أنا ربكم الأعلى - ( مجموعة قصص قصيرة جداً )

محيي الدين ابراهيم
2017 / 8 / 21

بقلم: محيي الدين إبراهيم
كاتب وإعلامي مصري

نصح الوزير ( سيدنا ) بأنه إن اختلفت عليه الناس عزلوه وإن اختلفوا على إيمانهم اقتتلوا .. مات منا سبعين ألف نفس وهم يسبحون بحمد ( سيدنا ) !!

أعلن ( سيدنا ) عن جائزة كبرى ومركزاً سياسياً رفيعاً لمن يطلق عليه مائة أسم تليق به كحاكم .. عمت الفرحة كل ربوع القرية حتى ( مندوحة العبيط ) الذي قرر الإشتراك في دخول سباق الجائزة وهو الأمر الذي سخرنا منه وإزدادت سخريتنا حتى سقطنا على ظهورنا من فرط الضحك حينما علمنا أنه سيقدم أسماء الله الحسنى التسعة وتسعين مع اضافة لقب ( سيدنا ) فيصبح العدد مائة .. كانت القرية تعج بالفرح والأحلام في عقل كل منا أن يتقلد منصباً سياسياً رفيعاً .. ظهرت النتيجة بفائز واحد .. ( مندوحة العبيط ) .. صار قاضي القضاة ومفتي الديار والحبر الأعظم !! .. أذن له ( سيدنا ) أن يصدر قراره الأول فقرر أن ( ينبح ) أهل القرية جميعاً كالكلاب فصرنا ننبح جميعاً كالكلاب حتى مطلع الفجر فصلى بنا ( مندوحة العبيط ) إماماً ولم يتخلف عن الصلاة وراءه منا مخلوق!!

في محطة الوصول بداية رحلة التحقق .. والتحقق نقطة نور محيطها أنت ! .. فإن وصلت لا ينقطع نور قلبك عن محيطة وإن انقطعت أظلم محيطك على قلب النور فيتشتت رجاؤك.

أرادت ( هي ) أن تختبر إخلاص ومحبة زوجها بعد ١٨ سنة زواج فأضاء عقلها بفكرة أن تعترض حياته بفتاة في العشرين من عمرها .. لم يتحمل المسكين فتزوجها بين عشية وضحاها وكتب لها نصف ثروته.
تجلس ( هي ) الآن وحيدة تنظر من نافذة غرفتها بأحدي مصحات العلاج النفسي منذ سبع سنوات صامته لا تكلم أحدا.

قرر ( سيدنا ) أن توضع صورته في محراب كل معبد بقريتنا حيث يصلي الناس فوضعت .. وقرر أن يأتي كل رجال الدين ببرهان يؤكد شرعية ذلك فجاءوا .. كان في قريتنا امرأة يقال لها ( زينة ) .. ذهبت وحدها تحت شرفة قصر ( سيدنا ) تصرخ بكفره وتنادي بسقوطه .. كان ( سيدنا ) داهية .. بعد تسعة أشهر دعا أهل القرية للاحتفال بمولد أصغر أبنائه من آخر نسائه التي ماتت وهي تلده .. كانت تدعى زينة !!

أنا ربكم الأعلى
أهل قريتنا جهلاء، جائعون، تائهون .. لا يعلمون إلا ظاهر الإيمان الذي يتوهمون أنه سيوفر لهم الطعام والشراب والجنس ويظنون أنهم بذلك يحسنون صنعاً، هذا باطن ما يرجونه في حياتهم ويعيشون من أجله .. ولكي يبرهن ( سيدنا ) على صحة ما يقول أعلن أنه ( نبي )، أعلن أنه ( رسول )، سيُسقط ( سيدنا ) كل الأحكام عن كل مجرم وقاتل وسارق يؤمن به، سيُوفر ( سيدنا ) لكل مؤمن من أهل قريتنا عالماً كان أم جاهلاً عشرة أضعاف راتبه، منزل لكل مؤمن، زوجة لكل رجل، زوج لكل امرأة .. فآمن بنبوته وبدينه الجديد أهل القرية جميعاً .. في زاوية الحكاية قبل أن أتركها كان هناك كلباً يبول في صحن معبد هجره أهله بينما ( الناسك ) القديم يضاجع امرأته على قارعة الطريق !!

نظر سيدنا من نافذة ( الحكاية ) علينا، اختفى الكل حتى لم يبق سواي، شعرت كما لو كان ينظر لي بغضب ربما لأني لم أخشاه وأختفي مثلهم، خفت، لم يعد سواي حين ضاع الجميع، أنزويت في قصة قصيرة وبنيت بيتاً من الشعر واختبأت في أركان قصيدة، مكثت قرنين من الزمان في مكاني لا أبرحه، كنت أفكر طيلة هذا الزمان في كيفية التخلص من خوفي، اكتشفت أنه أطلق ضحكة ساخرة من عمق جوفه منذ سنين قبل أن يغلق نافذته ويدخل، تلصصت عبر الخارج فوجدت الحكاية قد اكتظت بالمارة، جلست كبقيتنا ادخن الشيشة وعيوننا على نافذة سيدنا المغلقة نخشى جميعاً أن يفتحها !!

سأله: ما هو الأكثر قسوة من الحقيقة؟ قال: أن تعرف الحقيقة ! فسأله و إن ضاعت الحقيقة ؟ فأجابه : ستكون سيد الظن فتهلك !

أجابه: لو كنت أمتلك العلم لعرفت ولو عرفت لأدركت ولو أدركت لاقتربت ولو اقتربت لحضرت ولو حضرت لم أكن أنا الذي هو أنا بل أنا الذي إليه منه .. فسأله عن سًبل معرفته ؟ فأجابه: إن عرفته بظاهر علمك أنكرك بباطن علمه وإن أدركته بباطن علمك أدركك بكامل ذاته وعندها ستكون على عتبات عرفانه .. حينها إن كنت من أهل النور انفتحت لك بوابات كن لتكون وأن لم تكن ستخرج من باطن جهلك لظاهر تشتتك !

حين حل زمن ( الدجل ) في قريتنا انتفض الناس .. كانوا يبحثون عن سيدنا ليقتلوه .. يصرخون .. يتصايحون .. يهيمون في الشوارع ركضاً بلا وعي .. كانت الغيبوبة في كل اتجاه .. كل الأنحاء .. كانوا وكأنهم ينفثون غضباً مدفوناً في أعماقهم منذ ألف عام .. غضب من كل شئ .. كل شئ ولاشئ ! .. كانوا يتقاتلون وكأنهم يرغبون لأن ينتحر الكل تحت أقدام الجميع .. المدهش أن من وسط ضباب تلك الفوضى خرج ( سيدنا ) مبتسماً من شرفة تطل على ( الحكاية ) ليلقي ماتبقى من رماد سيجارته المشتعلة على أجساد من تبقى من الحمقى على حافة الحزن ثم استدار وأسدل ستار شرفته وعاد لنفس قريتنا ليبحث عن حمقى جدد !

قرر أن يتلقى برهان ربه .. خلع نعليه وسار في وادي الماء خاشعا متصدعا من خشية المحبوب .. كان عليه أن يتخطى عتبات الرغبة ليكون ملكا أو يكون من الخالدين ويرى نوافذ النور .. عند عتبات الرغبة حاصرته لعنة من سبقوه .. ليس ملكا .. ولا خالدا .. مازال يحاصره طوفان الغياب .. انتعل ما خلعه .. إذ لم يحن بعد موعد حضوره !!

أجتاز الصحراء حتى وصل لبوابات العشق .. قالت له حسناء الجنة هيت لك فأستعصم .. هنا انفتح له باب الحلم فاستفاق .. كانت صحراء روحة أعظم من أن يمحو قبحها حسناء أو يحتويها حلم فينجو .. عند صراط النور ضاع ظله وارتعشت قدماه فأدرك عدمية الخيار مابين السقوط و العبور .. عند صراط النور مازال منذ سبعين عاما واقفا هناك يرتجف !!

في سوق الحكمة كان يذهب كل أسبوع ممتطيا بغلته ليصل قبل الجميع .. كانت حكمته العجيبة التي يذهب بها إلى السوق هي: نذرت ألا أكلم اليوم أنسيا .. كان يؤمن أن صمته هو طهارة السمع وفي طهارة السمع نور تلقي الإلهام لعل ( نبي ) قادم من أقصي المدينة أو رجل يسعى يدل الناس بكلمة عن كيفية الحضور .. منذ ألف عام وهو غائب رغم وصوله قبل الجميع في كل سوق .. منذ ألف عام فاتته كل الأنبياء .. ألف عام ومازال صامتا !!

حين انسلخ النور من الظلام أدركت العتمة مرارة الهزيمة وعلى بوابات الفرح فقد الحزن بطاقته الشخصية .. كان لزاما أن اتخذ قراري في البقاء أو الرحيل .. استبدلت وجهي القديم بوجه جدي .. استبدلت لجوئي إلى عودة .. غربتي إلى وطن .. موتي إلي حياة .. لن يسلبوا مني دياري !!

كان يؤمن أن اليقين والأمل كالحياة والموت .. الإستقرار والفوضى .. الحق والضلال .. كان يؤمن أنه حين يتوقف الزمن يصبح الخلود حقيقة وتصير النقطة هي كتلة العدم والوجود التي تفشل في تفسير حدوثها كل نظريات الكم .. نظر إلى ساعته يرقب الوقت .. مازال العقرب الصغير يلهث وراء ثوانيه .. مازال الأمل يلهث وراء الموت والموت وراء الفوضى والفوضى وراء الضلال .. مازال هو على قيد الشك يراقب ظله الذي أوشك على الهلاك !!

صلى في عينيها للجمال .. لم يعد سرا سوى الاعتراف بسجود الملائكة لآدم الذي خسر الخلود بعدما غاب في عشق حواء !!!

تمنت دوام محبته تلك التي يغدقها عليها كفارس ويوقظ معها كل مشاعر الأنثي بداخلها من غيبوبتها التي كادت أن تكون أبدية قبل أن تلقاه .. ما أروع أن تعثر امرأة علي رجل يمنحها قلبه للأبد .. قبل أن يضمها إلي صدره العاشق صرخ مخرج الفيلم: ستووب .. برافو يا أساتذة !!

قال : القوة هي تفتيت العقل البشري إلي أجزاء ! .. فسأله : والسلطة ؟ .. قال: تفتيت أجزاء القوة !!

الأسد للثور: تفوقني حجماً وتحمل قرنا إن أصابني قتلني فلماذا لم تقاومني؟، قال الثور وهو تحت أنياب الأسد: استبدوا بي في وطني فأنكسر كبريائي ولم أعد أجيد سوى الاستسلام!، حينها شق الأسد بطن الثور ووزع جسده حصصاً لأشباله.

كان سيدنا .. أدار لها ظهره في أحلك لحظات احتياجها له، بعد سنوات قليلة لم تعد المرأة التي عرفناها في أيامنا الخوالي، لا ندري لماذا أدارت لنا جميعاً ظهرها في أحلك لحظات احتياجنا إليها ؟!

قال: تحدث الأمور السيئة في حياة الناس لانهم فقط يسمحون لها بالحدوث
سألة: ومتى يحدث الأمر الحسن؟
قال: ساعة العفو !!

جاء الذئب ليعقد صفقة مع البقر في أن يذبحوا نعجة ويتناولوها على الغداء فقامت الثيران ابتهاجاً بقدوم الذئب تناطح طرباً بينما حقائب الذئب المغلقة مليئة بالسكاكين الخاصة ( بالعجول ) وأن البقر لا يأكل النعاج !!!!

استطاع أن يحمل قلبه بين كفيه ويهرب راكضاً عارياً ليلحق بالطيف الأخير قبل تلاشي الوجود، مازال قلبه أو ما تبقى منه يحمل ملمح وجهها الومضة في لقائهما الأخير، لن يسلبوه آخر ماتبقى له منها .. ملمح وجهها الومضة في لقائهما الأخير، هكذا قالت النبوءة !!

عايرته بالرحمة، فصمت، عايرته بالصمت، فبكى، عايرته بالبكاء، فعفا، وحين عايرته بالعفو أدرك الغربة في وطنه فهاجر وكانت هجرته لما هاجر له.

أدار ظهره للخوف فإعتراه شرف الوجود وحين لفظه الحوت ظهرت عليه بشائر النبوة ووحده كان في حضرة النور !

كانت تعشق شروق الشمس. .. كان النور. يمثل في. وعيها. الطفولي حقيقة وجودها. البرئ. .. لم يعد الشروق يمثل حقيقة الحلم .. هجر الناس القرية تحت القصف .. هحرت البيوت الدفء .. صارت الشوارع لاتعرف سوى الصمت الذي لايقطعه سوى دوي الألغام .. الغروب هو الملاذ الوحيد .. الملاذ الذي يخفي تحت دثاره كل القبح .. وبالرغم من عشقها للشروق فإن محبتها للغروب الذي يغطي حزنها ينبئها بأن هناك أمل للنور .. مازال الحلم قابل للتحقق .. مازال في القلب وطن.

نظر لنفسه في المرآة فلم يجد انعكاس صورته .. ضاع .. اختفى .. جلس على أقرب كرسي مطأطئ الرأس .. لقد سلبوا منه كل شئ .. حتى ظله !!