تحولات الطبقة الوسطى(البرجوازية) في العراق خلال (150) عام (1869-2019)(القسم الثالث)

سلمان رشيد محمد الهلالي
2017 / 8 / 20

3 . البرجوازية الثورية المتريفة (1958-2003) : وهى الطبقة الوسطى التي تبلورت القشرة الاولى لها بعد ثورة تموز 1958 واكتملت ملامحها الاساسية ومقوامتها الرئيسية بعد انقلاب شباط 1963 وتصاعدت في انماطها الثقافية والسياسية في عقدي السبعينات والثمانينات , واستمرت قائمة بصورتها الاقتصادية والاجتماعية حتى سقوط النظام البعثي الحاكم عام 2003 . وترجع الارهاصات الاولى لنشوء هذه البرجوازية الثورية الى افرازات الحرب الباردة (1945-1991) بين المعسكر الغربي الليبرالي والمعسكر الشرقي الاشتراكي بعد الحرب العالمية الثانية , حيث اخذت هذه الطبقة المهاجرة من الريف الى المدن (الصغيرة منها والكبيرة) بالتشكل والتبلور , وارادت الحصول باي وسيلة متاحة على (مكان تحت الشمس) في مختلف المسارات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية , بعد ان وجدت ان النخبة الاوليغاركية الحاكمة في العهد الملكي , التي تستند في حكمها وسطوتها على البرجوازية العقارية الكبيرة والراسمالية الصناعية والتجارية , قد هيمنت على مقدرات الدولة ومواردها بصورة تكاد تكون مطلقة , ولم تفسح لها بالتالي مجالا للتعبير عن نفسها ومايجول في خاطرها من امال وتطلعات بالتغيير نحو الافضل , لذا عمدت الانتلجنسيا (النخبة المثقفة والمتعلمة) من هذه الطبقة الى تبني التوجهات الايديولوجية الشيوعية والقومية الثورية بافراط كطريق احادي للتغيير الراديكالي في الدولة والمجتمع , وهذه الايديولوجيات الوافدة تصاعدت خلال هذه المرحلة كاحدى افرازات الحرب الباردة وانعكاساتها المباشرة على المنطقة العربية , من حيث مواجهة القيم شبة الليبرالية والديمقراطية في العهد الملكي , وتركيزها على اهمية العدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية على حساب الحريات العامة والتعددية السياسية والثقافية . ويرجع سبب اطلاق صفة التريف على هذا النمط من الطبقة الوسطى العراقية , ليس بسبب قرب عهدها بالتحضر والتمدن وهيمنة الطابع الريفي على انماطها السلوكية فحسب , بل والى استحكام العصبيات العائلية والقبلية والمحلاتية والمناطقية على نظامها المعرفي والثقافي وتوجهاتها السياسية والاجتماعية . ونجد هذا ظاهرا في تدني نسبة السياسيين القادمين من بغداد , فبالوقت الذي شكلوا فيه مايقارب 㿲 % من نخبة السلطة في العهد الملكي بين عامي ١٩٤٨ و ١٩٥٨ , الا اننا نجد - وفي بدايات حكم البعث عام 1968 - اختفاء البغداديون من مجلس قيادة الثورة كليا , وتمثلوا بشكل صغير في القيادة القطرية للبعث والحكومة بنسبة لاتتجاوز 13% . كما كانت هناك عملية موازية هي وصول الطبقات الوسطى الدنيا القادمة من الريف للمراكز العليا في البلاد , ففي جمهورية تموز عام ١٩٥٨ الثورية تحولت السلطة من يد الطبقات العليا إلى أعضاء الطبقة الوسطى الوافدين من المدن المتوسطة والصغيرة , فمثلا ان مجلس قيادة الثورة اصبح يضم في عضويته للسنوات 1968-1977 50% من سكان تكريت , وهى مدينة صغيرة بمستوى قضاء يهيمن عليها الطابع الريفي والبدائي . ومنذ عام ١٩٨٢ أصبح ٣٠ % إلى ٥٠ % من أعضاء الكيانات السياسية العليا الثلاث (الحكومة والحزب والجيش) من الطبقات الدنيا النازحة من الريف .
ان الشائع خطا عند كثير من الكتاب والباحثين ان ثورة تموز 1958 هى ثورة الطبقة الوسطى البرجوازية العراقية ضد الطبقات الارستقراطية والاقطاعية المتحالفة مع النخبة الملكية الحاكمة , فيما ان الصحيح ان البرجوازية المتوسطة والصغيرة والفئات الدنيا منها قد ازاحت البرجوازية الكبيرة التي تضم العقاريين الاقطاعيين والراسماليين الصناعيين والتجاريين فقط , اي نحن هنا امام (صراع برجوازيات) ليس الا , حتى ان الدكتور فالح عبد الجبار وصف المجتمع العراقي بعد الثورة بانه (مجتمع فئات الطبقة الوسطى ..... انطلاقا من كون الظروف التي اسست لها الثورة كانت ملائمة لنمو هذه الفئات) , وقد اكد ذلك حنا بطاطو في مقالته الشهيرة (التحليل الطبقي والمجتمع العراقي) (ان عبد الكريم قاسم والاخوين عارف وغالبية اعضاء اللجنة العليا للضباط الاحرار واللجنة الاحتياطية للضباط الاحرار ولجنة القادة العسكريين لعام 1958 ومختلف قيادات حزب البعث ومجالس قياد الثورة لعام 1963 واعوام 1968- 1977 ينتمون الى عوائل متوسطة او متدنية الدخل) . وكان اول البرجوازيات الكبيرة التي تلقت ضربة قاصمة من قبل الفئات الدنيا من البرجوازية العراقية هى البرجوازية العقارية التي تملك ملايين الدونمات من الاراضي الزراعية الخصبة , التي استولت عليها بطرق ملتوية او غير مشروعة , وهى تشمل الملاكين الغائبين من اثرياء المدن (اللوردات الغائبين) وبعض شيوخ العشائر والسراكيل والذين يطلق عليهم بالادبيات السياسية الثورية بالاقطاع , فقد اصدرت حكومة عبد الكريم قاسم قانون الاصلاح الزراعي رقم (30) لسنة 1958 الذي اطاح بالملكيات الزراعية الكبيرة للشيوخ والاغوات والاعيان , وحددها بالف دونم فقط للاراضي التي تسقى سيحا والفي دونم للاراضي التي تسقى بالواسطة , مع تعويضات مجزية لاصحاب تلك الملكيات تستمر على مدى اربعين عاما . وفي الوقت الذي اطاح هذا القانون بالاقطاع الزراعي في البلاد وازاح من المشهد السياسي والاجتماعي واحدة من اهم البنى التقليدية والبدائية في المجتمع , وحرر الفلاحين من تبعية الشيوخ الملاكين الذين كانوا ياخذون اغلبية الحاصل الزراعي ظلما وعدوانا , ويصرفونه على ملذاتهم وغرائزهم , الا انه في المسار الاقتصادي فان هذا القانون - الذي وصف بالمستعجل والاعلامي - قد شكل اساس الخراب الزراعي في العراق , وتحول البلد من مصدر للمحاصيل الاستراتيجية كالحنطة والشعير وحتى الرز الى مستورد لها , وساهم بصورة كبيرة من تحرير الفلاحين ليس من الاقطاع فحسب , بل من الزراعة كلها , حيث ترك الفلاحون الاراضي والريف وانتقلوا الى المدينة , واخذوا يعملون كحراس او حمالين وفراشين , او عاطلين يتسكعون في المقاهي , وتطوع بعضهم في الخدمة العسكرية كنواب ضباط وعرفاء , وسافر الكثير منهم الى دولة الكويت للعمل هناك , وتدنى معدل الانتاج الزراعي الى مستويات قياسية , حتى اصبح العراق يستورد ليس الخضروات والفاكهة فحسب , بل وحتى الحبوب التي كان في الخمسينات من اهم المصدرين لها , وتصاعد الامر عام 1980 الى استيراد 80% من المواد الغذائية التي يحتاجها المجتمع العراقي . كما حصل تحول ديموغرافي ظاهر للعيان تمثل بالهجرة المليونية لابناء الريف الى المدينة , وخاصة الى العاصمة بغداد والبصرة بصفتهما من المناطق المستقطبة للهجرة , فبينما كان سكان الريف يشكلون 61%من سكان العراق عام 1957 انخفضت النسبة الى 49% عام 1965 والى 44% من السكان عام 1970 والى 35% عام 1980 . وهذه الهجرة ساهمت بصورة كبيرة جدا في بلورة النمط البرجوازي الثوري والراديكالي عند هؤلاء الوافدين , لسبب بسيط هو بحثهم عن الخبز والعمل والعدالة الاجتماعية بعد طول المعاناة التي تكبدوها في مسيرة حياتهم السابقة , حتى لو كان ذلك على حساب الكرامة الشخصية والحرية والتعددية السياسية والثقافية .
واما الضربة الثانية التي وجهتها البرجوازية الثورية المتريفة فكانت للبرجوازية الصناعية والتجارية الكبيرة , فسبق ان ذكرنا ان هذه الفئة قد تبلورت في العهد الملكي وبتشجيع من الملك فيصل الاول صاحب العبارة الشهيرة التي ادرجها في مذكرته السرية الشهيرة عام 1933 (انني احب ان ارى معملا لنسيج القطن بدلا من دار حكومية , واود ان ارى معملا للزجاج بدلا من قصر ملكي) , واستطاعت هذه الطبقة من تكوين رؤوس اموال ضخمة تجاوزت عشرات الملايين من الدنانيير , وبناء مصانع كبيرة لكثير من المنتجات الصناعية والكمالية , وتاسيس مصارف تجارية تغطي حاجة السوق من السيولة النقدية . ورغم ان حكومة عبد الكريم قاسم (1958-1963) لم تصدر اي قرارات تشريعية او سياسية ضد هذه الشريحة الصناعية والتجارية على غرار قانون الاصلاح الزراعي الذي استهدف الاقطاعيين والملاكيين العقاريين , الا ان الانقلاب البعثي الاول في شباط 1963 وماتلا ذلك من تحولات وصراعات سياسية وايديولوجية بين اجنحة الحزب الحاكم , ادى لاحقا الى سيطرة الرئيس عبد السلام عارف على مقاليد السلطة والحكم وازاحة البعثيين في تشرين الثاني من نفس العام , ومن ثم التبني المطلق والتماهي الكامل للنمط الناصري – الاشتراكي من القومية العربية ، وكان اهمها هو القرارات الاشتراكية التي اصدرها الرئيس عبد السلام عارف ، نزولا عند رغبة الرئيس جمال عبد الناصر ، الذي أعلن في خطاب له بعد فشل مشروع الوحدة مع سوريا عام 1961 : أن أي بلد عربي يريد الانضمام إلى مصر في وحدة عربية ، عليه أن يتحول إلى دولة اشتراكية , وهذه الدولة يجب ان لايكون فيها مكانا للقطاع الخاص والبرجوازية التجارية والصناعية . ومن اجل ذلك , وبمناسبة الاحتفال بذكرى 14 تموز عام 1964 ، اعلنت الحكومة العراقية انشاء أو تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي (الاقليم العراقي) الذي ضم مجموعة من الاحزاب والشخصيات القومية الناصرية منها والمستقلة ، واتخذ على عاتقه اعلان تاميم المصارف والصناعات الاهلية وشركات التامين في نفس اليوم , وقد بلغ عددها اثنين وثلاثين مؤسسة صناعية وتجارية كبيرة , الامر الذي ادى الى تراجع كبير وخطير في المسار الاقتصادي للبلاد , بسبب عدم قدرة الدولة والقطاع العام على ملىء الفراغ في الجانب الاستهلاكي للمواد الغذائية والصناعية والكمالية , فضلا عن تهريب الكثير من الراسماليين لاموالهم الى خارج البلاد , (مثلما حصل سابقا مع اليهود عندما هربوا مايقارب العشرة مليون دينار بعد قانون اسقاط الجنسية عنهم في عام 1950) , كما حصل تزايد ملحوظ في عدد العاطلين عن العمل قدر عددهم بربع مليون نسمة , وهو عدد كبير جدا بالقياس الى عدد السكان العراق انذاك.
وكانت القرارات الاشتراكية - وخاصة تاميم المصارف والصناعات الاهلية - قد فسرت بان الدوافع الحقيقية وراءها كانت طائفية ، إذ كان القصد منها ضرب احدى أهم الركائز التي يستند عليها الشيعة في العراق ، ألا وهي : التجارة والصناعة ، والتي لجأوا إليها بعد استبعادهم عن الوظائف الحكومية والمناصب الكبيرة ، وبخاصة القوات المسلحة . فبعد هجرة اليهود من العراق والذين كانوا مهيمنين على القطاع المصرفي والمالي والتجاري في مطلع الخمسينات , برز الراسماليون الشيعة وسيطروا على هذا القطاع - وخاصة الكورد الفيلية منهم - ووقعت غرفة تجارة بغداد تحت سيطرتهم الكاملة تقريبا , فبينما كان لهم مقعدان فقط عام 1935 من اصل ثمانية عشر في اللجنة الادارية للغرفة , اصبح لهم في عام 1957 اربعة عشر مقعدا من اصل ثمانية عشر . وقد عانى الاقتصاد العراقي والطبقة الوسطى المرتبطة به من تلك القرارات الاشتراكية من مشاكل عدة اهمها : تراجع مستوى المعيشة وتزايد معدل البطالة وفقدان السلع الكمالية والاستهلاكية وغيرها , واستمر الحال على ماهو عليه حتى عقد السبعينات ودخول معادل جديد في الاقتصاد العراقي انعكس بصورة او باخرى على الجانب السياسي , الا وهو (النفط) , وولادة الدولة الريعية النفطية التي ساهمت بولادة فئة جديدة اخرى من الطبقة الوسطى وهى فئة (الموظفين) , وتضخم الجهاز الاداري للدولة بصورة كبيرة جدا , وتحول البرجوازية الى فئة تعيش على رواتب الدولة ومقدراتها , بعد ان كانت هى سابقا من تصرف على الدولة .
مرت قضية النفط في العراق من حيث تعاظم الموارد المالية بثلاث محطات رئيسية :
الاولى : وتمثلت باتفاقية مناصفة الارباح التي عقدتها الحكومة العراقية عام 1952 مع الشركات الاجنبية , التي كانت تاخذ على عاتقها انتاج النفط العراقي وتصديره . وفيها حصل تزايد كبير في موارد العراق المالية من النفط فبعد ان كان ايراده لايتجاوز (900) الف دينار عام 1935 قفز عام 1955 الى مايقارب (161) مليون دينار .
الثانية : اقرار حكومة عبد الكريم قاسم قانون رقم 80 لسنة 1962 الذي انتزع نسبة 99%من الاراضي الخاضعة لامتيازات شركات النفط الاجنبية وجعلها تحت سيطرة الحكومة العراقية , ورغم ان هذا القانون لم يمس الشركات النفطية وانتاجها , الا انها اضطرت الى زيادة الانتاج وتعظيم موارد الدولة المالية حيث قفز من (208) مليون دينار عام 1960 الى (281) عام 1965 .
الثالثة : وتمثلت في قرار تاميم شركات النفط الاجنبية في حزيران عام 1972 بسبب حصول مشاكل حول الانتاج وعدم رغبة تلك الشركات بزيادته , وفيها حصل تضخم هائل بموارد الدولة المالية عززها الطلب الكبير على النفط وتزايد اسعاره بعد الحروب والتوترات السياسية في منطقة الشرق الاسط والصراع العربي الاسرائيلي , حيث قفز ايراد العراق من النفط من (362) مليون دينار عام 1970 الى (2042) مليون دينار عام 1975 والى (6542) مليون دينار عام 1979 .
وكان من اهم انعكاسات ذلك على الموازنة العامة هو تصاعد مساهمة ايرادات النفط في تمويلها من نسبة 8% عام 1951 الى 90% عام 1980 , وانخفضت مساهمة الصادرات غير النفطية من مجموع قيمة صادرات العراق من 46% سنة 1950 الى 2% فقط عام 1976 . كما تضخم الجهاز الاداري بصورة كبيرة جدا , واضيفت اعداد جديدة من البرجوازية الثورية المتريفة للمجتمع العراقي , فبعد ان كان عدد الموظفين 393 الف موظف عام 1972 ارتفع العدد الى 433 الف موظف عام 1974 ثم وصل العدد الى 663 عام 1978 واذا اضفنا عدد العاملين في الجيش الذين بلغ عددهم الى 200 الف عام 1977 والكوادر المتفرعة للحزب والمنظمات الشعبية , فان عدد العاملين في اجهزة الدولة سيقارب المليون موظف وعامل وعسكري , شكل المهاجرين من الريف للمدينة معظهم , وهو مايعني خلق طبقة وسطى جديدة , تبلورت ضمن سياق سلطوي محدد , ارتبط دخلها ووجودها ومستوى حياتها على ماتجود به الدولة العراقية عليها من معاشات وترقيات ومكافئات . وهذا التضخم الكبير جاء من خلال التوزيع المركزي للخريجين على دوائر ومؤسسات الدولة بصرف النظر عن حاجتها اليهم من عدمه , وهو الامر الذي ادى الى ظهور البطالة المقنعة ولاول مرة في دوائر الدولة العراقية , التي سبق وان اكتفت من الموظفين في منتصف الستينات , واصبحت التعينات اللاحقة تخضع لقرارات سياسية , اهمها تبرير الهيمنة على الدولة والمجتمع – حسب تعبير غرامشي - واصبح الدخول في الطبقة الوسطى والتحول من النمط الريفي الى الحضري والمدني هو من السهولة بمكان , فما ان يحفظ الطالب المقررات والمناهج الدراسية التي تعتمد في اغلبها على الذاكرة والتلقين , ويتخرج من احدى المعاهد والكليات بعد سنوات قلائل , حتى يتم توظيفة ضمن دوائر الدولة براتب مجزي وثابت , ومن ثم يتحول الى النمط البرجوازي بسهولة , ويتقمص الدور جيدا كانه من سلالة النبلاء الاوربيين , الا ان عقليته الريفية سرعان ماتطفح على السطح عند اول اهتزاز اجتماعي او سياسي . وقد اشار الى هذه الظاهرة استاذنا الدكتور الوردي بقوله (يجب ان لاننسى ان الكثيرين متحضرون ظاهريا بينما هم في اعماقهم لايزالون بدوا او اشباه بدو , لان قيم البداواة التي تمكنت من انفسهم على توالي الاجيال ليس من السهل ان تزول عنهم دفعة واحدة , بمجرد تقمصهم الازياء الحديثة او تمشدقهم بالخطب الرنانة) . ويمكن متابعة تاثير الريع النفطي على المجتمع العراقي في مقالتنا في الحوار المتمدن (الدولة الريعية التي صنعت جاسم الرصيف) .
لم يحصل في عقد السبعينات تحول جذري ملموس في البنية الاقتصادية للمجتمع العراقي , وانما الذي حصل واقعا هو تطور وليس تحول . فكلنا يعلم ان التطور الاقتصادي هو سمة عامة في جميع بلدان العالم , الا ان القطيعة بين عهدين متمايزين والتحول لم تحصل الا من خلال الزيادات الكبيرة جدا في رواتب الموظفين وتوسيع قاعدة التعيين بعد 2003 (والذي سنتناوله بالتفصيل في القسم الرابع والاخير من تطور الطبقة الوسطى في العراق) , فرغم الوفرة المالية الهائلة للدولة العراقية والاحتياطي الكبير في عقد السبعينات , الا ان البرجوازية لم تظهر عليها مظاهر الرفاهية من تلك الوفرة , ناهيك عن عامة الناس والمجتمع الذي استمرت مظاهر الفقر والعوز بادية عليه , واما الريف فان حظه من تلك الوفرة المادية ليس باقل من عامة الناس الاخرين , فان بيوتهم واحوالهم وملابسهم مثل احوال القرى الافريقية البعيدة , والسبب هو طبيعة النظام السياسي والايديولوجي , الذي يتبع القومية العربية والاشتراكية والمشاريع الوحدوية والتنظيمات الثورية في العالم . وذهاب قسما كبيرا من تلك الاموال الى تلك المشاريع والانظمة السياسية في افريقيا وامريكا اللاتينية وحركات التحرر وغيرها . او صرف القسم الاخر على تعزيز الجهاز الامني والعسكري للدولة البوليسية وتبييض صفحتها امام الاعلام , من خلال شراء الكتاب والصحفيين في العالم العربي والاجنبي . وقد فصل ذلك الكاتب حسن العلوي في كتابه (العراق دولة المنظمة السريه) بقوله (ان الشارع العراقي الذي بلغت عائداته عام 1978 اكثر من اربعين مليار دولار مازال شارعا فقيرا , ومازال سبعين بالمائة من افراد الشعب العراقي فقراء محرومين من الغذاء الكافي , ولااقول الجيد , ومازالت معظم المدارس خارج المدن تقام من الصرائف والطين . ولايحتاج السائح الى جهد ليكتشف الوف الاكواخ التي يعيش فيها الفقراء في مناطق الثورة والشعلة والفضيلية وابو غريب في بغداد , وكيف الحال في المناطق النائية في جنوب العراق والاهوار وكردستان . وفي عقد السبعينات كان العراقيون يقفون طوابير طويلة من اجل الحصول على طبقة بيض او لحوم الدجاج , واما السيارات الفارهة المبردة التي تجوب عادة شوارع الدول النفطية في الخليج فهى في العراق حكرا للمسوؤلين وعوائلهم , حيث لايسمح استيراد السيارات الخاصة) .
احتكرت الفئة العليا من تلك البرجوازية افرادا يرجعون في اصولهم الاجتماعية الى عشائر ومدن تنتمي لاقليم المثلث السني ، اذ سيطر هذا إلاقليم الذي يقع ضمن نطاق شمال بغداد وغربها (الدليم، الموصل، تكريت) على مقدرات الدولة العراقية وعملية التطور الرأسمالي في البلاد خلال تلك الفترة ، وهذا يفسر أيضاً اسباب تكرار اسماء العائلات القادمة من الدليم في تشكيلة البرجوازية العراقية الكبيرة (الكبيسي،العاني، الراوي، الدليمي...) في حين ان البرجوازية الموصلية تبلورت في فترات مبكرة من تاريخ العراق , الا انه لايمكن قول الشيء نفسه فيما يتعلق بالدليم وتكريت التي شكل القادمون منها ثقلا كبيرا في الحياة السياسية العراقية بعد انقلاب 1968 وهم الذين مكنوا صدام حسين من التعامل مع المؤامرات التي حيكت ضده وافشالها في مهدها , واستولى هؤلاء على المناصب الرئيسية في الجيش والحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية وخاصة الامن العسكري والمخابرات العامة .
ارتفع عدد المليونيرية في العراق خلال تلك الفترة الى 800 مليونير عام 1980 بعد ان كان عددهم لايتجاوز الثلاثين في نهاية العهد الملكي , مع اضعاف هذا العدد من المقاولين الثانويين والتجار واصحاب المعامل وغيرهم , وجلهم يرجعون في اصولهم الاجتماعية هذا الاقليم الجغرافي المعروف بالمثلث السني , والذين حصلوا على اموالهم وثرواتهم من خلال التعاقد مع الدولة وبناء المشاريع الانشائية لها .
في عقد الثمانينات حصلت مفارقة غريبة في تطور الطبقة الوسطة كما ونوعا , فبالوقت الذي يعتقد فيه الكثير من الباحثين والمؤرخين ان عقد السبعينات كان العصر الذهبي للطبقة الوسطى العراقية , الا اننا نجد من خلال رؤيتنا للامور ومقارنتها بين اوضاع الناس المعيشية , ومعاصرتنا للواقع المعاش بلارتوش , ان عقد الثمانينات كان افضل من عقد السبعينات , في توسع مساحة المستفدين من الدولة اولا والتصاعد المالي والنقدي ثانيا . فكيف حصل ذلك , والعراق كان يخوض حربا مستعرة استمرت ثمان سنوات ؟ بل كيف حصل ذلك والعراق لم يكن اصلا يصدر النفط الذي يشكل اكثر من 90% من الموازنة العامة للدولة , فقد اغلقت ايران المنفذ البحري على الخليج , واغلقت الحكومة السورية انبوب التصدير على البحر المتوسط , ولم يبقى سوى الانبوب التركي الذي لايساعد سوى على تصدير نسبة قليلة جدا من النفط الخام ؟؟ الجواب هو بالرجوع الى طبيعة الحرب العراقية الايرانية التي بدات في ايلول عام 1980 . فقد كانت هذه الحرب التي شنها صدام حسين على ايران هى حرب بالنيابة , اي بتحريض من قبل دول الخليج العربية الغنية وتمويلها المباشر. وقد اعترف ضدام حسين عام 1999 ان وزيري خارجية السعودية والامارات طلبلا منه شن الحرب على ايران الا انه رفض ذلك !! بدعوى ان ايران هى من بدات الحرب !! ولانريد الدخول في التفاصيل السياسية والعسكرية لهذه الحرب واسبابها الحقيقية , لان هذا يخرجنا عن اصل الموضوع الذي نحن بصدده , لكن الذي يهمنا هو المبالغ الهائلة التي وفدت للعراق خلال تلك السنوات الثمان , حيث اضيف للطبقة الوسطى الملايين من الافراد المشاركين فيها بعد ان تعهدت السعودية لصدام حسين بدفع تكاليف الضحايا والسلاح وغيرها , وقالوا تلك العبارة الشهيرة التي مازال العراقيون يرددونها حتى الان (منا المال ومنكم العيال) وحددت مبلغ (25)الف دينار عراقي يحصل عليها عائلة القتيل او الشهيد في الحرب , وهى تكلفة سيارة ومنزل وراتب تقاعدي لامه وابيه وزوجته واولاده . كما شهدت البلاد - ولاول مرة - قيام احياء عصرية كبيرة في ضواحي المدن بنيت بالاسلوب الحديث , اتخذت تسميات لها علاقة بالحرب منها : الشهداء والعسكري والاسرى والمفقودين والضباط (في المناطق الغربية السنية) ونواب الضباط (في المناطق الشيعية) , ونجدها بصورة ظاهرة في المحافظات الشيعية التسعة في الوسط والجنوب , لان اكثر من 80% من الضحايا من اهل هذه المحافظات . وركب العامة من العراقيون – ولاول مرة – في حياتهم السيارات الحديثة ذات الاسعار المتوسطة . واذا علمنا ان الحرب شارك فيها مايقارب المليون مقاتل من المتطوعين والمكلفين والحرس الجمهوري والجيش الشعبي , وخلفت مايقارب النصف مليون شهيد , وضعف هذا العدد من الاسرى والجرحى والمفقودين , فاننا نعرف مبلغ السيولة النقدية الكبيرة جدا , التي حصل عليها العراقيون , الذين سيقوا الى هذه الحرب العبثية , واذا علمنا ان الاغلبية الساحقة من اولئك المقاتلين هم اشخاص وفدوا من الريف , لعرفنا كمية الافراد الذين دخلوا الى تلك الطبقة الوسطى بقدرة قادر , وسكنوا تلك الاحياء العصرية في ضواحي المدن , وتحولوا الى برجوازيين اصلاء , ولكنهم يشبهون اسلافهم من برجوازية الستينات والسبعينات , الذين يحملون في اعماقهم روحا ريفية وعشائرية (فانك من السهولة ان تنقل الرجل من الريف الى المدينة , ولكن من الصعوبة ان تنقل عقل الرجل من الريف الى المدينة) كما قال احد الكتاب الغرب .
وقد يذكر احدهم : ان الدولة في العراق في هذه الحرب قد استهلكت الفائض المالي والاحتياطي النقدي الذي تراكم في السبعينات , واصبحت مديونة للخارج بمئات المليارات من الدولارات , وخسرت مايقارب الاربعمائة مليار من جراء توقف تصدير النفط وتكاليف الحرب وتدمير البنية التحتية , فكيف تقول ان الطبقة الوسطى حصل فيها تزايد عددي وتطور نوعي في معدل الدخل ونمط الاستهلاك ؟ ان الجواب على ذلك يستدعي اولا التفريق بين الدولة والمجتمع - خلال تلك المرحلة على الاقل - فهذه الارقام هى فعلا حقيقية , والخسائر والديون كانت باهظة جدا , ولكن النظام البعثي الحاكم والدول الخليجية الداعمة له والضامنة لاستمرار عجلة الحرب وتكاليفها , لم تجعل اي تاثير لتلك الخسائر والديون على المستوى الشعبي والاجتماعي في البلاد , وفضلت بدلا من ذلك الاستغراق بالديون الخارجية على زعزعة الجبهة الداخلية وديمومة الزخم البشري والقتالي كوقود دائم لاينضب لهذه الحرب , واستمراريتها قسرا من خلال الاعدامات والملاحقات اولا , او المغريات المالية والصرفيات النقدية ثانيا .
الا انه يجب التنويه ان تزايد اعداد الطبقة الوسطى المتريفة في عقدي السبعينات والثمانينات لايعني ايضا صعود المجتمع المدني . فالتلازم بين البرجوازية والمجتمع المدني هو احدى السمات الاجتماعية التقليدية في العالم , لان هذه الطبقة الوسطى هى خميرة الليبرالية والديمقراطية والمدنية , الا اننا في العراق وجدنا العكس من ذلك , ان هذه الطبقة ليست اليد الضاربة والرافضة لقيم الليبرالية والديمقراطية والتعددية , والمبشرة الاولى بمفاهيم العسكرتارية والايديولوجيا والدوغمائية فحسب , بل انها مبشرة ايضا لقيم الريف والبداوة والقائد الرمز والاب الاوحد والشيخ النهاب الوهاب , وغيرها من المفاهيم التي تتلائم مع نظامهم المعرفي الاصلي والحقيقي , ويرجع السبب الاساس في ذلك التماهي المطلق مع التوجهات الحكومية هو ان هذه الفئات المتريفة التي تملك في داخلها جوعا اسطوريا وتاريخيا منذ العهود السومرية وحتى الان , لايهمها قيم التمدن والتحضر والحرية والتعددية السياسية والثقافية والديمقراطية , بقدر مايهمها عمن يسد جوعها الاسطوري وحرمانها التكويني . ويذكر البروفسور سامي زبيدة في مقالته (صعود وانهيار المجتمع المدني في العراق) (تميز حكم البعث بالهيمنة التسلطية للدولة على المجتمع المدني , وقمع وتدمير اي اختلاف او اعتراض سياسي , مقرونا بدمج كل المؤسسات والاتحادات الاجتماعية في الدولة ..... وتمت تصفية مجتمع المواطنين تماما وجرى تجنيدهم وضبطهم في صفوف حزب البعث او ضمان ولائهم للزمرة الحاكمة) . وكان للاموال السهلة التي تزايدت بفضل عائدات النفط والايديولوجيا القومية القسرية والقمع المفرط دور في ذلك , واستطاعت التمدد حتى على التيارات الايديولوجية والسياسية الاخرى في البلاد وضمها اليها كالتيار الماركسي والليبرالي , وقد اعترف الشاعر المعروف سعدي يوسف ان احد البعثيين في السلطة قال له في نهاية السبعينات بفخر وثقة (لو ان لينين بعث حيا لجعلناه شيوعيا !!) .
خلال فترة الحصار الاقتصادي الذي فرضته الامم المتحدة على عراق صدام حسين عقب احتلاله الكويت عام 1990 وتحديدا بين عامي (1990-2003) حصل انهيار كبير وشامل في الطبقة الوسطى في البلاد , ليس تلك التي تبلورت في عقدي السبعينات والثمانينات فقط , بل حتى الطبقة الوسطى المدنية التي تشكلت في العهد الملكي , واصبح اكثر من 80% من افراد المجتمع العراقي يعيش تحت خط الفقر , والسبب الاساس في ذلك التحول هو منع تصدير النفط للاسواق العالمية , والذي اخذ يشكل اكثر من 95% من الموازنة العامة للدولة . وهو مايعني تلاشي العملة الصعبة والموارد المالية بصورة نهائيا , فكلنا يعلم ان الدولة العراقية وبعد تزايد عائدات النفط بعد قرار مناصفة الارباح عام 1952 وقرار التاميم عام 1972 اصبح هاجسها الاساس هو الحصول على الاموال السهلة من عائدات النفط , وبالطبع ان الامر لايحتاج سوى الى مد انابيب طويلة الى الميناء وخزانات كبيرة للتجميع , وتركت الاهتمام من جراء ذلك بالزراعة او الصناعة . وقد وصل التضخم في البلد الى مستويات قياسية واسطورية , فبالوقت الذي كان الدينار العراقي يساوي ثلاث دولارات في عقد السبعينات , اصبح الدولار الواحد في عقد التسعينات يساوي ثلاث الاف دينار عراقي , وبما ان راتب الموظف كان ثلاث الاف دينار شهريا في هذا العقد , فان ذلك يعني ان راتب الموظف العراقي دولارا واحدا , فيما كان سعر كيس الطحين قد وصل الى 70 الف دينار , مما اضطر اغلب الموظفين اما الى الهجرة الى خارج البلاد او العمل الاضافي بمهن اخرى لاتليق بمكانتهم ومستواهم الثقافي او بيع مدخراتهم واثاث بيوتهم , او الارتكاس نحو الرشوة والسرقة والفساد الاداري , وغيرها من الممارسات التي لم تحصل في تاريخ العراق سابقا . ولم يقتصر هذا النكوص على المسار الاقتصادي فحسب , بل انعكس على المسار الاجتماعي حيث شهدت البلاد عودة غريبة للتدين الشعبي والمكبوت الاسلامي , شجعتها الحملة الايمانية السلفية التي اطلقتها الحكومة العراقية في مطلع التسعينات , وتماهيا لافتا مع السلوكيات العشائرية والقيم القبلية , وبالطبع ان افرازات الحصار الاقتصادي كانت لها تاثيرات سلبية مباشرة ايضا على قطاعات اخرى لها علاقة بالطبقة الوسطى وتماسكها وديمومتها كالتعليم والصحة والاسكان وغيرها . واستمرت الاوضاع على ماهو عليه من الضنك والفقر والحرمان حتى سقوط النظام البعثي الحاكم عام 2003 حيث دخلت البرجوازية العراقية بنمط جديد .