة، لابد وان أصل إلى نهايتها بسرعة ولكني اكتشفت ان الروائي لم يترك لي فسحة لاسترداد أنفاسي وقادني بالرغم مني حتى نهاية الرواية التي تجاوزت صفحاتها الثلاث مئة. هذه حالة نادرة في القراءة المتوترة لم أجد ما يماثلها إلا في القصص البوليسي الذي كنت أعشقه في طفولتي.. ) ص195 وقد انتابني الشعور ذاته وأنا أجوس خلل حوادث هذه الرواية الرائعة مما دفعني إلى كتابة دراسة نقدية، نشرتها جريدة (الصباح) الثلاثاء 13 / كانون الثاني / 2004، العدد 194 السنة الأولى وقد تلبسني الإحساس نفسه وانا أقرأ عمل دان براون الروائي الباهر.. (شفرة دافنشي) إذ جعلنا خلال أربع مئة وأربع وتسعين صفحة، نركض بإحساسنا وليس بأجسامنا ذاهلين وراء اكتناه أحداث هذه الرواية العميقة بأحداثها وتشابك علاقاتها وغابة المعلومات الواقعية التي تقدمها، بعيداً عن العوالم الروائية المتخيلة مما جعلها تطبع على مدار العالم بملايين النسخ.
وإذا كانت أحداث ملحمة (يولسيس) لجيمس جويس، تجئ خلال فترة يوم واحد أو اقل، فان أحداث رواية (سكرمر)للروائي المصري محمود عوض عبد العال تجري خلال ساعة ونصف فقط كما يقول فاضل ثامر (ص209) فان الروائي دان براون أبحر بنا على مدى ما يقرب من خمس مئة صفحة في زمان مكثف لا يزيد على اليومين وأماكن محددة لا تعدو متاحف في باريس ولندن، لا بل إنها كانت حلماً لقد كان (روبرت لانغدون) بطل الرواية المقيم في (فندق ريتز) بباريس يحلم!! وهو ما أبدع فيه الروائي العراقي الدكتور طه حامد الشبيب في عمله الروائي الجميل (حبال الغسيل) إذ قدم للقارئ وعلى مدى أكثر من مئتي صفحة عمله الروائي، الذي لم يكن يجري في زمان روائي محدد فقط يوم وثلث اليوم اثنتان وثلاثون ساعة من عمر الزمن، بل زاد عليه المكان الروائي المحدد بناية وزارة الدفاع للاستزادة . تراجع مقالتي (طه حامد الشبيب في (حبال الغسيل) رواية تحكي الوجع العراقي المزمن) جريدة (الزمان) 26/6/2006.
واذا كان من ذكرنا آنفاً، قد كثفوا الزمان الروائي فان نجيب محفوظ كان على الجهة المغايرة تماما في عمله الرائع (قشتمر) إذ قدم لنا حيوات عدد من الأصدقاء منذ الطفولة وحتى الشيخوخة وفي زمان تجاوز الستة عقود وفي صفحات تقترب من المئة والخمسين صفحة وتمكن من تقديم حياة الأحفاد وحتى أبنائهم منذ بدايات القرن العشرين وحتى مقتل الرئيس أنور السادات الذي يسميه الزعيم الثاني في 6/ تشرين الأول 1981 ، لقد كانت تروي مسيرة الحياة الدائبة نحو اللااين وترك بصماتها على حيوات الإنسان المسكين، القوي بنوازعه، الضعيف أمام القاهر الوحيد الذي لا يقهر..الموت.
فاضل ثامر كذلك قدم لقارئه دراسة عن قصص القاص محمود جنداري، المتوفي في 14/ تموز / 1995 وهو اليوم ذاته الذي توفي فيه عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي، القصص الخمس هي : مصاطب الآلهة زو - العصفور الصاعقة ، القلعة، العصور الأخيرة، عصر المدن، التي نشرها جنداري بدءاً في الصحف والمجلات، قبل نشرها في كتاب (عصر المدن) الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد عام 1994، وأعادت (دار أزمنة) في الأردن نشر هذه القصص بعد أن أضافت إليها ثلاث قصص هي : ليلة اصطياد الشمس، ليلة خسوف القمر، وليمة الدم، أمواج كالجبال، وصدرت طبعتها الأولى عام 1996. وأهدتنا دار أزمنة - مشكورة - هذه المجموعة القصصية فضلا على رزمة من إصدارتها.
لم يقف الناقد الجاد فاضل ثامر عند الإبداع العراقي فقط، بل تعداه إلى المبدعين العرب وخاصة الأردنيين، ويبدو لي انه كتب دراساته تلك أثناء أقامته في الأردن تمهيدا للذهاب الى الجماهيرية الليبية والتدريس في إحدى مدارسها، إذ تناول (ثنائية الصمت/ الصوت بنية روائية . قراءة في رواية (اعتراف كاتم صوت) للروائي الأردني الراحل مؤنس الرزاز، كما وقف عند تجربة إبراهيم نصر الله وقرأ رواية (قامات الزبد) للروائي والناشر الأردني صاحب (دار أزمنة) الياس فركوح ، ومن خلال دراسته (عندما يخترق السرد القصصي السكونية) درس تجربة سليمان الازرعي القصصية ومن خلال هذه الدراسات ازددت قناعة بعلمية الناقد فاضل ثامر، ومنهجيته الرصينة التي لا تحابي ولا تجامل على حساب الحق والحقيقة هدف الصادقين المخلصين مع الناس وأنفسهم.
لقد دأب العديد من النقاد العراقيين والعرب وخاصة بعد ذيوع موجات الحداثة وما بعدها على حشو كتاباتهم بالمصطلحات الأجنبية، مع وجود المرادف العربي الواضح لها فضلا على أنهم يدوفون كلامهم بالغموض غير المستند إلى أرضية متينة من المعارف والعلوم، محاولين إيهام القارئ والتدليس عليه والتعالي بهذه اللغة الإيهامية، التي تقدم لك جعجعة عالية ولا ترى طحناً أو طحيناً، الا الناقد فاضل ثامر، فانه بالرغم من ثقافته الحداثية الناهلة من مدارس النقد الغربية وامتلاكه لغة انكليزية جيدة فانه اثر الكتابة بلغة مفهومة، فضلا على استخدامه العديد من المصطلحات العربية في موازاة المصطلح الأجنبي ومواجهة سطوته، كما في استخدامه لفظة (الإسراف العاطفي) بدل (سنتمنتالي) أو الإيهام والاستيهام والاستيهامية بدلا من الفانتازيا او المرموزة بدل الاليغوريا Allegoria او السيميائية، بدل السميولوجية وغير ذلك . ص104، ص114، ص118.
لي بعض الملاحظات اوجزها في النقاط الآتية:
1- لقد سمى الناقد فاضل ثامر رواية (مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة) الصادرة عام 1969 في أكثر من موضع بـ (مخلوقات جميلة) ص22 مثلا وأرى ضرورة الالتزام بالاسم الدقيق لها.
2- لقد قرأت رواية (خاتم الرمل) للروائي العراقي الكبير فؤاد التكرلي، فقررتُ دراستها على ضوء توصلات علم النفس وعقدة أوديب، قبل ان اقرأ كتاب فاضل ثامر موضوع حديثنا النقدي هذا الذي قرر ان بطل الرواية يعاني تأثيرات عقدة أوديب بسبب تعلقه شبه الغريزي بامه التي فقدها وهو في التاسعة واتهامه لأبيه بمسؤولية موتها او قتلها ص18. في حين قرأت مقابلة ثقافية مجراة مع التكرلي نفى عنها هذه الصفة، مشيرا إلى أن كل من درس روايته (خاتم الرمل) هذه درسها على ضوء العقدة الاودبية ، وأرى أن ظلال هذه العقدة واضحة في الرواية ولعل من أوضح صورها ترك حفل زفافه وضيوف الحفل ليذهب لزيارة قبر أمه، على الرغم من تساقط الأمطار بشدة، والضيوف في حيرة من غيابه.
3- أشار الناقد فاضل ثامر إلى تشخيصات أحد النقاد في أكثر من موضع من دون ان يذكر اسمه، وأرى ضرورة ذكر الاسم في موضع الإشارة إلى جهده النقدي، وهذا من حقه على الباحث والقارئ اذ يذكر (ومن الناحية الفنية، فان دمج المظهر الغرائبي بالمظهر الواقعي، انما يمثل خطوة جديدة لتخليق خصائص اجناسية سردية جديدة تخرج عن الإطار الاجناسي للسرد الغربي. وقد شخص هذه الحقيقة احد نقاد العالم الثالث، وهو يتحدث عن مغزى ظهور الواقعية السحرية كخطاب مابعد كولونيالي ). ص88 ويكرر ذلك على صفحة 92 بقوله (ومثلما أشار احد نقاد العالم الثالث في معرض حديثه عن مغزى ظهور الواقعية السحرية كخطاب ما بعد كولونيالي) وإذ لم نقبل إغفال اسم ناقد حتى وان كان غير عراقي او عربي، ومن دول العالم الثالث فما أرانا سنقبل إغفاله ذكر اسم ناقد وقاص عراقي، قدم للثقافة العراقية خدمات جلى في مجال النقد التطبيقي وكتابة القصة وظل يعيش في مغتربه الباريسي منذ منتصف الخمسينات ومازال وكان قد ذهب في بعثة دراسية إلى السوربون لدراسة القانون فآثر البقاء هناك على العودة انه نهاد التكرلي شقيق المبدع فؤاد التكرلي إذ قال الأستاذ فاضل ثامر (فقد ذكر احد الكتاب العراقيين في مجلة الأديب اللبنانية عام 1949 وهو يتحدث عن سر التطور الذي حققه عبد الملك نوري إلى ان ذلك يعود الى مقدرته على التغلغل في خفايا الناس والى مطالعته ودراسته إنتاج فطاحل القصة العالميين في الغرب) ص220، كما اشكره اذ نص على الاسم الحقيقي للقاص العراقي الخمسيني المبدع (جيان) يحيى عبد المجيد.
4- في الكثير من الدراسات النقدية التي تناولت إبداعات غائب طعمة فرمان، ترد مجموعته القصصية الأولى الصادرة عام 1954 بأسمين يعطيان المعنى نفسه حصيد وحصاد لكنهما يختلفان كتابة وهو ما وقع فيه الناقد فاضل ثامر إذ ذكر هذه المجموعة مرة باسم (حصاد الرحى) ص 142 وثانية اسم (حصيد الرحى) ص146 وصحيح اسمها (حصيد الرحى) وليس حصاد. والحصيد والحصاد يأتيان في معاجم اللغة بمعنى واحد ومنه قوله تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر واتوا حقه يوم حصاده . (الأنعام) 141/6.
(ونزلنا من السماء ماءً مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد) (سورة ق 90/50).
5- ورد اسم القاص والروائي والمترجم منير عبد الأمير صاحب الرواية الجيدة (رجلان على السلالم) مرتين على غير الوجه الصحيح فمرة ورد باسم (منير محمد) ص137 وأخرى منير امير ص223.