حغلة التفاهة - خاطرة - سرد و إسهاب وغيرة و نساء

هاله ابوليل
2017 / 8 / 22

حفلة التفاهة
لا اعرف ما الذي دفع  بصديقتي  الشقراء المجنونة أن تقيم لي عيد ميلادي 44  في غرفة المديرة   ,فأنا حديثة العهد بمعرفتها وهي لا تعرفني جيدا  هذا عوضا على إنها كانت حفلة بائسة بمعنى الكلمة فهي  عبارة عن قالب كيك عادي  يساوي خمسين درهما  بدون عصير منفوخ بغازات يحبها " العامة " من البشر مع صحون بلاستيكية وملاعق بيضاء بلا ألوان مفرحة لتضفي جوا بهيجا على الحفل على الأقل .
هذا كل ما كان على الطاولة الكبيرة وتم دفع فريق الإداريات بسرعة لترديد أغنية عيد الميلاد (happy birthday to you ) بدون حماس يذكر   . ولما الحماس
فأنت مجرد رقم من قافلة من المعلمات البائسات -حتى لو كنت صديقة - صاحبة المديرة نفسها .
وما أثار استغرابي  وزاد من تعجبي إنه أقيم على نفس الطاولة  في العام الماضي ؛ عيد ميلاد ضخم يساوي قيمة  منصب المديرة  التي يدور حولها الكون ,وتخشع حوله الأفلاك الصغيرة التي كانت تردد الأغنية نفسها بحماس   منقطع النظير  ,فكانت تخرج الكلمات من أجوافهم كأنها أنشودة الخلود ,وكلما فتحت أحداهن فمها لأوسع مدى كان هذا دلالة على حجم الحب العظيم الذي يعمر قلوبهم ويسكن في ردهات أفئدتهم ويتشمس في شرفات أعينهم المفتوحة على المدى الفسيح  ليوصلوا كامل إحساسهم العميق لها ولتعرف حجم كم هي محظوظة هذه المديرة الجذابة بفريق يحبها حتى درجة العبادة .
 كانت  صديقتي- السيدة نونو- أو الكوكب الأحمر , كما أحب أن أناديها , قد نسيت عيد ميلادي الذي يأتي قبل عيد السيدة المديرة بأسبوع  , ومع ذلك أقامت لها عيدها المجلجل مع هدايا و أغلفة وأشرطة ملونة  تضم هدايا قيّمة لا يقل سعر أقلها عن خمسمائة درهم .فهي مديرة  المحيط الجوي و مركز الكون بالنسبة للموظفات  والإداريات  البسيطات ,وإذا ما حظيت أحداهن  بإبتسامتها العذبة والقبول لديها فقد يزغرد الكون من أجلها لعشر سنوات  قادمة , وسترتفع أسهم البشرية محلقة لأعلى الذرى لمائة عام بعد عامهم هذا الذين يرددون فيه أغنية الميلاد الساذجة .
أما الآن ففي هذا العيد البائس لأمينة مكتبة  منحوسة , شقية ومشاغبة  . معلمة وعاطلة عن العمل في أوقات الفراغ لدرجة إن لاتتوانى عن مصاحبة خادمات المنازل في المترو , وتأخذ العاملات في المدرسة في مشوار لنهار طويل  ليجوبوا شوارع دبي وشواطئها لأنها قرأت  يوما أن من تواضع لله , رفعه الله  " وأن لم أشعر بهذا الإرتفاع  حتى وقتنا هذا .
وهذه الشقية  وفي أيام الجمع بالذات   تركب البسكلويت - أو ما يسمى العجلة باللهجة المصرية المحببة ,  تاركة سيارة الإكس فايف تقف بدون تصليح  وذلك أمام الفيلا المتداعية التي إستأجرت بها غرفة ومنافع فقط  بنصف راتبها تقريبا  تاركة السيدة نونو – الكوكب الأحمر تشتعل من الغيظ والغضب وخاصة أنها فقدت ذلك المبلغ من المال الذي كان يأتيها من صديقة غير مزعجة وغير متطلبة وليس لها أصدقاء أو ذرية يأتون لزيارتها حتى منتصف الليل.
هذا عوضا إن هذه الصديقة غير خبيثة ولئيمة مثل الصديقات الآخريات اللواتي يظهرن أن لهم حقا في البيت , فلا تدفع إجرتها أمام إبنة هذه السيدة وزوارها , فيتسنى للسيدة نونو الإدعاء إنها تسكنها بالمجان من وراء ظهر صديقتها طبعا - للمحافظة على الإتيكيت المناسب لشخصيتها , فهي ليست بحاجة الى الألفين المفعوصين التي تدفعهم امينة المكتبة التي تعيش وحيدة أغلب الأوقات إنما هي تشفق عليها كونها صديقة قديمة و تعرف الماضي الأليم الذي عانته من زوج بخيل وعائلة متفسخة .

وبعد أن هندست السيدة نونو إحتفالا مهيبا يليق بالسيدة المديرة, فقد هندست لي عيدا مزريا  بائسا  مقززا -  لغرض في نفس يعقوب ولكن قبل أن أدخل في نفسية يعقوب وأولاده الغيورين – الحسودين دعونا كي لا أنسى تزويدكم  بمتعة الوصف. وصف كيف كانت تبدو مائدة السيدة المديرة لكي نقيم اختبارا  للفروق العشرة  وربما ليس مبعث هذا القول الغيرة  كما سيتبادر في نفوس المنافقين منكم والذين إعتادوا على النفاق المتواصل حتى نسوا كيف يمكن مواصلة الحياة بدون نفاق.
 فالنفس البشرية عامرة ومتأصلة  بالتودد لمن هم فوقها أو يعلوها , فعلاقة الرئيس والمرؤوس  - علاقة يسكنها التودد ويعرف الكون ما تحمله في جنباتها من التملق والتزلف والنفاق  الذي تحمله النفس البشرية في أكمامها  - بلا خجل - منذ الأزل .
كانت الطاولة  مليئة بشتى أنواع الفطائر والعصائر مع قلوب تكاد تطير من السعادة و ترفرف على جنباتها فراشات الحب الهائمة , حتى قالب الحلوى كان يرقص وهو يحمل فوق رأسه  – بلا تذمر قطع  الفاكهة والسوائل المسيلة للشهية  و الشوكولا  السائحة والشموع المتراقصة , تشاركه الملاعق والسكاكين الملونة والمحارم المزكرشة و كاسات العصير المتنوعة , البهجة  العامرة  مع رقص إيقاعي جذاب ومدهش من الفطائر المتنوعة والحلوى  , مع تدفق أصوات الجوقة الموسيقية الحماسية  يرددن أغنية الميلاد المشهورة  ,وكل واحدة تحمل هدية لا تقل عن 500 درهم  أماراتي .

فمثل هكذا مناسبة لا يمكن تفويتها للتقرب من السيدة المديرة , حتى أن  السيدة الآء – الموظفة  براتب  ست الآف درهم فقط , حطمت السقف المتفق عليه بخمسمائه درهم فأحضرت هدية  آيفون بثلاث الآف درهم  للتغطية على غيابها الذي استمر تكراره  لأشهر ولكن السيدة المديرة لم ترفض الهدية ولكنها خصمت كل أيام الغياب التي غابتها السيدة  الآء  بحجة المرض من العين والحسد لإنها أشترت  مؤخرا آنفينتي جديدة  والتي كانت تدور الإشاعات أن عيني السيدة نونو- الكوكب الأحمر , أصابتها في مقتل بسبب الإشعاع الأزرق المنبعث من عينيها والذي حاولت فيه جاهدة  كصديقة ودودة إبطال تلك الإشاعة عن صديقتي  بالإعتراف أن عيون الكوكب الأحمر ذات لون بني داكن وأن الأزرق هو لون العدسات المفضلة لديها – وكانت حينذاك موضة العدسات قد انتشرت و باتت تلبسه معظم المعلمات .
وكان هذا التصرف الحكيم من السيدة المديرة بالفصل ما بين عمليات التودد وما بين تطبيق إجراءات المدرسة بالحضور والغياب على الجميع جعلني أحب هذه السيدة الرائعة و احترمها  احتراما  قويا قد يعيش في داخلي حتى آخر يوم لي في الحياة ,لأن ذلك الدرس المؤلم  جعل من السيدة الآء وتبذيرها في الإنفاق لمجاراة السيدة نونو والتفوق عليها في إظهار الحب المبالغ به . هذا عوضا عن أصابع الندم التي ذرفتها بسبب العض ندما
و  بسبب الخسارة المضاعفة التي منيت بها السيدة الآء  حيث خسرت ثمن الآيفون ومثل سعره أيام الغياب مع إنتشار القصة في أروقة ودهاليز الجلسات السرية في غرف المعلمات وماجلبته من سخرية مضاعفة . مما جعلهم يظهرون بمظهر السخف و كم هم ساذجات ومنافقات حتى الدرجة الأولى في النفاق.
الدرجة الأولى !!! هذا يعني أن هناك درجة ثالثة !!
نعم فالنفاق عدة مستويات ودرجات واعترف إني قمت بنفاق من الدرجة الخامسة , لا تسأليني كيف حدث ذلك , سأخبرك بدون أن تسألي .
فقد حدث ذلك عند زيارتي للقرية العالمية التي تقام سنويا في دبي , ولكني لم أشعر بأني انتهكت أيا من مبادئي و فقد أحضرت حينها للسيدة المديرة من القرية الفلسطينية علبة زيت زيتون مخلوطة بالجوزوالفلفل في وصفة ابتكرتها سيدة فلسطينية وأسمتها كنتاكي فلسطينية مع علبة زيتون اخضر وزيتون أسود كل ذلك فقط بخمسين درهما , وقد فعلت ذلك ليس لكونها السيدة المديرة لأني كنت سأفعل ذلك لأي شخص عمل معروفا لي - لأن السيدة المديرة في ذلك اليوم وبعد معرفتها بعزمي للذهاب إلى دبي .أقلتني مشكورة بسيارتها الرياضية من أبو ظبي إلى دبي و وفرت علي التعب وملاحقة الباصات  ومبلغ  الخمسين درهما التي كنت سأدفعها كمواصلات للوصول إلى دبي.
هل نسمي هذا نفاق والذي قامت به السيدة الآء وهدية الآيفون نفاق من نفس الدرجة !!.


وربما لهذا أحببت السيدة المديرة التي جعلتني أضحك لمدة سنتين متواصلتين كلما تذكرت هاتف الآيفون والسيدة الآء المتزلفة والتي تقف الآن في الحفل بمجاورة الكوكب الأحمر التي تفوقها بالنفاق والإنفاق ,  لقد تم تخطيط وهندسة كل شيء لهذا اليوم لكي تتفاجأ المديرة الذكية والتي لم يغب عن بالها حجم أوراق المغادرة التي وقعتها منذ الصباح لخروج المعلمات لساعات قليلة .فقد  كن يخرجن لشراء هدية تليق بالسيدة المديرة و كن يشعرن  في أعمق أعماقهن بأنهن محظوظات لأنهن دعيّن لحفلة سيدة الكون  العظيمة  . وكن محظيات أكثر مما ينبغي إحتماله .
وكان أكثر ما ميز الحفلة ذلك الوقع الجميل الذي صدر من أجواف قلوبهن 
  ؛ إنه الحماس.
نعم , نعم انه حماس إظهار  مجاميع الفرح و حبات  الحبور , ومعها حفنات من السّرور وفائض المحبة والمشعة بأنوار و بآيات التهاني والتبريكات  للمديرة الفاضلة –الجميلة جدا .

شكرتهم المديرة بإبتسامتها الجذابة وأرسلت الهدايا  لوضعها بسيارتها وجلست تحدق بالجدار الذي أمامها وتساءلت :" هل كانت ستحظى بمثل هذا الترف لو بقيت مجرد معلمة رياضيات في مدرسة بائسة  . وهل كانت سترى حجم المحبة التي تمتلأ  في صدورهن العميقة لو كانت بقيت مجرد معلمة أو مشرفة مادة بائسة في مدرسة دولية !!!
.وأخرجها من دوامة التفكير دخول فريق التفتيش عن المدارس ,فنهضت مثل غزال رشيق لإستقبالهم بحفاوة عز نظيرها  وبعد جولة سريعة والتفتيش بأوراق رسمية ودعتهم بإحساس مرير يعتريها بالقرف كونها  كانت مجبرة على النفاق بوجوههم و رسم ابتسامة كاذبة طيلة وجودهم
وبعد خروجهم رمتهم بكلمتها المعتادة في مثل هكذا مواقف ,  وبنزق عز نظيره شتمتهم بأدب بما يكفي لأحساس معلمة  , خسرت خمسمائة درهم من أجل  هدية  أهدتها للمديرة لكي تمنحها ابتسامة في صباح اليوم التالي - ابتسامة نسيّت المديرة أن تضعها على وجهها لفريق المنافين في صباح اليوم التالي .
 لم تنس .صديقتي - السيدة نونو – كما أحب أن اسميها أن تقدم للسيدة المديرة  عطرها الثمين الذي لا يقل عن خمسمائة درهم  و لم تقل لها كما قالت لي : إنه عطر ثمين  .
فهل يعقل أن تقول للسيدة المديرة إنه عطر ثمين وهي سيدة الماركات
ولكنها قالت لي ذلك بعد أن جلبت لي عطرا لا أحبه  - فقط  - لأنه المتوفر في السوبر ماركت القريب من مدرستنا  "جاينت " ولم تكن تحب أن تدفع المزيد من الدراهم لمحلات باريس غاليري , فاكتفت بعلبة جيفينشي ب 200 درهم وقدمتها لي وكأنها تقدم لي كوكبا مشعا تم اكتشافه مؤخرا .
 قالت لي  بدون رفة رمش واحدة وبدون خجل أيضا :"
ماذا قالت !!
سأقول لكم لاحقا ما قالته الكوكب الأحمر ولكني دعوني أخبركم عن حجم شعوري الصادم ..
كنت مصدومة حقا بهذه الدعوة - الغير متوقعة  , هذا عوضا على إنها لا تتذكر عيد ميلادي  بالتحديد وأنا صديقتها منذ خمسة عشر عاما ولكنها تتذكر عيد السيدة – المديرة التي لم يمضي على صداقتهم سوى ثلاث سنوات .  ولكن صديقتي تحججت بالمفاجأة  و كانت فعلا مفاجعة  , فأن كنت لا أحب إقامة الإحتفالات  إلآ أني لا أقبل أن أقيم احتفالا بائسا لأحد حتى لو كان خادمة تعمل لدي , فالشخص إنما يقدم نفسه لقيمته  , وليس لقيمة الآخرين .
كنت أحدق بقالب الكيك  البائس الذي  يتوسد نصف طاولة كبيرة , فيبدو  يا للحزن فقيرا , بحجم علبة كبريت ولم يكن يشاركه على المائدة علب العصير المنفوخة بغاز متطاير  ولم تكن تشاركه حبات فطائر مقرمشة ولا حتى قطع دونت غبية  تفتح   فمها  ببلاهة.
لاشيء .
فقط   ,,هي  صحون بلاستيكية  لغرض ملء قطعة مقسومة بعناية وبحجم صغير  كي يكفي لخمسة أفواه  أو ستة من فصيلة السبورة والطباشير , وثمة ملاعق غير  ملونة - حتى ولو لإضفاء لمسة جمالية .

 لم يكن حفلا بالمعنى الخاص إلآ إذا كان  مقصده فخا  أو فرصة لإهانتي  أو لإهدار كرامتي المتعالية  بالأرض وخاصة في ضوء تعليق ربة الكون العظيمة – شمسنا المشرقة – مديرتنا الرائعة  بأنها ليست ذات علاقة بكل ما حدث وإن تنصلها المعلن إنما يبرر تفاهة إقامته في عرينها .
فما الذي كانت تبغيه صديقتي من هذا الحفل !
أخرجني صوتهن الذي بلا حماس  وهن يرددن الجوقة الموسيقية مرغمات .
فمن هذه الموظفة - التي لا نعرفها إلا منذ زمن قليل ,  وعلينا أن نشاركها ليلة ميلادها الذي لا يعنينا حضوره .
كان صوتهن هادئا  لدرجة إني عرفت أنهن لا يردن  إزعاج  ملفات المديرة العالقة , ومكبس أوراقها  الغاضب الذي نام لتوه  في قيلولة معتاد عليها يوميا  ولا سمعته قطعة صابون الدوف " في حمام مكتبها لتذوب رقة وتسوح كما تذوب الثلوج على قمم الجبال بعد ضربة الشمس لها .

" يا الهي لم كل هذه الفلسفة بالكلام المنمق
 فما الذي حدث بعد ذلك .
كانت تبدو علامات الخجل على المعلمات , فقد تم استدعاءهم على عجل وبلا تخطيط ولم يكن مستعدات للخروج لجاينت لشراء هدية لأمينة مكتبة
لن ترفع رواتبهم في نهاية العام  ولن تفيدهم ابتسامتها في وجوههن كل صباح مثلما سيكون تأثير تلك الإبتسامة التي تمنحهم إياها المديرة الجميلة جدا - على تلك الكيانات التي تنظر لها بإعتبارها مركز الكون .
فهل كانت صديقتي اللدودة  تتقصد إهانتي في إقامة حفل باهت وممل ومزري  .

وأقول بسري كالعادة للصوت الهادر في جوفه أن يكف عن المقارنة 
لو كنت مديرة هل كانت ستقيم لي مثل هذا العيد البائس  , ولماذا في غرفة المديرة بالذات  , فلدي مكتبة برفوف مليئة بكتب عظيمة يمكن أن يحتفلوا معي ,  كان يمكن للكتب المرصوفة على الرفوف أن تشارك  صديقتي السيدة نونو  الإحتفال بمولدي العظيم - الذي إنفجر في يومه ذاك - كما قيل  نيزك ضخم قتل خمسين ألفا من الهنود وأمريكي أبيض واحد جاء بالصدفة لرؤية الدمار الماحق , وألقت البراكين حممها  في تايلند في ذلك اليوم وقتلت نصف قرية بكامل حمولتها من الأشجار والسفن  والحيوانات واستولى الجيش الأردني على مخيمات الفلسطينيين تحت التل وأنكل بهم قتلا ومطاردات مما استدعى بوالدتي أن تحزم متاعها وتركب مع صغارها في سيارة مستاجرة وانا في بطنها المنفوخ أتارجح وارفص بقوة زلزال أريد ان اخرج للهواء ولكنها كانت في معزل وخوف شديد في ظل زوج يعمل في الكويت ولم يكن امامها سوى أن تهرب هي وصغارها إلى سوريا حيث تعيش والدتها العجوز هناك . في مثل هذا اليوم ردد الكون مقطوعة موسيقية لم تسمعها سوى المنحوسة والتي تسمع صوت ارتطام الهواء بالعجلات الهاربة من ذلك الإجتياح التاريخي الذي لم تبدد آثاره العميقة في الوجدان الذاتي سوى قصص الحب العامرة والتي ألغت كراهية ذلك الحدث  وأعلنت الصفح  الأخوي.

 كانت المقطوعة ذات تعويذة سحرية تعلن أن هذه الطفلة منحوسة  وليس بالكون من هو انحس منها لأن كان ذلك نهاية عصر الثورة والثوار لقد أصبحنا بعدها - مثل جيف ميتة تأكل وتشرب وتتناسل وتمضغ أحداث النكبة و النكسة مثل اللبان بعد أن يتعب الفك ترميه بسلة القمامة .



ولكن الطفلة كبرت وها هي تروي قصصا فاشلة لأحداث نسائية ضج منها الكون وانفجر والنحس مازال يخيّم على حياتها ولكنها ترفصه بقوة إمرأة جبارة لا تتكرر .

لا يوجد إمرأة جبارة في هذا الكون كله بل هناك جبروت إمرأة تتعذب لكي لا يرى أحد عذابها . وهكذا مثل كل الأشياء التي تحدث بلا تخطيط , تترنم حكايات السرد على خيط الدهشة وتتوالد المفاجآت .

وكنت قد قررت بعد هذا الحدث المزري أن لا أقبل ما يفرض علي بحجة الحب والمحبة المدعاة مادام لا يليق بي , فلو كانت فعليا صديقتي أكثر حكمة لما عرضتنا لهذا الحفل المزري ولكنه الغرض في نفس يعقوب ! وتساءلت للمرة العاشرة :" نستطيع أن نحتفل به في البيت فلدينا سكن مشترك نتقاسم أجرته مناصفة ويمكن أن ندعو من نشاء من الأصدقاء  في المساء ونسهر حتى الصباح .
فلما كل هذا الإستعراض البائس يا صديقتي التي باتت محبتها تخرج من أعماق قلبي بعد أن كانت تحتل جزءا غير يسير من غاباته وطرقاته و ممراته السرية .وخاصة مع تبدل سلوكها الطبيعي الى سلوك مرضي تعلوه أغبرة التكبر و الكبرياء الفارغ بلا قاعدة معرفية وفعلا – كما يقال - فالفارغات رؤوسهن شوامخ و السنابل المليئة رؤوسهن تنحني تواضعا .وقد تأكد لي ذلك خلال السنة الماضية و التي تفاجأت بها بحجم الإنقلاب المفضي نحو الهاوية و التي تنحدر نحوه السيدة نونو بدون أي دعائم تقيها شر وقعة السقوط .
 وما زاد الطين بلة أن السيدة نونو – صديقتي- الكوكب الأحمر المشع , لم تكتف بكل هذا الحفل المزري بل أعطتني الهدية أمام المعلمات بغلاف أحمر جميل
ودفعتني برقة الى احدى الزوايا لكي لا أنسى حجم الجميل وحجم  المعروف الذي فعلته من أجلي .قائلة  وهي تحدق بعدساتها الزرقاء  اللامعة  بوقاحة عز نظيرها : لقد أحضرت لك علبة عطر"  فيرساتشي" .انه عطر فخم . وأكدت العبارة مرة أخرى
وتساءلت بداخلي عن ذلك المرض الذي يمكن أن يجعل الشخص فاقدا للذاكرة ثم هزت رأسها للتوكيد  مرة أخرى - على أنه فخم بمعنى أنني لم أحضر لك عطرا عاديا  يا فتاة , فإنتبهي.

  أو بالمصري " خذي بالك, ده عطر فخم مش رخيص .
نعم
إنه عطر فخم على ما يبدو لدرجة أني كنت لا أعرف أن كان فخما أم لا .

فمنذ 15 سنة وأنا أعيش في هذه البلاد أغدق عليها بهدايا الذهب وعطور الكارتير الفخمة  - كنت بحاجة للتوكيد و لمعرفة أن عطر فيرساتشي   - الذي يباع بسعر 200 درهم في جيانت ,  تلفه لك الموظفة الهندية بغلاف جميل وتقدمه بابتسامة تليق بملوكيتك .لأنك تستخدمين عطرا غاليا !!!
 يا للهول لقد أصبحت تستخدمين فيرساتشي "!! ببركة هدية صديقتك الكريمة !!!
حقيقة تلك الإشارة وحدها كانت كفيلة بنسف يومي لعدة أشهر , لقد سبب ذلك لي  مغصا في المعدة فقد كنت  قد أهديتها قبل شهر من إحتفالنا المزري , عباءة غالية من اليشمك  .كانت لا تناسبني بالحجم لأني لم أسمن كما هي عادة النسوة –  اللواتي لا يكففن عن الأكل والثرثرة فتنتفخ بطونهن وتصبح طيات فوق طيات .
المهم  , أني استخسرت أن تبقى العباءة في خزانتي بدون أن تظهر جمالها على جسم تليق به  ,فأهديتها العباءة لصديقتي الحمراء  بكل نفس طيبة  .
نعم لقد صدمتني تلك الإشارة الوقحة –الجلفة  ,فقد كان ينبغي علي أن أذكرها بأن مستوى هداياي يفوق قيمتك أضعافا مضاعفة لأني إنما أقدم نفسي عندما أهدي الآخرين , وليس قيمتك.
كان علي ألآ أخجل من شخص  وقح لا يخجل من التفوه والتكلم  بالترهات أو الكلام الغبي الذي لا معنى له. 
نعم  , كان ينبغي أن أقول لها وأنا أضع بؤبؤ عيناي الجذابتان في عمق عدساتها الزرقاء اللامعة وأقول بوقاحة عز نظيرها : لقد أهديتك عباءة خليجية غالية من اليشمك , نعم من اليشمك لا تنسي اسم ذلك المتجر إما سعرها فهو ألف درهم  يا صديقتي ,فلتنتبهي لهذا - الكرم الحاتمي الذي أغدقه على جنابك يا صديقتي .لكي لا تنسي حجم هداياي .

كنت أهم بالخروج هاربة من هذا الحفل البائس قبل أن تستوفقني إشارة المديرة الجذابة , فعندما رأت بؤس هذا الاحتفال المقام على عجل - لغرض بنفس يعقوب مفاده إن السيدة نونو – المسؤولة رقم 2 في المدرسة ,كانت تريد إرسال رسائل مشفرة لفريق الإداريات  - إنها تمون على السيدة المديرة لدرجة أن بإمكانها إقامة حفل عيد ميلاد صديقتها على طاولة الاجتماعات اللواتي تتحلقن حولها مرة كل أسبوع .
 وهذا التحليل يناسب شخصيتها الاستعراضية وشعورها المتضاخم بالذات الذي ضخمه مكتب بقياس 2×2 وكرسي دوار .
فمن غيري لا يعرف السيدة نونو وقتالها الشرس للوصول إلى الكرسي !!
فبعد أن قسموا قالب الكيك وأكلوا محتوياته الناشفة بخجل  - لأنهن غير مستعدات لمنح هدايا للمعلمات العاديات .
نهضت المديرة وذهبت للجلوس في كرسيها الفخم ولكن ليس قبل أن تعلق  ربة الكون العظيمة – شمسنا المشرقة – مديرتنا الرائعة  - بأنها ليست ذات علاقة بكل ما حدث .وظهر تنصلها الغريب والمعلن لكي يبرر تفاهة إقامته في عرينها .
فما الذي كانت  تبغيه  صديقتي من هذا الحفل البائس !
ولو افترضنا حسن النوايا  , فالطريق إلى جهنم مليىء بحسن النوايا , فهناك احتمال يناسب شخصيتها الاستعراضية فهي تريد من الجميع أن يعرفوا
كم هو حجم الصداقة الكبيرة بينهم وأن كان هذا غرضها كما قلت سابقا فهدفه إثارة غيرة المعلمات وبحيث ترسل رسائل مشفرة مفادها - إنها تمون على السيدة المديرة وبإمكانها إقامة حفل لأصدقائها في عرين الأسد نفسه,
 ولكنها على ما يبدو أخطأت في التخطيط وربما خطرت  الفكرة و اختمرت في ذهنها خلال  ساعة ونفذتها في أقل من ساعة , فجاء الحفل مزريا وتافها وحقيرا بما يكفي لأن تشعر كل واحدة التقمت لقمة من ذلك القالب الرخيص إنها وقعت في الفخ .
 وكان تنصل السيدة المديرة و المعلن أمام الجميع  - من معرفتها بالحفل والمشاركة فيه وأن بدا ذلك واضحا لإحراجي
 فهي لا تعرفني إلا منذ أشهر غير  كافية  بل كان في مضمونه رسالة جعلت من خطة الكوكب الأحمر – السيدة نونو- تضيع , لأن ما سيحملنه تلك السيدات وهن خارجات فقط تعليقها الجاف .
أو ربما تنصلت - لأنها  لم تكن تحمل هدية تليق بمستواها  وأيا كان خفايا غورها لم يبرر ما قالته فيما بعد.
 فبعد إعلان تنصلها وإخلاء مسؤوليتها عن إقامة هذا الحفل البائس  , سألت بجلافة عن عمري .
كم صار عمرك!!!
فقلت: 44سنة
 فهمست متفاخرة وباستعراض لا يليق بها " فهي سيدة متزنة وسيدة حقيقية بكل معنى الكلمة .

صحيح أنت اصغر منا بخمس سنوات ولكنك تبدين أكبر سنا !
 ثم خصصت القول تخصيصا سافرا
" أنت  تبدين أكبر مني بكثير"

في سري قلت :"مركز الكون لم يشرب قهوته بعد   .
 ما بها هذه السيدة  و ما هذه الحفلة .
هل هي للشماتة وتقليل الشأن
قلت:  أنا لا استخدم المكياج ( ولماذا لا تستخدمين المكياج !!)

وكادت أن تفلت من شفاهي كلمة
أنا لا أذهب كل ست أشهر لحقن وجهي بالأبر
والفيللر والحقن التجميلية . ..
   ولكني أحجمت ربما لأني أريد أن أسدد ثمن سيارتي البيضاء ( الإكس فايف ) والتي دارت الإشاعات أن السيدة نونو رمت بشرر عيونها الزرقاء عليها فحرقتها ,فتوقفت عن السير - منذ أشهر  والتي لا أملك ثمن تصليحها وليس لدي القدرة على مصاحبة رجل من أجل تصليحها كما لم يكن قد بقي معي دراهم بعد شراءها بسعر خروف صغير لكي افتديها به - كما أوصتني  السيدة الخمسينية العجوز القادمة من تونس -والتي أوصتني برش القرنفل درءا للعين فضحكت على أن هذه الترهات و السذاجات ما تزال متداولة . ثم أكلت الهواء – بعدها مغمسا بالخيبة وأنا أرى الأكس فايف -مالتي - تحملها سيارة شحن و تمضي بها بعيدا عن وجهي الممتقع بالخيبة وسمعت نفس المقطوعة السابقة عن استمرار تلبس النحس لحياتك .وعشت سنة كاملة في أغنى دولة بالعالم بالإنفاق والمصاريف بأقل مبلغ يمكن صرفه - وأنا أسدد ثمن سيارة محروقة وثمن صداقة قديمة قضت عليها السيدة نونو بالمرض النفسي الذي كانت تعانيه -مرض اعلاء الذات المتضخم والإنتفاخ البالوني - مرض لا يمكن إحتماله لمن يعرف الشخص حق المعرفة وهو أن تنسى حقيقتك لتخدع الآخرين بوجه ليس لك وهذا ما كانته السيدة نونو التي نسيت في خضم صعودها نحو المنصب والكرسي . إنني كنت شريكة لها في سنوات البؤس والكفاح وقلة الحيلة وقلة المال على مدار سنوات و لا ينفع أن تتعامل معي كما تريد من الآخرين أن يروها :سيدة ارستقراطية ولدت وفي فمها ملعقة من الذهب .
وعشت سنة كاملة في دبي العظيمة بألف درهم شهريا فهل تتخيل كيف لسيدة مثلي أن تحتمل كل هذا العذاب و احتملت . فقد بذرت كل اوقاتي بالقراءة في مركز الدراسات والأبحاث الإستراتيجية و بالمشي الخفيف مساء و ركوب العجلة في الصباح الباكر والضحك على تصرفات السيدة نونو -الكوكب الأحمر المتناقضة .

لابد أنها غيرة نساء ,
طمأنت روحي الوثابة لكي تهدأ قليلا . فالسيدة المديرة  سيدة متزنة وذكية وهي صديقة رائعة مادمت أقل منها جمالا ولن تناكفيها  .وفجأة دخل صوتا ثالثا في راسي طاردا صوت العقل وصوت الغضب :"
لا لا - ليست غيرة نساء فقط
إنها تتعمد إرسال رسالة تحقير , تريد أن تستفزني - لكي أصرخ بوجهها وأقول لها  :" لولا إبر البوتكس . لما رأينا هذه الخدود المنتفخة .

في الحقيقة هي ليست سيدة سيئة وهذا التصرف كان غريبا    - لا يناسب شخصيتها الجميلة ماعدا بعض الهفوات التي لابد منها ولابد أن تصدر عن النساء في أعمق أعماقهن يقبع شيطان ميت يعاد إحيائه كلما غذي بشعور الغيرة
نعم . لابد إنها غيرة الأعمار ليس إلا .
في سري شعرت بالسرور وغمرني الحبور, فمجرد هذه الإشارة تدل على أنه مسها شيء من الغيرة  , فالغيرة محفورة في عظم الأرض ولم تغيّر هيكلتها الآف السنوات الغارقة في القدم  , فخمس سنوات في عمر النساء  ليس بالشيء الذي يستهان به . فالنساء بعد سن الثامنة والعشرين يخترب عداد الحساب لديهم ويتوقف عن العمل وقد تمضي عشر سنوات ويتوقف الزمن عند ذلك الرقم و هذا شيء لا يمكن إصلاحه في عقولهن الضامرة وليس من حل سوى الضحك الأصفر وزيادة العشر سنوات على آخر رقم صرحت به السيدة المتزنة . 
.  ولكني وأقسم . لم اقو على قول شيء سوى تساءل مرير غصت به  حنجرتي.
هل تمت دعوتي لهذا الغرض الخسيس.

هل   هذه  فعلا حفلة تكريم وتذكير بمولدي العظيم  أم  أنها حفلة تجريح وتقليم .
ثم تابعت السيدة - المديرة  بجلافة  - لم أعهدها بها من قبل
" انظري لوجهك ولوجهي "
وقارني
اقارن !!!

ربة الكون تحاربني
يا للهول ماذا بماذا
بالراتب الهزيل الذي تمنحيني إياه والذي لا يكاد يكفيني سدادا لأجرة استيديو وثمن طعام ومواصلات - والذي تصرفينه - سعادتك بكل أريحية على وسائل العناية الشخصية والرفاهية .
وأضحك عن أي مقارنة تقصد .
وتذكرت مثلا مشهورا كنت أريد أن أقذفه بوجهها :إلي يمدح نفسه  ,يبي رفصه "
ولكني أحجمت  تأدبا  ,
و ربما خوفا .
ولكني لا أخاف  بل ربما لا أريد مواجهة شخص بأمر تافه مثل " أنا أجمل منك "
" وأنت تحسديني وكل ما يتعلق بشؤون النساء العويصة .
فلنترك خلافاتنا العظيمة في الأمور الجسام  .
" أنت تتحججي كالعادة " قال ذلك الصوت الذي دخل إلى رأسي  للتو . 
حسنا ,حسنا 
  ربما هذا صحيح ,حسنا - أنت لست مستعدة للمغامرة في حرب مع المديرة في شأن تافه .أجعلي حروبك في الأمور المهمة  

وكنت قد سمعت  عن الزيارات الشهرية لعيادات الحقن والنفخ من الكوكب الأحمر , ولكني بقيت صامتة وأنا أكركر بداخلي فهي تمدح أبر البوتكس و الفيلر والحقن التجميلية.
 وكل ما استطعت قوله " : أنا لا أستخدم المكياج !!!
رغم إنه ليس تبريرا ذكيا !!! كان علي أن أقول عبارات أكثر تهذيبا ورقيا وامتلاءا بالمعرفة مثل إنني أحافظ على البيئة الطبيعية ياسيدتي في ظل توحش المدنية وتزييف وجهها باصباغ الحداثة .
أو أن تزوير الحقائق وتزييفها يعتبر من الجرائم الالكترونية الحديثة
أو أن غزو الفضاء يا سيدتي وصل الى كل مكان في القرن العشرين وليس وجهي سوى وجهة من وجهات هذا الغزو الذي إنتشرت به تجاعيد النمو التي يفرضها قانون التطور والنمو .
هكذا كان ردي ساذجا وينم عن شخصية مفككة تتحدث بداخلها أكثر مما تعطس في وجوه جثث - هذه الحياة خوفا من إصابتهم الزكام .
وكادت- للحق - أن تفلت من شفاهي كلمة
أنا لا أذهب كل ست أشهر لحقن وجهي بالأبر, ولكني أحجمت ليس تأدبا بل خوفا
 خوفا .  فأنا لست شجاعة بما يكفي لرميها في الوجه.   
وتستفزني أصوات بداخلي تقول
أنت جبانة كان عليك أن تسمعيها كل ذلك الكلام وتخرجين .
وصوت آخر يقول" يالك من جبانة " تخشين قول الحق !!
كفى , كفى  وخرج من داخلي , صوت القمع
نعم أنت حقا صائبة  لو لم أكن مثلهم منافقة . لما لجمت لسانك عن قولها.
إنها المديرة وأن عاديت المديرة فعليك أن تستعدي لجمع أغراضك ومغادرة البلاد.
ولكن ما  الضرر من النفاق .هل فكرت بذلك سابقا .
, دعيها تفرح بشبابها بل امدحيها وأغدقي المديح تلو المديح عليها

أمدحي الصبغة الشهرية التي تغيّر بها ألوانها.
وامدحي صاحب صالون التجميل في  المارينا الذي يغيّر تسريحة شعرها ويلعب بألوان حواجبها كل شهر.
أمدحي قميص متاجر( mexx ),,وبلايز (next)لأنه ناسب عرض أكتافها وأظهر فخامة هندامها  .
إمدحي بنطلون (   new-look ) الذي ناسب محيط خصرها .وأظهرها كمديرة  عملية وذات مظهر شبابي جميل .
إمدحي نعومة يديها ولا تنسي وضع علبة دوف في حمامها .
أمدحي حجم حواجبها وصلي لكل شعرة منها صلاة خافتة لكي تبقى في مكانها ولا تنزل بفعل التقدم بالعمر . 
وابتسم ابتسامة صفراء فاسمع هاتفا يطالبني بعدم الإبتسام
لا تبتسمي يا فتاة فتظهر تجاعيد وجهك البارزة والتي لا تملكين ثمنا لاخفاءها فهذه المديرة والسيدة نونو ينفقن ما يوازي راتبك شهريا لكي يظهرن جميلات وشابات . واسمع صوتا آتيا من جهنم - وجه زينب الذي يضحك بالخداع .
ألا تتذكري يا صاحبة القصص – فيما بعد- حفلة التفاهة , عندما ضحكت عليك زينب وإصطحبتك لدكتورة تجميل نص-- كم لكي توفر على نفسها سعر نصف الأبر و تجعلك تدفعين أكثر منها وليس مناصفة كما اتفقتم -لا بل كانت تريد عوضا عن دفع ثمن المواصلات التي قمت بدفعها ,تريد أن تأكل على حسابك وبدراهمك قائلة :أنت مش حتغذينا " بعد أن جعلت الدكتورة تحقن وجهك بأبر - جعلته مشوها لأنك ركضت وراء تلك التقاليع فبدوت مثل مومياء مصرية هجرها فرعون - فجلست تبكي سوء حظها ,هل تذكرين !!!
حسنا حسنا لا توجد إمرأة لم تذهب لزيارة عيادات التجميل أو على الأقل هناك من يفكر بهذا الأمر وينتظر الفرصة فكما قلت لكي تظل جميلا لا بد أن تنفق على وجهك بما اذخرته في شبابك وإذا كنت تتقاضى مبلغ بائس فستتظر تجاعيدك بلا شك ولكن عليك أـن تزيد بعمرك لكي لايصدقوا إنك في الثمانين و ببشرة فتاة في الخمسين عندها سينفع الخداع .
 خمس الآف درهم - ياللهول إنه
راتب يعطى لخمسة عشرة معلمة كحد أدنى للأجور ,تذهب للعناية الشخصية شهريا عند المدراء  لكي تظهر الأظافر مصقولة  والشعر حيوي  والوجه بلا تجاعيد  وأنت
 أنت لا تملكين ثمن إصلاح سيارتك التي حسدتها نونو وأبنتها في ليلة واحدة  .هل تذكرين !!!
لما لم تتعلمي النفاق من الدرجة الأولى يا صبية !!!
لماذا لم تتعلميه من صديقتك ذات الوهج الأحمر - التي  تحاول تقليد الأثرياء و تعتقد المسكينة  وهي خاطئة أن سيارة برادو ضخمة تفي بالغرض ,ولكنها عرفت مؤخرا أن المشهد تنقصه قطة سوداء مدللة  - تمسح شعرها في الأمسيات الباردة مثل سيدة أوروبية راقية تمتهن كتابة الروايات العاطفية الفاشلة .
  . في المساء جلسنا سويا أنا والكوكب الأحمر وكان ثمة ما يدور بداخل كل منا .
 لم تصرح به ولم أصرح بما في داخلي
أنما غصة عالقة في الوسط وثمة شرخ كبير  كان قد أحدث انقساما لا يمكن رتقه , قسمنا قسمين . قسم  نلوذ به داخلنا لا يصرح عما في نفسه إلا سرا 
وقسم يبتسم في وجه الآخر بابتسامة صفراء .
قلت له - لذلك - الذي يلح  بداخلي ويريد أن يخرج 
تقولين إنهن يغرن منك!!
 فماذا تملكين يا مسكينة !!!
خمس سنوات اقل وماذا نفعت سابقا  وكيف ستنفع لاحقا !!!
وهل من المعقول إنهن كن متفقات على هذا الفعل لإشعاري بذلك النقص الجمالي الذي بت أعاني منه نظرا لتقدم العمر و الذي لم أحس أو اشعر به بقدر ما فضح مزاعمهم بأنهن سيدات رائعات وراقيات ولا يتطرقن لشوؤن النساء الشعبيات  .
   
وتساءلت
ما الذي أملكه ولا يملكنه
 فكلاكنا مطلقات ولكنهم يملكون أولاد للعناية بهم بعد تقدم العمر وأنا لا أملك إلآ قوة الرب الهائلة  لتمنحني جسدا قويا استعين به على قضاء حوائجي عند الكبر .
وهنا سمعت صوتا آتيا من الكوكب الأحمر السيدة نونو وكأنها كانت تتنصت على حواري  السري :أحمدي الرب كثيرا إنك لا تملكين أطفالا
انظري,  ماذا فعلوا بحياتي !!
انظري إلي أنا الشقراء الجذابة البيضاء الجميلة ذات القوام الرشيق , تطلقت منذ عشرة أعوام ولم أجد ارتباطا سريعا كالآخريات ,لأنهم يخشون من أطفالي.
.ولكن الصوت الذي فلت مني  قاطعها بعنف 
":ليست المسألة بأولادك يا عزيزتي ولكنه بعقلك المجنون -  إنه الوهم ..تريدين أن تخرجي من جلدك  العتيق - تقلدين الأجانب وتعتقدين إنك أصبحت ارستقراطية لمجرد انك تدعين ذلك .تعتقدين أن لبس البكيني سيجعلك ارستقراطية .
كم كنت ساذجة يا صديقتي .. 
 أنت تضحكين على نفسك  وتجعلي الآخرين يضحكون عليك .
 واسمع صرخاتها المكتومة وهي تتأوه وأذكرها بالزوج البخيل والعائلة المتفسخة وأعول على أن كل ذلك قد يشفيها ولكن بعد وصلة البكاء الفجائية
 يخرج الصوت الأجوف –الغبي – الذي وصم مجمل حياتها فيما بعد.
صوت الكبرياء وفحيحه الذي بلا معنى
وتصرخ أنا ابنة العائلة ..العريقة
وأضحك كثيرا عن قصة العوائل العريقة التي يتمسك بها التوافه من الناس  -ويضيع صوتها في الكون بلا غبار يتبعه .
أقول " أن عائلتك تبرأت منك للتحرر الذي تعتقدين إنه سيجعلهم ينظرون إليك كسيدة ارستقراطية فلا لبس المايوه ولا خلع الحجاب بعد سنوات من التغطية ستغيّر من نظرة الناس لك يا صديقتي فالعرب أصحاب دفتر الأنساب المزيفة لا يعرفون أي شيء مفيد للبشرية سوى تاريخ سلالتك الضائع. وأن إدعاءك التحرر ومصاحبة الأجانب وتقليدهم الأعمى هو الذي جعل الرجال يخشونك ويهربون خوفا من أفكارك المجنونة المغلوطة عن معنى التحرر .وليس كما تدعين وجود الأطفال .
 فهذه المديرة سيدة مطلقة  وجميلة وذكية ولم تتزوج بعد عشر سنوات من الطلاق و لديها أطفال مثلك,
وجاءت لها فرص عديدة لكي ترتبط ولكنها حافظت على كيانها ضد أي غزوات خارجية  ولم ترد أن يدخل بيتها رجل غريب  أيا كان  ما دامت لديها طفلة  أنثى . فالموضوع لا يخص وجود الأطفال أو عدمه ,  فأنا أيضا لا يوجد لدي أطفال ومطلقة منذ عشر سنوات .
 أنه النصيب يا نونو
يبدو أن النصيب لن  يصيبنا  
 ,فكف عن الشكوى وعن الاحتفال بأعياد ميلاد الآخرين .
أعياد ميلاد بائسة يا صديقتي .
 بائسة جدا
ردت علي بعجرفة مقيتة
ما بالك تتطرقين لمثل هذه القصص النسائية المملة  ,وعباراتك المليئة بمفردات شعبية مثل ؛
يحسدنني ؛ وأولاد وزواج و مطلقات
 يا لهذه القصص الشعبية التي لا أحب سماعها و تتناقض مع مستواي الارستقراطي.
ثم تشعل سيجارة رفيعة - رفيعة جدا وأتعجب كيف فاتها أن لا تشتري سيكارا كولومبيا فخما تتباهى به ,فهي تملك الآن دراهم كثيرة - كانت تفتقر لها سابقا و كرسي دوار تستطيع أن تحلق به لأعلى السموات بدون شعور بالدوار .
فعلى ما يبدو أنه فاتها أن ترى فيتا صديقتها السمراء –الأمريكية تفعل ذلك وإلا لقلدته بإتقان المحترفين .


ثم تتابع بعجرفة وهي تنظر لي بنزق:"
 أين روح الثورة  يا ثورية
أين الشعارات المحلقة
وكيف لا تخوضين حروبا حقيقية في الواقع . بدلا من هذه الترهات .
بداخلي يصرخ صوت الشفقة .
لا يوجد أمل ولا فرصة للشفاء
فالمرض قد استحكم
قد استحكم